اقتصاد الحرب الخفي: كيف تتحكم شبكات السلاح في استمرار الصراع السوداني
لم تعد الحرب في السودان مجرد صراع عسكري، بل تحولت إلى نظام اقتصادي متكامل يدار عبر شبكات سلاح وتمويل غير قانوني، يمتد عبر الحدود ويستغل مؤسسات الدولة والمجال الإنساني. القضايا الأخيرة في أبوظبي والولايات المتحدة تكشف كيف أصبح اقتصاد الحرب عامل استمرار النزاع، يعرقل أي جهود حقيقية للسلام.
وكالات – بلو نيوز
الحرب في السودان تجاوزت حدود ميادين القتال، لتصبح نموذجاً مكتملًا لـ”اقتصاد الحرب”، حيث تتشابك شبكات التهريب وغسل الأموال والتمويل غير المشروع مع العمليات العسكرية، ما يخلق نظامًا قائماً بذاته، تتغذى فيه الحرب على مواردها الخاصة وتعيد إنتاج نفسها باستمرار.
القضيتان اللتان كشفت عنهما أبوظبي والولايات المتحدة، المرتبطتان بتهريب الأسلحة لصالح الجيش السوداني، ليستا مجرد حوادث منفصلة، بل تعكسان بنية أوسع تمتد من موانئ بورتسودان وبندر عباس، تتداخل فيها الأسواق المالية مع العمل الإنساني وشبكات الشركات العابرة للحدود.
في المرحلة الحالية، لم يعد اقتصاد الحرب مجرد نشاط موازٍ، بل أصبح المصدر الرئيسي لتمويل العمليات العسكرية وأداة لإعادة توزيع النفوذ بين الفاعلين، وبديلاً عن مؤسسات الدولة المنهارة. الجيش السوداني يعتمد على شبكات غير قانونية للتمويل داخلياً وخارجياً عبر قنوات متعددة، تشمل شركات واجهة وحسابات مصرفية موزعة، وشبكات لوجستية تربط الموانئ بميناء الوصول.
يكشف خبراء أن تورط شركة حكومية في تهريب الأسلحة، مثل شركة “بترولاينز” التابعة لوزارة الطاقة، يدل على أن الأمر تعدى الجيش ووصل إلى سلطة بورتسودان، التي تحولت إلى فرع للجريمة المنظمة. هذه المنظومة المالية والهجينة، بحسب الخبراء، تشبه مافيات عابرة للحدود، قادرة على التكيف وإعادة تشكيل نفسها باستمرار، ما يجعل الحرب خياراً اقتصادياً قابلاً للاستدامة، وليس مجرد حالة طارئة.
من أخطر مظاهر هذه الشبكات استخدام الغطاء الإنساني، حيث تم الكشف عن استغلال شركات أدوية لتهريب الأسلحة، ما يعقد إيصال المساعدات ويهدد حيادية العمل الإنساني ويقوّض الثقة في المنظمات الدولية، بحسب الخبراء.
رغم أن النزاع يبدو داخلياً، فإن بنيته الاقتصادية باتت عابرة للحدود، متشابكة مع مصالح تجارية إقليمية ووسطاء ماليين دوليين، بينما تبقى أدوات الضغط الدولية عاجزة عن استهداف هذه الشبكات المعقدة بشكل فعّال.
اقتصاد الحرب لا يموّل الصراع فحسب، بل يعيد تشكيل دوافعه، حيث تتحول الحوافز من أهداف سياسية إلى مكاسب اقتصادية، وتتسع دائرة المستفيدين لتشمل فاعلين خارج ميادين القتال، ما يجعل إنهاء الحرب تهديداً مباشراً لمصالح هذه الشبكات ويطيل أمد النزاع.
حتى في حال التوصل إلى اتفاق، فإن استمرار هذه الشبكات يعني أن السودان سيواجه تحديات مركبة تشمل اقتصاد ظل مشترك مع الجيش، اختراق مؤسسات الحكم بأموال غير مشروعة، وتعقيد جهود إعادة الإعمار، ما يجعل نهاية الحرب غير مرادفة لانتهاء اقتصاد الحرب.
خلاصة الأمر أن القضايا المتعلقة بشبكات السلاح المحالة إلى محاكم دولية كشفت عن واقع أعمق: الحرب في السودان أصبحت منظومة اقتصادية متكاملة، تقوي مصالح متشابكة تحافظ على استمرار النزاع، ويظل تفكيك هذه المنظومة هو التحدي الأبرز لتحقيق السلام المستدام.
