عادل ود سهل: ستنتهي الحرب في السودان .. قريباً جداً‏

4
adel

عادل ود سهل

لا أعرف متى سيحدث ذلك باليوم والساعة، ولا أملك جدولاً زمنياً مخفياً في درج أحد ‏المفاوضين، ولا أتحدث باسم غرفة عمليات عسكرية، ولا أنقل معلومة من أجهزة ‏استخبارات، ولا أروي رؤيا منام، ولا أقرأ فنجاناً، ولا أمارس التنجيم السياسي الذي ‏امتلأت به منصات التواصل الاجتماعي‎.‎

‏ومع ذلك‎…‎‏‏

‏ولأول مرة منذ اندلاع هذه الحرب في صباح الخامس عشر من أبريل 2023، ‏أكتب هذه الجملة بيقين كامل لا يتردد‎:‎‏‏

‏ستنتهي حرب السودان قريباً جداً‎.‎‏‏

سيبتسم بعضهم ساخراً، وسيقول آخرون: “كم مرة سمعنا مثل هذا الكلام؟”، ‏وسيطالبني آخرون بالدليل قبل أن يكملوا السطر الأول‎.

وهذا بالضبط ما أريده‎.‎

أريد للقارئ ألا يصدقني لمجرد أنني قلت ذلك، بل أن يرافقني حتى آخر المقال، ثم يسأل ‏نفسه‎: ‎هل كان الرجل يبالغ… أم أنه يقرأ التاريخ جيداً؟

أنا لا أطلب من أحد أن يصدقني‎.‎

أطلب فقط أن يمنح التاريخ فرصةً ليتحدث‎.‎

‏التاريخ… ذلك القاضي الذي لا يكذب:‏

منذ أن بدأ الإنسان أول معركة على وجه الأرض، وحتى هذه اللحظة التي تقرأ فيها هذا ‏المقال، لم يعرف التاريخ حرباً واحدة استمرت إلى الأبد‎.‎

قد تطول الحرب‎…‎

وقد تزداد شراسة‎…

‏وقد تخلف وراءها مدناً من الرماد، ومقابر تمتد حتى الأفق، وأطفالاً لا يعرفون سوى ‏صوت المدافع‎…‎‏ لكنها، في النهاية، تنتهي‎.‎‏‏

هذه ليست أمنية شاعر، ولا دعاء أمٍ تنتظر ابنها على باب الدار، وإنما هي القانون الأكثر ‏ثباتاً في تاريخ البشرية‎.

فحرب داحس والغبراء التي استنزفت العرب أربعين عاماً… انتهت‎.‎

وحرب البسوس التي أحرقت القبائل عقوداً طويلة… انتهت‎.‎

الحروب الصليبية، بكل ما حملته من دماء وشعارات وعقائد… انتهت‎

وحرب الثلاثين عاماً التي مزقت أوروبا… انتهت‎.‎

والحرب الأهلية الأمريكية… انتهت‎.‎

والحربان العالميتان اللتان قتلتا عشرات الملايين… انتهتا‎.‎

وحرب فيتنام… انتهت‎.‎

وحرب البوسنة والهرسك… انتهت‎.‎

وحرب رواندا… انتهت‎.‎

وحرب لبنان الطويلة ‏‎(1990–1975)‎‏ … انتهت‎

‏ثم حرب السودان (2023 – 2026) … ستنتهي.‏

‏ولم يكن انتهاء تلك الحروب لأنها أصبحت فجأة عادلة، أو لأن أحد الأطراف اكتشف ‏فجأة فضيلة التسامح، وإنما لأنها وصلت إلى تلك اللحظة التي اكتشف فيها الجميع أن ‏استمرارها صار أكثر كلفة من إنهائها‎.‎‏‏

‏وهذا هو القانون الذي لم يخالفه التاريخ مرةً واحدة، النار لا تظل مشتعلة إلى ‏الأبد.‏

 

الحروب تشبه النار‎.‎

في بدايتها تكون شرسة، متوحشة، تلتهم كل ما تجده أمامها‎.‎

ثم تبدأ شيئاً فشيئاً في استهلاك الوقود الذي أشعلها‎.‎

تلتهم الرجال‎…‎

والمال‎…‎

والمدن‎…‎

والاقتصاد‎…‎

والثقة‎…‎

والأمل‎…‎

حتى تصل إلى لحظة يصبح فيها ما تبقى من الوطن أغلى من أن يُحرق، وما تبقى من ‏الناس أثمن من أن يُدفع إلى محرقة جديدة‎.‎

 

عندها فقط تبدأ الحروب في الشيخوخة‎.‎

وللحروب أعمار، كما للبشر أعمار‎.‎

تولد‎…‎

ثم تكبر‎…‎

ثم تتوحش‎…‎

ثم تتعب‎…‎

ثم تموت‎.‎

أما الأوطان، فإنها — إذا أحسن أهلها إليها — تستطيع أن تولد من جديد‎.‎

 

‏لماذا يبدو هذا العنوان صادماً؟‏

لأننا، بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، اعتدنا الأخبار السيئة حتى أصبح التفاؤل ‏نفسه يبدو خبراً غريباً‎.‎

اعتدنا أن نستيقظ كل صباح على بيانات عسكرية، وعلى صور الدمار، وعلى قوائم ‏الشهداء، وعلى أخبار النزوح، حتى أصبح كثير من السودانيين يظنون — من فرط ما رأوه ‏‏— أن هذه الحرب خُلقت لتبقى‎.‎

