فاطمة لقاوة: غــــــــــــــربلة الثــــــــــــــورة.

7
lagawa

فاطمة لقاوة

ليست الثورات مواكب إحتفالٍ طويلة، ولا ساحاتٍ تتسع لكل المترددين والإنتهازيين إلى الأبد، فعندما تدخل المعارك مراحلها الحاسمة، يبدأ الفرز الحقيقي؛ تتعرّى المواقف، وتسقط الأقنعة، ويظهر من يحمل القضية في قلبه، ممن كان يحملها فوق كتفه كوسيلة عبورٍ نحو السلطة أو النجومية أو الإمتيازات.

أكثر ما يخيف الثورات ليس إنشقاق الأفراد، بل وهمُ أن بعض الأشخاص أكبر من القضية نفسها، والتاريخ، من قول زعيم كوبا لدكتور جون قرنق-(في تجارب الثورات أن يترجل قائد كبير ويمشي للعدو مسألة متوقعة،في نهاية الثمانينات زار جون قرنق كوبا وقابل الرئيس فيديل كاسترو “ابوالثورة الكوبية” ،سأل كاسترو قرنق كيف أحوال الثورة والثوار ،رد قرنق كل شيئ تمام ، صمت كاسترو قليلا وقال حتى الآن لم يذهب احد قادة الثورة الكبار الى العدو ،رد قرنق بلا ؟ قال كاسترو إذن ما زلتم في طور عدم النضوج حتى يذهب احد القادة الكبار الى العدو ومعه عدد من الثوار ،قرنق إستغرب!!! رجع ما تم سنتين دكتور رياك ماشار ولام اكول أجاوين وقعوا إتفاقية الخرطوم للسلام ومشوا الى العدو معاهم كميات كبيرة من القوات المسلحة. إلى جنوب السودان، أثبت أن الثورات لا تنضج إلا حين تمر بامتحان“الغربلة”)- إتضح أن الثورة التي لا تفقد المتسلقين، ولا تتخلص من أصحاب المصالح، تظل جسداً هشّاً قابلاً للإبتزاز والإنهيار عند أول منعطف.

حين تحدّث فيديل كاسترو إلى جون قرنق عن “عدم نضوج الثورة” بسبب بقاء جميع القادة في صفٍ واحد، لم يكن يحتفي بالإنشقاقات، بل كان يشرح قانوناً قاسياً من قوانين السياسة: كلما إقتربت الثورة من جوهرها الحقيقي، ضاقت المسافة أمام المنافقين والإنتهازيين، لأن الإستمرار يصبح مكلفاً لهم، والثبات يحتاج عقيدة لا شعارات كاذبه تُرفع،هذا بالضبط ما يتكرر اليوم في المشهد السوداني.

إنسلاخ بعض الأسماء، مثل “السافنا”، و ذهاب ”القُبة”

وإرتماءه في حُضن سُلطة بورتسودان، لا يمثل ضربة قاصمة كما تحاول الأبواق الإعلامية تصويره، بل يكشف هشاشة أولئك الذين ظنوا أن الثورة مجرد منصة تفاوض أو بوابة نفوذ،فالذين يغيّرون مواقعهم مع إتجاه الريح، لا يصنعون وطناً، بل يبحثون عن مقعدٍ في أول سفينة يظنون أنها لن تغرق.

أما “عصابة بورتسودان”، التي تعيش حالة إرتباك سياسي وعسكري متصاعداً، فقد تعاملت مع هؤلاء المنسلخين كمن الغريق حين يعثر على قشة وسط الطوفان،ظنت أن إستقطاب بعض الأسماء سيمنحها شرعية مفقودة، أو يعيد إليها توازناً ميدانياً يتآكل كل يوم،لكنها تتجاهل حقيقة يعرفها التاريخ جيداً: الأنظمة التي تبني رهاناتها على المنشقين، تبني مستقبلها فوق الرمال،فالذي خان معسكره الأول عند أول إختبار، لن يكون وفياً لمعسكره الجديد عند أول صفقة.

القوة الحقيقية ليست في الرتب، ولا في الضجيج الإعلامي، ولا في صور المصافحات داخل القصور المغلقة، بل في ذلك الإيمان العنيد الذي يحمله الشباب الصامدون في الميدان، أولئك الذين لم يبدّلوا قناعاتهم رغم الجوع والحصار والخذلان،هؤلاء هم عمود أي مشروع تحرري، وهم الوقود الذي يجعل القضية أكبر من الأفراد.

لقد سقطت عبر التاريخ حكومات إمتلكت الجيوش والإعلام والمال، لكنها عجزت عن إمتلاك “الشرعية الأخلاقية”،بينما إنتصرت حركات كانت أفقر عدةً وعتاداً، لكنها إمتلكت وضوح القضية وصلابة المؤمنين بها.

أخطر ما تحاول قوى بورتسودان فعله اليوم هو إعادة جرّ السودان إلى مستنقع الجهوية والقبلية، لأنهم يدركون أن أي وعي وطني حقيقي يعني نهايتهم السياسية،لذلك يراهنون على تفكيك الوعي، وإشعال الأحقاد، وتحويل الصراع من قضية حقوق وعدالة إلى معركة هويات ضيقة، لكن الثورات الحقيقية لا تنتصر بالقبيلة، بل بالفكرة؛ ولا تبقى بالعاطفة، بل بالمؤسسة.

الثورة التي تُختزل في أشخاص، تموت بسقوطهم أما الثورة التي تتحول إلى وعيٍ جماعي، فهي عصية على الإنكسار.

لهذا، فإن رحيل بعض الأسماء ليس نهاية الطريق، بل ربما يكون بداية مرحلة أكثر نقاءً وصلابة، فالثورات الكبرى لا تتقدم بالحشود المرتبكة، بل بالصفوف التي إجتازت إمتحان الولاء للمبدأ لا للمصلحة.

لا يذكر التاريخ الذين غادروا عند إشتداد العاصفة، بل يخلّد أولئك الذين بقوا واقفين بينما كان الجميع يبحث عن مخارج النجاة.

What do you feel about this?