مليح يعقوب حماد: محرقة “خمي” .. المسيرات الانتحارية وإستراتيجية تفكيك مجتمعات الحوازمة وجيرانهم بكردفان

1
malih

مليح يعقوب حماد

في صبيحة يوم السبت، التاسع من مايو 2026، فُجع إقليم جنوب كردفان بمجزرة مروعة هزت الضمير الإنساني؛ حيث تحولت منطقة “خمي” بمحلية القوز إلى مسرح لجريمة مكتملة الأركان القانونية والجنائية، إثر استهداف الجيش لعربة نقل مدنية (دفار) تحمل على متنها 37 مواطناً، معظمهم من النساء والأطفال، انطلقوا من “حبل الوادي” متجهين صوب “أبو زبد”.

قصفتهم “طائرات الموت” المسيرة، التابعة للجيش الذي اختطف قراره تنظيم الحركة الإسلامية والميليشيات المتحالفة معه، ومزّقت أجساد 15 شهيداً وتركت العشرات في حالة جراحية حرجة. تبرهن الاستهدافات المتوالية لجيش الاخوان ضد الرعاة والمزارعين بإقليم كردفان على أن حرب “السودان” قد غادرت محطة النزاع المسلح، ودخلت طور “الإبادة الانتقائية” القائمة على فرز المجتمعات وتصنيفها اجتماعياً وجغرافياً.

أولاً: عقيدة “الوصم السياسي” والقتل بالهوية

إن واقعة دفار “خمي” تمثّل تجسيداً حقيقياً لعقيدة القتل بالهوية، وانعكاساً مدروساً للنهج القتالي الذي يتبناه عناصر النظام البائد، والذي يقوم على “شرعنة” استهداف مجتمعات الحوازمة وجيرانهم عبر بوابة الوصم السياسي؛ إذ تُصنف هذه المكونات بوصفها “حواضن اجتماعية” مفترضة للخصم، لتحويل المجتمع المدني بأسره في مخيلة المخططين إلى أهداف عسكرية مشروعة.

هذا النمط المتكرر من الانتهاكات يثبت إصرار الجيش على ممارسة “العقاب الجماعي”، ويعيد الذاكرة لفواجع “كازقيل”، “الحمادي”، “علوبة”، “أم روابة”، و”الرهد”؛ حيث تُستباح الدماء والأموال تحت غطاء العمليات العسكرية، في محاولة مكشوفة لكسر شوكة تلك المجتمعات الرعوية والزراعية التي ترفض التبعية لمركزية الإقصاء، وتتمسك بحقها في الوجود على أرضها.

ثانياً: عسكرة التقنية لإحداث التغيير الديموغرافي

تتطلب عمليات استخدام تقنية الطيران المسير ضد “عربات النازحين” إحداثيات دقيقة وتوجيهاً مباشراً، وذلك ما ينفي فرضية “العشوائية” ويؤكد ركن “التعمد والترصد”. فتوظيف هذه التقنيات الحديثة يخدم إستراتيجية “الأرض المحروقة” التي تهدف إلى دفع مجتمعات الحوازمة وجيرانهم إلى التهجير القسري وإخلاء مناطق نفوذهم التاريخية. هذا “التطهير العرقي” التقني يرمي إلى إعادة رسم الخارطة السكانية لإقليم كردفان، بما يضمن السيطرة على الموارد الحيوية -مثل الصمغ العربي والثروة الحيوانية- التي تمثل جوهر السيادة الوطنية السودانية.

ثالثاً: خنق شريان الحياة وضرب مشروع “السودانوية”

تحمل غارات الجيش المتكررة ضد المدنيين بجنوب وغرب كردفان رسائل إرهابية مفادها: “لا يوجد مكان آمن”. فاستهداف وسائل النقل المدنية إستراتيجية ممنهجة لخنق حركة المجتمعات الرعوية والزراعية، وضربة في صميم مشروع “السودانوية” المنشود. لقد اختارت سلطة بورتسودان “غريزة الانشطار” وتفتيت الواقع الاجتماعي عبر تغذية الصراعات البينية، لضمان استمراريتها فوق ركام المجتمعات المحلية الممزقة.

رابعاً: صرخة للضمير العالمي والمحاسبة التاريخية

لقد وضعت دماء أطفال ونساء “خمي” المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية أمام اختبار أخلاقي وقانوني مفصلي، فالصمت على تحويل “مسيرات” الجيش إلى أدوات لتصفية قبائل ومجتمعات بعينها هو بمثابة ضوء أخضر لاستمرار هذه المحرقة وينبغي علينا تسمية هذه الجرائم بمسمياتها الحقيقية -بوصفها “جرائم ضد الإنسانية” و”تطهيراً عرقياً”- يمثل خيانة لذاكرة الضحايا وتفريطاً في حق الأحياء.

الخاتمة

إن التاريخ لن يرحم القتلة، والذاكرة الكردفانيه ستظل حية تشهد على من وجه صواريخه نحو صدور العُزّل ، فالمحاسبة الدولية لجيش الحركة الإسلامية وميليشياته المتحالفة اصبحت ضرورة وجودية لإنقاذ ما تبقى من إنسان السودان، وحماية مستقبله من التفتت والضياع.

المجد والخلود لشهداء “خمي” الأبرار، وعاجل الشفاء للجرحى والمكلومين.

What do you feel about this?