دكتور الوليد مادبو: العَوَاق في أكسفورد .. حين تُهرَّب السوقة إلى محراب المعرفة
دكتور الوليد آدم مادبو
ليست الفضيحة أن يُحتج على سياسي سوداني في الخارج، فذلك من طبيعة السياسة، ولا أن يُقابل كامل إدريس بغضب من بعض السودانيين، فالرجل جاء محمولًا على سلطةٍ تتنازعها الدماء والاتهامات والخراب. إنما الفضيحة الحقيقية أن تُنقل إلى مدينة مثل Oxford — تلك المدينة التي راكمت قرونًا من التقاليد الأكاديمية الصارمة — أمراض المجال العام السوداني بكل هذا الابتذال والعنف والرعونة.
في الوقفة الاحتجاجية التي نظمها بعض ثوار ديسمبر أمام University of Oxford احتجاجًا على استضافة كامل إدريس، كان يمكن للمشهد أن يبقى ضمن حدود الاختلاف السياسي المشروع: هتافات، لافتات، سجال فكري، وربما حتى غضب حاد؛ فهذه كلها من طبيعة الفضاءات الديمقراطية. لكن أن يتحول الأمر إلى اعتداء جسدي على محتجين، بينهم امرأة، بواسطة شخص محسوب على طاقم السفارة أو مرافقيها، فذلك ليس مجرد تجاوز فردي، بل تسللٌ فجّ لثقافة الاستقواء والعنف إلى واحدة من أعرق مؤسسات العالم الأكاديمية.
غير أن ما يستحق التأمل حقًا ليس سلوك المعتدي وحده، بل سلوك أولئك الذين ذهبوا ليُلمّعوا سلطة منهكة أخلاقيًا وسياسيًا داخل فضاء أكاديمي بحجم أكسفورد. العرب تقول: “فلان عَوْق” — أو “عُوقة” بالدارجة السودانية — وجمعها “عَوَاق”، أي من يفسد الأمر ويجرّه إلى السوء والخذلان. وهؤلاء — في نظري — ليسوا مجرد مؤيدين سياسيين، بل عواقٌ بالمعنى الحضاري للكلمة؛ أناس يريدون تهريب بضاعة كاسدة إلى سوق لا يشتري الخردة الفكرية، وتسويق القبح داخل مؤسسة قامت فلسفتها على الشك والنقد والعقلانية.
لكن الحادثة، في حقيقتها، تكشف أزمة أعمق من مجرد شجار سياسي عابر. إنها تكشف مأزق السوداني الحديث، خاصة في المنافي الأوروبية. فكثير من السودانيين الذين خرجوا من الخرطوم إلى لندن أو باريس أو برلين خرجوا جغرافيًا فقط، بينما حملوا معهم كل هشاشة المجال السوداني: العصبية، والتخوين، والعنف اللفظي، والانقسام القبلي والأيديولوجي. كأن الحرب لم تكتفِ بتدمير المدن، بل لحقت بهم حتى قاعات الجامعات الغربية.
الهجرة وحدها لا تصنع إنسانًا متحضرًا. قد ينتقل المرء من أطراف العالم إلى قلب أوروبا، ثم يبقى أسيرًا للعقلية نفسها التي تربّت على الفوضى والاستقواء والغنيمة. ولهذا ؛ لأنهم لم يهضموا بعد معنى العيش داخل مجتمعات تُدار بالقانون لا بالصوت العالي، وبالمؤسسات لا بالشللية.
ومع ذلك، فالأمر أعقد من صورة “المهاجر الناقم” التي يروجها اليمين الشعبوي. فكثير من المهاجرين يصلون إلى أوروبا وهم يحملون خيالًا مثاليًا عن العدالة والرفاه والكرامة الإنسانية، ثم يصطدمون بواقع بارد: عزلة ثقافية، وعنصرية مبطنة أحيانًا، وصعوبة في الاندماج، وانهيار في المكانة الاجتماعية. الطبيب الذي كان يُعامل باحترام في الخرطوم قد يجد نفسه سائق توصيل أو حارسًا ليليًا في مدينة أوروبية لا تعرف عنه شيئًا. وهذه الصدمة لا تولد دائمًا حكمة؛ أحيانًا تولد مرارة وعدوانية وانغلاقًا.
