صباح محمد الحسن تكتب اطياف: خفض المخاطر!!
صباح محمد الحسن
طيف أول:
من لم يُحسن البناء لا يُتقن الإصلاح.
واعتماد المجلس الوزاري لمنظمة دول إفريقيا والكاريبي والمحيط الهادئ قراراً بإعفاء السودان من كامل مديونيته للمنظمة، والتي تبلغ قيمتها مليون دولار، والذي جاء مراعاةً للظروف الاستثنائية التي يمر بها الاقتصاد السوداني بسبب الحرب هو خطوة لها أبعادها غير المرئية
فالاتحاد الأوروبي هو الممول الأكبر لبرامج المنظمة، وشريكها السياسي والاقتصادي.
والغريب أن وزير المالية جبريل إبراهيم ومن معه في حكومة الأمر الواقع لا يدركون أن ثمة فرقاً شاسعاً بين شرعية الدولة وشرعية الحكومة.
هذا الفرق هو الذي يفسّر لماذا يمكن للاتحاد الأوروبي ألا يدعم الحكومة، لكنه يستمر في التعامل مع السودان، ويعفي ديونه، ويدعمه إنسانياً.
ومعلوم أن الأوروبيين لا يعترفون بالحكومة، لكنهم لا يستطيعون تجاهل السودان كدولة تعاني ضغوطاً سياسية كبيرة تنعكس على المواطنين وتشكل عليهم عبئاً كبيراً.
وأوروبا يمكن أن تدعم السودان كدولة وشعب وكيان ترى أنه يجب ألا ينهار، حتى لا تتسع الحرب وموجات اللجوء، ولا تتمدد الجماعات المتطرفة، وحتى لا تولد كارثة إنسانية أكبر.
لكن محير أن إعفاء الديون جزئياً يستغله جبريل وحكومته سياسياً، مع العلم أن مثل هذه الخطوات تأتي لتخفيف العبء على الاتحاد الأوروبي نفسه، وهذه نقطة دقيقة ومهمة في فهم طريقة عمل المؤسسات الدولية.
فالفكرة ليست في أن ما قام به جبريل إنجاز أم “سلبطة”، بل إن جوهرها يكمن في أن الاتحاد الأوروبي يسهّل على نفسه عملية الدعم الإنساني عندما يزيل ديوناً معلّقة على دولة في حالة حرب.
فالإعفاء من قبل المنظمة يعني ثلاثة مقاصد أوروبية:
أولاً: أن هناك خطوة قادمة تبدأ بتهيئة السودان وجعله “مؤهلاً” لتلقي مساعدات إنسانية كبرى، وذلك عبر حل شامل للأزمة. فهناك قواعد صارمة فالمنظمات والدول الأوروبية ترى أن الدول ذات الديون المتراكمة تُصنَّف دولاً عالية المخاطر، غير مؤهلة لبرامج التنمية، وغير مؤهلة للمنح، وليست مؤهلة لبرامج إعادة الإعمار وهذا يتعارض مع خطة الحل الدولي القادم .
سيما أن الحل يضع خطة محكمة للمساعدات وإعادة إعمار ما بعد الحرب، فأول ما يقوم به هو خفض مستوى المخاطر.
ولكي لا يقوم بهذه الخطوة مباشرة لأنه لن يتعامل مع حكومة في الوضع الحالي، لذلك يضطر الاتحاد الأوروبي عبر شركائه إلى إعفاء بعض الديون حتى يتمكن من وضع الدولة في مستوى ديون طبيعي.
ثانياً: يخفّف الإعفاء العبء على الاتحاد الأوروبي لأنه يمنع “ازدواجية الإنفاق” داخل الاتحاد الأوروبي.
فإذا بقيت الديون قائمة، سيبدو الأمر أن السودان لا يدفع ديونه، وأن الاتحاد الأوروبي يقدّم مساعدات، وفي النهاية تبدو أموال المساعدات كأنها تعويض غير مباشر عن الديون غير المدفوعة، وهذا يخلق مشكلة سياسية داخل أوروبا.
فالإعفاء يغلق هذا الباب تماماً.
ثالثاً: يسهل الإعفاء تمرير المساعدات في برلمانات الدول الأوروبية.