لكن التاريخ يقول غير ذلك‎.‎

والسياسة تقول غير ذلك‎.‎

والاقتصاد يقول غير ذلك‎.‎

والمجتمع يقول غير ذلك‎.‎

بل حتى الحرب نفسها بدأت تقول غير ذلك‎.‎

 

فالذين كانوا قبل سنوات يتحدثون بثقة عن الحسم الكامل، أصبحوا اليوم يتحدثون عن ‏المخرج‎.‎

والذين كانوا يرفعون سقف التوقعات إلى أقصى مدى، باتوا يبحثون عن أقل الخسائر‎.‎

وهذا التحول ليس صدفة‎.‎

‏إنه أحد أهم العلامات التي تسبق نهاية كل حرب‎.‎‏‏

‏على ماذا بنيتُ هذا اليقين؟‏

سألني كثيرون خلال الأشهر الماضية‎:‎‏ هل تتوقع أن تنتهي الحرب قريباً؟

وكنت دائماً أتجنب الإجابة القاطعة‎‎

أما اليوم، فأقولها بثقة؛ لا لأنني أعلم الغيب، فالغيب لله وحده، وإنما لأنني أقرأ ما أمامي ‏بعين التاريخ، لا بعين الانفعال‎.‎

لقد علمتنا الحروب أن لها لحظةً خفية، لا تُعلن في مؤتمر صحفي، ولا تُبث في نشرة ‏أخبار‎.‎

لحظة يبدأ فيها الجميع، بصمت، بإعادة حساباتهم‎.‎

لحظة يدرك فيها المنتصر أنه دفع أكثر مما توقع‎.‎

ويدرك فيها الخاسر أن ما بقي لديه يستحق أن يُنقذ‎.‎

ويدرك فيها المدني البسيط أن أي سلام ناقص، يظل أرحم من حرب كاملة‎.‎

تلك اللحظة لا يلاحظها كثيرون وهي تولد‎.‎

لكن المؤرخين، بعد سنوات، يشيرون إليها ويقولون‎:‎‏ هنا… بدأت نهاية الحرب…‏

‏وأنا أعتقد – بكل تواضع – أن السودان يقف الآن قريباً من تلك اللحظة ‏التاريخية‎.‎‏‏

ليس لأن المعارك توقفت، فهي لم تتوقف‎.‎

وليس لأن الخلافات انتهت، فهي لم تنته‎.‎

بل لأن العوامل التي تُبقي الحروب مشتعلة بدأت تضعف، بينما العوامل التي تدفع ‏نحو نهايتها أصبحت أقوى من أي وقت مضى‎.‎

ولهذا، فإنني لا أبني هذا اليقين على أمنية، ولا على انحياز، ولا على عاطفة‎.‎

بل أبنيه على قراءة هادئة لمسار الحروب عبر التاريخ، وعلى ما أراه من مؤشرات ‏عسكرية، وسياسية، واقتصادية، وإنسانية، وإقليمية، وشعبية، سأضعها أمام القارئ ‏واحدةً بعد الأخرى، ليحكم بنفسه في نهاية هذا المقال، لا في بدايته‎.‎

‏أولاً: المؤشر العسكري – حين تتعب البنادق قبل أن تتعب الأوطان:‏

ف*ي كل حربٍ يظن المتحاربون، في أيامها الأولى، أن النصر يقف خلف التلة التالية، وأن ‏معركةً أخرى، أو هجوماً آخر*أو سلاحاً جديداً، كفيلٌ بأن يحسم كل شيء‎.‎

 

هكذا تبدأ الحروب دائماً‎…‎

كل طرفٍ يعتقد أن الزمن يقاتل معه، وأن الأيام المقبلة ستمنحه ما لم تمنحه الأيام ‏الماضية، وأن خصمه هو الذي سينهار أولاً‎.‎

لكن الزمن، ذلك القائد الذي لا ينتمي إلى أي جيش، يبدأ ببطء في إعادة ترتيب المشهد‎.‎

تمر الشهور‎…‎

ثم الأعوام‎…‎

فتكتشف البنادق أنها تستطيع أن تحسم معركة، لكنها لا تستطيع أن تبني وطناً‎.‎

ويكتشف القادة أن الخرائط العسكرية يمكن أن تتغير عشرات المرات، بينما يبقى النزيف ‏الإنساني في مكانه‎.‎

وتكتشف الشعوب أن الحروب لا تستهلك الذخيرة وحدها، وإنما تستهلك معها ‏الأعصاب، والاقتصاد، والثقة، والأمل، وحتى القدرة على الفرح‎.‎

لقد علمنا التاريخ أن أخطر مرحلة في أي حرب ليست بدايتها‎…‎

 

‏بل لحظة الإرهاق‎.‎

لأن الحرب في بدايتها تشبه العدّاء الذي ينطلق بكل قوته، أما في نهايتها فتشبه الرجل ‏الذي يحمل جبلاً على كتفيه، ويواصل السير فقط لأنه لا يعرف كيف يتوقف‎.‎

وحين تصل الحروب إلى هذه المرحلة، ينكشف ميزان القوة الحقيقي‎.‎

ليس ميزان الدبابات والطائرات‎…‎

بل ميزان القدرة على الاستمرار‎.‎

والاستمرار، في كل الحروب، هو السلاح الأغلى ثمناً‎.‎

إن الحرب السودانية، بعد أكثر من ثلاثة أعوام من القتال، لم تعد كما كانت من قبل.

What do you feel about this?