الجميل الفاضل: ليلة السكاكين الطويلة؟!

1
aljameeel

الجميل الفاضل

كيف يُقاسُ وطنٌ تحوّل، في عينِ الجالس على عرشه، إلى فكرةٍ عابرةٍ علي رأسِ نبوءة؟

ربما يبدأ الجواب علي هذا السؤال من نص “فانتازي” لمحمود درويش، أسماه: «خُطب الديكتاتور الموزونة»، هو نص يرينا كيف للحاكم أن يختار شعبه كما تختار العصابات الأقنعة.

يقول الشاعر في «خطاب الجلوس»:

“سأختار شعبي،

سأختار أفراد شعبي،

سأختاركم واحداً واحداً،

من سلالة أمي ومن مذهبي،

سأختاركم كي تكونون جديرين بي،

سأختار شعباً محباً، وصلباً، وعذباً، سأختار أصلحكم للبقاء، وانجحكم في الدعاء لطول جلوسي”:

أيُّ جلوسٍ هذا الذي يحتاج إلى شعبٍ مُفصَّلٍ على المقاس؟ وأيُّ وطنٍ ذاك الذي يُعاد خلقه كل صباحٍ ليوافق مزاج الجالس عليه؟

ثم، في «خطاب الضجر»، يكشف درويش القناع أكثر:

“اختصر الناس،

أقتل ثلثاً،

وأطرد ثلثاً،

وأبقي من الثلث حاشية للسمر.

وأطبع وجهي من أجلكم فوق القمر،

لكي تحلموا مثلما أتمنى لكم:

تصبحون عليّ

وما من خبر”.

فالصورة التي رسمها درويش في الخيال، تتسرّب، ببطءٍ مخيف، إلى واقعٍ يجسده حاكمٌ يرى الناس أرقاماً قابلةً للحذف، والوطن مساحةً قابلةً لإعادة الترتيب، والكرسي قدراً لا يُراجَع.

في هذا المشهد، يتبدّى البرهان لا كقائد جيش ولا كرأس دولة، بل كحارس نبوءة.                              هي في الحقيقة نبوءةٍ صغيرة في أصلها، عاديةٍ في سياقها: نبوءة أبٌ يرى في ابنه ما لا يراه الآخرون.

لكنها، حين صعد ابنه إلى الكرسي، تحوّلت عنده إلى قدرٍ ثقيل، يُدار بالدم، ويُضاء بحريق الأعصاب.

يقول الجنرال، بطمأنينة الواثق:

«والدنا أحسبه رجلاً صالحاً… وقد ذكر أنني سأكون ممن يحكمون السودان… ولعل من المصادفات السعيدة أنني من مواليد 4 يوليو 1960، وهو ذات يوم توقيع اتفاقنا مع الحرية والتغيير في 4 يوليو 2019… وهذه مصادفة طيبة».

لكن، متى كانت المصادفات تُدير دولاً؟ ومتى صارت الأُمنيات دساتير؟ هنا، تنقلب الحكاية: لتتحول النبوءة إلى درعٍ نفسي، وتغدو المصادفة دليلاً، ويصير البقاء في الحكم غايةً تُبتلع بجوفها كل الوسائل المشروعة.

ومن هذا الجوف نفسه، يخرج سلوكٌ بارد، حاد، لا يرى في احتراق المدن سوى «تفاصيل صغيرة»، ولا في نزوح الملايين سوى «حركة عادية»، ولا في سقوط الضحايا سوى مجرد «أرقام» على هامش الخطة.

كل ذلك قبل أن يأتي الرجل بوجه آخر، وجه: حاوٍ بارع، يبدّل أوراقه كما يشاء، يتنصّل من عهوده بخفةٍ، ويدور على أخطائه كأنها لم تكن، ينتقل من ضفةٍ إلى أخرى، لا بحثاً عن خلاص وطنه، بل عن خلاص كرسيه.                                           كل شيءٍ عنده قابلٌ للنقاش… إلا مسألة بقائه في الحكم.

وفي أعماقه، يتضخّم رويدا رويدا صوتٌ خفي يقول: «أنا القادر».

القادر على اللعب «بالبيضة والحجر»، على خلط القوانين بالأوهام، على القفز فوق الأخلاق، كما الحواجز.                                    ومن هنا، فقد أصبح العبث بثروات البلاد أمراً عادياً، وتهريب الذهب تفصيلاً ضئيلاً، وتبديد المال العام استثماراً في ولاءاتٍ عابرة، سرعان ما تتبخر مع هبوب أول ريح.

فالسلطة التي تُبنى على نبوءةٍ، لا بد أن تختبر حقيقتها في لحظةٍ ما.

وفي هذه اللحظة، تبدو الدائرة أضيق من أي وقتٍ مضى.

شركاء الأمس، الذين استُخدموا أدواتٍ في مسرحٍ دموي، صاروا يقفون على حافة الشك.                   يتربّص بعضهم ببعض، كأنهم يسمعون الصوت ذاته: نبوءة الأب لا تسع غير ابنه.

وهنا، تقترب الساعة التي لا تُخطئها الحواس:

«ليلة السكاكين الطويلة».

ليلةٌ لا تحتاج إلى إعلان، يكفي فقط أن يضيق الكرسي بمن حوله.                       لتتحوّل التحالفات إلى فخاخ، والوجوه إلى مرايا خائنة، والهمس إلى نصلٍ يلمع في الظلام.

عندها، يصبح القرب خطراً، والولاء شبهة، والصمت نجاةً مؤقتة.

إنها تراجيديا الحاكم الذي صدّق خرافته الخاصة، حتى لم يعد يرى في شعبه إلا ظلالاً باهته، ولا في وطنه إلا غنيمة باردة، ولا في الموت إلا أراقماً صماء.                               لكنه ينسى، كما نسى من سبقه، أن العروش التي تُقام على حمامات الدم، تهدمها لا محالة سيول الغضب الجارفة.

المهم هكذا هم الطغاة دائما كالأرقام القياسية، التي لابد أن تنكسر في النهاية.

What do you feel about this?