د. مروة السيد: حلفاء “الخندق الواحد” في مواجهة “نيران الصديق” .. هل يسرع صراع “الدرع” و”البراء” تفكك ما تبقى من السودان؟

1
marawa

د. مروة السيد

لم تكن التحذيرات التي أُطلقتها في مقالات سابقة حول مخاطر “تعدد مراكز القوة” داخل معسكر حلفاء الجيش السوداني ضرباً من التهويل أو القراءة المتشائمة، بل كانت استشرافاً لواقع يتشكل اليوم بشكل واضح ومقلق. فالمشهد الراهن بما يحمله من تصعيد متسارع في الخلافات والمواجهات يؤكد أن ما كان يخشى منه قد بدأ بالفعل في التحقق مهدداً بتقويض ما تبقى من تماسك في بنية الدولة السودانية المنهكة.

لم يعد الخلاف بين قائد قوات “درع السودان” أبو عاقلة كيكل، وقائد كتيبة “البراء بن مالك” المصباح أبوزيد، مجرد تباين تكتيكي أو اختلاف في تقديرات الميدان، بل تحول إلى صراع مفتوح على توسيع النفوذ واكتساب الشرعية  الذي يتضح من خلال “حرب المنابر” التي اندلعت بين الطرفين وما صاحبها من تراشق إعلامي حاد كشفت عن عمق الانقسام داخل معسكر الجيش وأظهرت أن خطوط التماس لم تعد فقط مع “العدو”، بل باتت تمتد داخل صف الحلفاء.

تحركات المصباح في ولاية الجزيرة والتي تعد الحاضنة الاجتماعية والسياسية الأبرز لكيكل، لم تقرأ باعتبارها نشاطًا عسكريًا عاديًا، بل فُسرت كإعادة رسم لخارطة توسيع النفوذ على الأرض، وهذا التمدد الذي بدا وكأنه إعلان غير مباشر لسلطة موازية، اعتبره كيكل تعديًا صريحًا على موقعه ودوره خاصة بعد انحيازه للجيش وما ترتب عليه من شرعية ميدانية وشعبية.

غير أن هذا الصراع لا يقف عند حدود “الدرع” و”البراء” فدخول القوات المشتركة التابعة لحركات دارفور على خط التوتر، أضفى بعدًا أكثر تعقيدًا وخطورة، ومطالبة كيكل العلنية بخروج هذه القوات من ولاية الجزيرة لم تفهم فقط كإجراء تنظيمي بل قرئت في سياق صراع مناطقي وعرقي مكتوم، سرعان ما خرج إلى السطح عبر تبادل الاتهامات والتشكيك في النوايا.

هذا التشابك بين السياسي والمناطقي والعسكري خلق حالة من “السيولة الأمنية” داخل المعسكر الداعم للجيش، حيث تآكلت الثقة بين الحلفاء وأصبح التنسيق الميداني عبئا بدل أن يكون أداة قوة، وفي مثل هذه البيئات الهشة لا تحتاج الشرارة إلى كثير من الجهد لتتحول إلى حريق واسع.

التطور الأخطر تمثل في انتقال الصراع من ساحة الخطاب إلى ميدان العمليات، والمعلومات المتداولة حول تعرض أبو عاقلة كيكل لمحاولات اغتيال متكررة باستخدام طائرات مسيرة، تفتح باب التساؤلات حول طبيعة الصراع الحقيقي الدائر، ولكن الضربة الأكثر إيلاما جاءت مع استهداف منزل في قرية “الكاهلي زيدان” بشرق الجزيرة والذي أسفر عن مقتل شقيقه عزام كيكل، القائد الثاني في قوات “درع السودان”، إلى جانب عدد من مرافقيه.

ورغم غياب رواية رسمية واضحة فإن همس الاتهامات داخل المعسكر نفسه يشير إلى احتمال “النيران الصديقة”. اتهامات غير معلنة، لكنها متداولة، تربط بين هذه العمليات وأطراف داخل التحالف ذاته، في مقدمتها عناصر من القوات المشتركة وكتيبة “البراء”، في سياق صراع خفي على توسيع النفوذ وإعادة ترتيب موازين القوة في المنطقة الوسطى، وما يجري لا يمكن اختزاله في خلافات عابرة أو تنافس طبيعي بين حلفاء السلاح، ونحن أمام مشهد ينذر بتفكك تدريجي للجبهة الداخلية حيث تتحول التحالفات الهشة إلى خطوط صدام وتصبح البنادق الموجهة للخارج قابلة للارتداد إلى الداخل في أي لحظة.

إن استمرار هذا المسار يحمل في طياته مخاطر جسيمة ليس فقط على تماسك المعسكر الداعم للجيش، بل على مستقبل الدولة السودانية برمتها. فالتجارب الإقليمية القريبة تظهر أن الصراعات داخل التحالفات المسلحة غالبًا ما تكون المدخل الأخطر نحو سيناريوهات “اللبننة” أو “الصوملة”، حيث تتآكل الدولة لصالح مراكز قوى متناحرة، والمطلوب اليوم ليس مجرد احتواء إعلامي أو تهدئة مؤقتة، بل تدخل جاد يعيد ضبط العلاقة بين هذه التشكيلات ويضع حدًا لصراع النفوذ المتصاعد فكل يوم يمر دون معالجة جذرية يقرّب السودان خطوة إضافية من حافة الانهيار، ولقد كانت الرصاصة في السابق توجّه نحو خصم واضح أما اليوم،ومع تصاعد “نيران الصديق”، فإن الخطر الحقيقي يكمن في أن تصبح كل الجبهات مفتوحة وكل الاحتمالات واردة بما في ذلك سقوط ما تبقى من الدولة.

What do you feel about this?