فالتحاد الأوروبي ليس دولة واحدة، بل أكثر من عشرين دولة، لكن عندما تُعفى الديون تصبح المساعدات “إنسانية خالصة”، ويسهل تمريرها دون اعتراضات، ولا تبدو كأنها دعم لحكومة غير شرعية، ولا كأنها تغطية لديون قديمة.
فالإعفاء يزيل الحرج السياسي عن الاتحاد الأوروبي الذي لا يريد أن يقدم دعماً مباشراً لحكومة غير معترف بها، أو يغطي ديون سلطة لا يثق بشرعيتها، أو يمول سلطة في حالة حرب.
لكن عندما تُعفى الديون يصبح الدعم موجهاً للسودان كدولة، وليس للحكومة.
لذلك هي خطوة تخفّف العبء على الاتحاد الأوروبي في تقديم المساعدات، وتجعل دعمه للسودان مستقبلاً، سيما في ما يتعلق بالمشاريع التي تصب مباشرة في مصلحة المواطن، أسهل سياسياً ومالياً وإدارياً.
وبالتالي، الإعفاء ليس لصالح السودان فقط، بل يخدم الاتحاد الأوروبي أكثر في عملية تبنيه للدعم الإنساني وإعادة الإعمار ، وحتى فيما يتعلق بتمويلاته الموجهة للغذاء والصحة والتعليم.
لذلك من المهم التفريق بين سلوك حكومة معينة وبين طبيعة الإعفاءات الدولية نفسها، لأن الإعفاءات في هذا التوقيت لم تأتِ لخدمة حكومة الأمر الواقع، بل لخدمة الدولة والشعب، حتى لو حاولت الحكومة توظيفها سياسياً؛
فتصوير أي دعم خارجي كأنه “اعتراف بشرعيتها”، واستخدام المساعدات لتلميع صورتها داخلياً، وتصويرها كإنجازات حكومية، وتوظيف الدعم في خطابها السياسي والإعلامي، وإظهار نفسها كحكومة قوية قادرة على جلب التمويل الدولي، هو أمر خاطئ ولا يغيّر طبيعة الإعفاء نفسه ولا أهدافه الدولية.
فالدين يُسجّل على السودان كدولة، والإعفاء يُمنح للسودان، والمستفيد الحقيقي هو الشعب مستقبلاً، وليس الحكومة.
وهذا هو الفرق الجوهري بين شرعية الدولة وشرعية الحكومة.
فالمجتمع الدولي يعرف فساد الحكومات، لذلك لا يقدم دعماً مباشراً. ومن قبل حصلت حكومة الأمر الواقع على أموال لكنها لم تدخل خزينة جبريل، وليس له حق التصرف فيها.
ويستخدم مجموعة من الآليات الذكية التي تسمح له بتقديم الدعم دون المرور عبر الحكومة، ودون أن يمنحها شرعية أو موارد يمكن أن تُستغل.
ويقوم بتحويل الدعم مباشرة إلى الشعب عبر المنظمات الدولية، وهذه أهم آلية، وتُستخدم بكثافة في السودان واليمن وسوريا وأفغانستان.
فعادة ما يضع المجتمع الدولي قيوداً صارمة على الحكومات الفاسدة، ويفرض رقابة مالية وشروط شفافية عالية، وذلك وفقاً للتقارير الدورية القائمة على التدقيق الخارجي، التي تمنع تحويل الأموال إلى جهات حكومية فاسدة وفاقدة للشرعية ومفروض عليها عقوبات اقتصادية.
لذلك، إن ما يقوم به الأوروبيون من خطوات تجاه السودان هو بداية تحرك أوروبي بصفته “شريك في الحل ” لعملية تهيئة لخدمة قادمة ولإقتصاد ما بعد جبريل، وليس كما يظن أو تظن الحكومة.
طيف أخير:
قالت وزارة الخارجية إن الحكومة دحضت ادعاءات استخدام أسلحة كيميائية، وأكدت استمرار التزامها الكامل بأحكام اتفاقية حظر استخدام وإنتاج وتخزين الأسلحة الكيميائية وتدميرها.
دحضتها وين!؟
