نجم الدين سراج: عن الوكيل المصري في السودان: هل ستحارب مصر إثيوبيا حتى آخر جندي سوداني؟
يثير تصاعد الخطاب السياسي والعسكري المرتبط بالعلاقة بين السودان ومصر وإثيوبيا تساؤلات متزايدة حول مستقبل التوازنات الإقليمية في منطقة القرن الأفريقي، وسط مخاوف من انزلاق السودان، المثقل بالحرب والانقسام، إلى صراع إقليمي مفتوح يتجاوز حدوده الداخلية ويهدد بتعقيد أزمته بصورة أكبر.
نجم الدين سراج
(مستعدون للدخول في حرب مفتوحة مع إثيوبيا إذا لزم الأمر)، قال وزير خارجية بورتسودان الإخواني (محي الدين سالم)، كاشفاً عن مدى تبعية الجيش السوداني و(جماعته) للدولة المصرية، بحيث يقبل أن يدخل في حرب مفتوحة مع دولة جارة، وهو منهك بالفعل من حرب داخلية عجز عن حسمها لسنوات ثلاث، حتى بعد استعانته بطوب الأرض من شذاذ الآفاق، وإرهابيي العالم، والمطلوبين لدى محكمة الجنايات الدولية.
الجيش اليوم هو خليط غير متجانس من مليشيا البراء بن مالك المصنفة كمنظمة إرهابية بالإضافة لمليشيا القوات المشتركة المكونة من قوات (عقار، مناوي، جبريل، تمبور، صلاح رصاص، .. الخ)، وهناك مليشيا كيكل القبلية، ومرتزقة التقراي، وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم.
تم استهداف منزل (كيكل) وهو أحد الإخوة الأعداء في تحالف بورتسودان الهجين بمسيرة، فسارع الإخوان لمهاجمة إثيوبيا عبر غرفهم الإعلامية، واتهامها بتنفيذ الهجوم. وكان ذلك لسببين، الأول هو صرف النظر عن ظهور التباينات بين المليشيات للعلن، وتزايد حدة الصراع بينها على النفوذ، أما السبب الثاني فهو إخفاء التعليمات المصرية الصادرة لبورتسودان باستهداف البلد الجار، وتصويرها وكأنها رد على اعتداء إثيوبي متوهم.
ولعل حالة الضعف التي يرزح تحتها الجيش السوداني لا تحتاج إلى عناء البيان بعد أن فقد 55% من مساحة البلاد. لكن هذا الجيش المُنهك، يُعلن أنه (على استعداد)، لخوض حرب مفتوحة مع إثيوبيا!
ويبدو أن النظام المصري قد عقد العزم على خوض معركته مع إثيوبيا حول سد النهضة حتى آخر جندي سوداني، إذ لم يستحي وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من الحديث عن (دولتي المصب)، فكشفت كلماته عن إنكار مصر حتى لحقائق الجغرافيا، من أجل تكريس تبعية الجيش السوداني الكاملة للقاهرة، كوكيل للقاهرة الرسمية في ملف المياه، يخوض عنها حربها الدبلوماسية، ويمنع تحقق عضوية السودان الكاملة في الملف، كأحد أطرافه ذات المصالح والمحاذير المختلفة عن تلك التي لمصر بالضرورة، باعتباره دولة ممر، وبالتالي الوصول لاتفاق ثلاثي مُلزم في نهاية المطاف، كون مصر تطمع في استمرار أخذها لحصة السودان من المياه، والذي يتيحه لها استمرار الحرب في السودان، وعدم الوصول لاتفاق ثلاثي نهائي بشأن سد النهضة.
لا يناسب مصر سوى وكيل محلي في السودان يضع المصلحة المصرية فوق كل اعتبار، وكيل لا يسمح بالحديث عن احتلال مصر لحلايب وشلاتين وأبو رماد، بل ويمضى في تقنين وضعها كأراضي مصرية عبر الاتفاقيات الشبيهة باتفاقية ترسيم الحدود البحرية، والتي منح فيها الجيش السوداني مقدرات السودان وأراضيه لمصر في عطاء من لا يملك لمن لا يستحق.
ومن هنا يمكن فهم إصرار القاهرة على شرعنة سلطة بورتسودان، كيما تكتسب تلك الاتفاقيات المعزولة – بالتبعية – شرعية يمكن لمصر أن تحاجج بها دبلوماسياً، وأمام المحاكم الدولية إن لزم الأمر.
ولذلك لا يناسب مصر سوى البرهان، بجيش مفكك مدعوم من حركة إسلامية مصنفة كتنظيم إرهابي محاصر دولياً، وليس له رئة للتنفس سوى مصر. ولا حاجة هنا للحديث عن أن التنظيم الإخواني الذي استغنى عن أكثر من نصف مساحة البلاد، وعن الأغلبية من السكان فجعلهم طعاماً للمسيرات، لن يتردد في أن يكون وكيلاً للشيطان، من أجل استمرار هيمنته على السلطة. وهكذا وافق شن طبقة، ولم يعد أحد من الجالسين على طاولة الخراب هذه معنياً بالسودان كبلد، ولا بمصالحه أو سلامته ووحدة أراضيه.
ومن غير المنتظر أن تغير مصر الرسمية نظرتها تجاه السودان في الوقت الحالي، فدماء السودانيين المسفوكة هي التي تحافظ على تدفق المياه لمصر، وتمكنها من نهب موارد البلاد بالاستثمار في حماية وكيلها، وكيفية إبقائه على السلطة. لكن نتائج الهجوم الأخير الذي شنه مرتزقة التقراي على غرب إثيوبيا بتعليمات من مصر، والذي أسفر عن القضاء على كامل القوة المهاجمة، وكذلك معركة (جبهة تحرير التقراي) المدعومة مصرياً مع النظام الإثيوبي، والتي هُزم فيه التقراي شر هزيمة، تجعلك على يقين من أن الحسابات المصرية قد تكون خاطئة، وإلى أبعد الحدود.
يظن المصري أنه من الذكاء بحيث يوظف السودان لمصالحه دون اعتبار لمصير السودان نفسه، وكأنه بمنجاة من الحريق إن نجح سعيه، وتحول السودان إلى ساحة للتنظيمات العابرة للحدود، ومزارعاً للمخابرات الدولية، يديره أمراء حرب وسماسرة أزمات، ويظن المصري أن بإمكانه أن يشعل النيران في السودان، دون أن تصطلي بها بلاده.
