سعد الدين الماحي: صفقة “شميم مافي” تكشف عن استخدام إيران السودان كحقل تجارب لطائراتها المسيرة
سعد الدين الماحي
أعادت قضية توقيف المواطنة الإيرانية “شميم مافي” في لوس أنجلوس بتهمة التوسط في صفقة سلاح كبرى بقيمة 70 مليون دولار، تسليط الضوء على الشراكة العسكرية المتنامية بين طهران والجيش السوداني، باعتبارها نافذة تكشف عن استراتيجية إيرانية لتعزيز نفوذها في البحر الأحمر وأفريقيا عبر بوابة بورتسودان.
وجاء في لائحة الاتهام أن الصفقة تضمنت طائرات مسيّرة من طراز “مهاجر-6″، وهي سلاح استراتيجي أنتجه الحرس الثوري الإيراني. وتتميز هذه المسيرات بقدرتها على تنفيذ مهام الاستطلاع والقصف بدقة عالية. وبالنسبة للجيش السوداني، الذي يواجه ضغوطاً ميدانية كبيرة، تمثل هذه الطائرات وسيلة فعالة لتعويض النقص في القوات البرية واستهداف خطوط إمداد الخصوم بدقة، مما يغير موازين القوى في الصراع الحالي.
ومن جانب آخر كشفت قضية “مافي” عن تعقيد شبكات المشتريات التي يستخدمها الحرس الثوري. فالصفقة التي شملت 55 ألف صاعق قنابل ومسيرات متطورة تُظهر أن إيران تستخدم وسطاء يحملون جنسيات أو إقامات غربية لتجاوز العقوبات الدولية. هذا التوغل المالي والعسكري يؤكد أن التعاون السوداني الإيراني انتقل من “التفاهمات السياسية” إلى “العقود المليونية” الموثقة.
وسرعان ما اتضح أن الصفقة موضع الاتهام لم تكن سوى “رأس جبل الجليد” لتعاون عسكري واستراتيجي متصاعد بين الحرس الثوري الإيراني والقيادة العسكرية في السودان، التي تشهد نفوذاً واسعاً لتيار الحركة الإسلامية (الإخوان المسلمين)، في استئناف لعلاقات قديمة كانت قوية في عهد النظام السابق. فالتيار الإسلامي المسيطر على مفاصل القرار في الجيش السوداني يجد في طهران شريكاً “مجرّباً” لا يضع قيوداً حقوقية على مبيعات الأسلحة. بينما يستغل الحرس الثوري الإيراني هذا النفوذ الأيديولوجي، لضمان موطئ قدم له في منطقة جيوسياسية حساسة.
وتسعى إيران للحصول على تسهيلات لوجستية أو قواعد رمزية على ساحل السودان يمنح طهران قدرة على تهديد أو مراقبة ممرات الملاحة الدولية. وكذلك لكسر عزلتها الدولية عبر إقامة تحالفات مع أنظمة تواجه ضغوطاً غربية. الأمر الأخطر أن جبهات القتال في السودان، توفر بيئة حقيقية لاختبار وتطوير تكنولوجيا المسيرات والصواريخ الإيرانية.
وتؤكد التقارير أن إعادة بورتسودان العلاقات مع طهران العام الماضي لم تكن قراراً عسكرياً بحتاً، بل كانت مدفوعة بضغوط من عناصر النظام السابق (الحركة الإسلامية) الذين استعادوا نفوذهم داخل مؤسسات الدولة، وهم يرون في النموذج الإيراني (الدمج بين العقيدة الدينية والقوة العسكرية)، نموذجاً يحتذى به للحفاظ على السلطة.
وتتعامل واشنطن مع هذه القضية كتهديد للأمن القومي، إذ تعدها محاولة نقل تكنولوجيا عسكرية إيرانية إلى منطقة نزاع مشتعلة مثل السودان يمثل انتهاكاً صارخاً لـ “قانون إصلاح الرقابة على الصادرات”.
وحذرت واشنطون مرارا،ً من أن الدعم العسكري الإيراني للجيش السوداني “يؤجج الصراع” ويعرقل جهود السلام. وتشير التقارير إلى أن البيت الأبيض يراقب بقلق محاولات إيران الحصول على تسهيلات في ميناء بورتسودان مقابل هذه الأسلحة.
وأثارت صفقة (مافي) مخاوفاً عميقة لدى جيران السودان والقوى الإقليمية حول تحول السودان إلى قاعدة متقدمة للحرس الثوري، مما يهدد أمن الملاحة في البحر الأحمر وقناة السويس. كما أن وجود مسيرات “مهاجر-6” في السودان يعني امتلاك الجيش (وحلفائه من الجماعات الإسلامية) قدرة على استهداف منشآت أو سفن بعيدة المدى.
وترى بعض العواصم العربية أن عودة النفوذ الإيراني إلى السودان عبر بوابة “الإخوان المسلمين” يمثل إعادة لإنتاج “محور الراديكالية” الذي كان قائماً في عهد عمر البشير، وهو ما قد يزعزع استقرار منطقة شرق أفريقيا بالكامل.
وتدرس لجان الخبراء التابعة للأمم المتحدة التقارير التي تفيد بوصول أسلحة إيرانية للسودان، حيث يعد ذلك خرقاً محتملاً لقرار مجلس الأمن الذي يحظر توريد الأسلحة إلى السودان.
وأعربت منظمات دولية عن خشيتها من أن استخدام المسيرات والقنابل الإيرانية في المناطق الحضرية سيزيد من أعداد الضحايا المدنيين ويفاقم الكارثة الإنسانية، خصوصاً مع افتقار القوات المحلية للتدريب الكافي على تجنب الأهداف المدنية عند استخدام هذه التقنيات.
من جانبه أبدي الاتحاد الأوروبي قلقاً متزايداً من الدور الإيراني “المزعزع للاستقرار” في أفريقيا. وهناك مناقشات داخل بروكسل لإضافة كيانات سودانية وإيرانية متورطة في هذه الصفقات إلى قوائم العقوبات الأوروبية، على غرار العقوبات المفروضة على إيران بسبب تزويدها لروسيا بالمسيرات.
وتضع هذه التطورات حكومة بورتسودان بقيادة الجيش والجماعات الإخوانية المتحالفة معه تحت المجهر الدولي بشكل أكبر، حيث بات يُنظر إليها كطرف يساهم في جلب النفوذ الإيراني إلى منطقة حساسة عالمياً، مما قد يؤدي إلى زيادة العزلة الدولية على بورتسودان وفرض عقوبات اقتصادية وعسكرية – أكثر صرامة – على قوات الجيش.
