د. مروة السيد: قضية الشعب لا تختزل في الأفراد ومواقف المتغيرين لا توقف النضال

80
marawa

دكتورة مروة السيد

إن الثورة السودانية، ذلك المد الشعبي الجارف الذي اجتاح البلاد في ديسمبر 2018، لم تكن حدثاً عابراً أو مجرد تنازع محدود على السلطة بين أفراد أو جماعات، بل جاءت تعبيراً صادقاً وعميقاً عن إرادة شعب بأكمله قرر أن ينهض من تحت ركام القهر والاستبداد، وأن ينتزع حقه المشروع في الحرية والسلام والعدالة. لقد كانت ملحمة وطنية كبرى تجاوزت حدود الأشخاص والمصالح الضيقة لترتقي إلى مستوى القضية المصيرية – قضية إعادة تأسيس الدولة السودانية على أسس العدالة والمواطنة والمساواة، وبناء وطن جديد يليق بتضحيات أبنائه وينعم فيه الجميع بالحياة الكريمة والعدالة الاجتماعية والاستقرار المستدام.

يمثل سقوط نظام الرئيس عمر البشير لحظة مفصلية في التاريخ السوداني الحديث، وقد عمت البلاد آنذاك حالة واسعة من الفرح والأمل بالتغيير. غير أن هذا السقوط ورغم رمزيته الكبيرة لم يؤدي إلى تفكيك بنية النظام القديم بشكل كامل، إذ ظلت شبكاته ممتدة ومتجذرة داخل مؤسسات الدولة وتحاول إعادة إنتاج نفسها واستعادة نفوذها عبر تعقيد المشهد السياسي وإفشال مسارات التحول وإذكاء الأزمات في أكثر من اتجاه. وفي خضم تلك المرحلة تعززت لدى كثيرين القناعة بأن عودة قوى الإسلام السياسي إلى واجهة الحكم كانت تشكل احتمالاً قائماً، ما جعل المشهد أكثر تعقيداً وتوتراً، وبرزت قوات الدعم السريع كأحد الفاعلين الرئيسيين في معادلات القوة على الأرض، باعتبارها طرفاً مؤثراً في ميزان الصراع آنذاك، وكانت المرحلة تعبر عن صراعاً مفتوحاً حول مستقبل الدولة واتجاهاتها بين قوى تسعى لإعادة إنتاج الماضي وأخرى تطمح إلى إعادة تشكيل الحاضر والمستقبل على أسس جديدة، وسط جدل وطني لا يزال مستمراً حول طبيعة التحول الديمقراطي في السودان.

إن وفاء قائد الدعم السريع منذ البداية الذي رفض الانصياع لأوامر قتل الثوار المعتصمين، شكل نقطة تحول في مسار ثورة ديسمبر المجيدة. هذا الموقف الشجاع أحدث فارقًا كبيرًا في موازين القوى، وأجبر الجيش على الانحياز لخيار الشعب، مما مهد الطريق لانتصار الثورة. وكانت قيادات الكيزان تدرك أن العائق الوحيد أمام عودتهم إلى السلطة هو قوات الدعم السريع، ولذلك أشعلوا هذه الحرب معتقدين بغرور أنهم قادرون على القضاء على الدعم السريع في غضون (4 أيام) والعودة إلى كرسي السلطة ولكن حساباتهم كانت خاطئة وإرادة الشعب أقوى من مخططاتهم البائسة، وقد أتت الرياح بما لا تشتهي سفنهم، فالثورة لا تزال مستمرة حتى تحقيق أهدافها كاملة.

القضية اليوم ليست مرتبطة بأشخاص أو مجموعات بعينها، بل تمثل مسارًا نضاليًا ثوريا يستهدف إحداث تحول جذري في بنية المجتمع والدولة السودانية، ومن هذا المنطلق تتقدم أهمية وحدة الصف وتماسك الإرادة كقاعدة أساسية، تجمع الكلمة وتحصن الموقف بما يحفظ مسار التغيير حتى بلوغ غايات الثورة، وهي معركة وعي ووجود لا تحتمل التراجع أو الانكسار، بل تمضي بثبات نحو تحقيق تطلعات الشعب في الحرية والعدالة وبناء الدولة على أسس جديدة أكثر رسوخًا واستقامة.

وفي هذا المسار تبرز أحياناً مواقف تعكس تبايناً حاداً في المواقف السياسية وتفتح الباب أمام قراءات مختلفة حول طبيعة التحولات والانشقاقات داخل المشهد العام فبعض هذه التحولات ينظر إليها من قبل أنصارها باعتبارها خيارات سياسية، بينما يراها آخرون تناقضاً مع الشعارات والمبادئ التي رُفعت سابقاً، وهو ما يغذي الجدل حول مفهوم الثبات على الموقف من عدمه.

وفي هذا المسار تبرز بعض المواقف التي تكشف عن معادن الأشخاص، وتفضح الانتهازيين الذين يبيعون مبادئهم من أجل مصالح شخصية. فما حدث من انشقاق “النور القبة” وانضمامه إلى جلاده، لا يمكن تفسيره إلا بالانتهازية البحتة والسعي وراء المال. إن من يمتلك قضية أو مبادئ وأهدافًا سامية لا يمكن أن ينضم إلى من كان يقاتله ويقف في وجه تطلعات شعبه، وهذا السلوك لا يختلف كثيرًا عن انتهازية موسى هلال، الذي باع ابنته للرئيس التشادي الراحل إدريس ديبي في زواج مصلحة جلب له ملايين الدولارات متجاهلاً فارق السن الكبير بينهما، ومضربًا عرض الحائط بكل القيم والأخلاق. إن النور القبة لم يحزن حتى على مئات الشباب من أسرته الذين استبسلوا وقدموا أرواحهم فداءً للقضية لو كان له قلب لما خذل وخان دماء الشهداء واختار الانضمام إلى الجلاد، وانا لم احزن على انضمامه مثلما لم احزن من قبل على انضمام كيكل وان خروج أي خائن افضل من بقائه، لان بقائه ببساطة قد يكلف أرواح عديدة، ولذلك فإن انضمامهم كشف عن حقيقتهم وهو خير للقضية وللوطن ولجميع الثوار الذين يواصلون المشوار. ففي الميدان هناك آلاف الثوار المناضلين جاهزون لسد أي فراغ يتركه أي خائن أو عميل لجيش الإخوان ومن اقتفى أثرهم. إن الوفاء والثبات على القضية والمبادئ هي شيم الأنبياء، والخيانة والسلوك الانتهازي بكل أشكاله هي شيم العملاء، ومع ذلك لم يستطيعوا أن ينالوا من الثورة، لأن الثوار قد عاهدوا أنفسهم بأن دماء الشهداء لن تذهب هدرًا.

ولعل الانتصارات التي تحققت يوم أمس في محوري كازقيل غرب مدينة الأبيض لهي دليل قاطع على التقدم المستمر والانتصار الوشيك لقضيتنا العادلة وإنها رسالة واضحة بأن إرادة الشعب السوداني لن تنكسر وأن النصر قادم لا محالة وأن بناء السودان الجديد سودان الحرية والكرامة والسلام هو قدر محتوم سيتحقق بسواعد أبنائه الأوفياء.

What do you feel about this?