ثم جاءت الحرب الأخيرة في السودان لتضاعف هذا الانهيار النفسي. فالحرب لا تقتل البشر فقط؛ إنها تفتت المعايير الأخلاقية نفسها. حين يشاهد الإنسان القتل اليومي والخيانة والانتهاكات والدعاية السوداء، يصبح أكثر استعدادًا لتبرير القسوة ضد خصمه، حتى لو كان من أبناء وطنه. لذلك نرى اليوم لغة تخوين وتجريد من الإنسانية لم تكن بهذا المستوى من قبل. لقد خلقت الحرب سودانيين يعيشون في حالة استنفار عصبي دائم، كأنهم يحملون الجبهة العسكرية داخل صدورهم حتى وهم في المنافي، بينما تكافئ وسائل التواصل الاجتماعي التطرف والغضب أكثر مما تكافئ الاتزان والعقل.
ومع ذلك، فوسط هذا الضجيج هناك آلاف السودانيين في أوروبا يدرسون، ويعملون، ويبنون شركات صغيرة، ويؤسسون مبادرات قانونية وإعلامية وإنسانية محترمة. لكن المشكلة أن الضجيج أكثر ظهورًا من البناء الهادئ، وأن الفوضى أكثر قابلية للانتشار من الاجتهاد الصامت.
وأخيرًا، هل السودانيون أمة فوضوية بطبيعتها؟ لا أعتقد أن “الطبيعة” هي التفسير الصحيح. فالسودان عاش عقودًا طويلة من الاستعمار والانقلابات والحروب الأهلية وتسييس القبيلة وتدمير التعليم وانهيار مؤسسات الدولة. وحين تتفكك الدولة طويلًا، تتشوه شخصية المجتمع نفسه. الفوضى هنا ليست جينًا وراثيًا، بل نتيجة تاريخية. والدليل أن السوداني نفسه يستطيع أن يكون منضبطًا ومنتجًا ومحترمًا للقانون حين يعيش داخل منظومة عادلة وواضحة المعايير.
لكن لا ينبغي أيضًا الهروب إلى الرومانسية الوطنية. لدينا بالفعل أزمة عميقة في الثقافة العامة: ضعف احترام النظام، وهشاشة مفهوم المسؤولية الفردية، والإفراط في العاطفة السياسية، وتمجيد الفهلوة على حساب الكفاءة. والاعتراف بهذا ليس كراهية للذات، بل بداية النضج.
المشكلة أن بعض السودانيين يريدون صورتين متناقضتين في الوقت نفسه: أن يُعاملوا كشعب عظيم أخلاقيًا، مع رفض أي نقد ذاتي حقيقي. وهذا مستحيل، لأن الأمم لا تنضج بالمديح، بل بالمراجعة القاسية الصادقة، دون السقوط في احتقار الذات أو العنصرية ضد الناس العاديين الذين طحنهم التاريخ والحرب والفشل السياسي.
أما أولئك الذين ظنوا أن بإمكانهم جرّ سلوك “الشفشفة السياسية” وبلطجة السفارات إلى أكسفورد، فقد نسوا أن الجامعات الكبرى لا تُهزم بالصراخ، ولا تُخدع بالربطات الأنيقة والخطب الجوفاء. فهناك، في المدن التي احترمت العقل لقرون، تنكشف الرداءة سريعًا مهما حاول أصحابها الاحتماء بالشعارات أو المواكب الدبلوماسية.
وقديمًا قال العرب:
*إذا سادَ السفيهُ بغيرِ علمٍ
فذاكَ منَ القيامةِ يُنتظرُ*.
