السفير/ عادل إبراهيم مصطفي: لا حوار وثبة جديد .. السودان يحتاج الحقيقة والمصالحة

8
adel

السفير/ عادل إبراهيم مصطفي

جاء خطاب الفريق أول عبد الفتاح البرهان، قائد سلطة انقلاب 25 أكتوبر 2021، في ذكرى سودنة قيادة الجيش، كما كان متوقعاً؛ فلم يحمل، في جوهره، ما يدعو إلى الدهشة، فما كان يُنتظر من البرهان، وهو الأزمة، أن يأتي بما يقدم مخرجاً من الأزمة.

فالبرهان، ومن خلفه التيار الإسلامي الذي أحكم قبضته على مفاصل الدولة ومؤسساتها ومواردها في أعقاب انقلابه على حكومة الثورة المدنية، يحاولون إعادة ترتيب المشهد السياسي في ظل واقع كارثي أفرزته الحرب واستمرارها، سعياً إلى إعادة إنتاج سلطة بورتسودان الانقلابية، ومنحها غطاءً سياسياً وشرعية مفتعلة. وفي نهاية هذا الطريق، يبدو واضحاً أن الرهان هو الوصول إلى انتخابات صورية، أو ما يمكن وصفها بـ “الانتخابات المخجوجة”، تُستخدم لإضفاء شرعية زائفة على واقع مختل.

لكن هذا الطريق لن يقود إلى الاستقرار، ولن يصنع شرعية، ولن يطوي صفحة الأزمة. فالشرعية لا تُنتزع بالدعاية، ولا تُمنح بانتخابات تُجرى في ظل الحرب والانقسام وغياب الشروط الطبيعية للمنافسة السياسية. كما أن إعادة تدوير الأزمة لن تجعل منها حلاً.

المطلوب ليس “حوار وثبة”جديد يعيد إنتاج الأزمة بصورة أكثر خطورة، ولا صفقة سياسية مؤقتة، بينما يستمر نزيف البلاد. المطلوب هو مسار وطني جاد للحقيقة والمصالحة والعدالة، يستلهم التجارب التي نجحت في إنهاء صراعات وانقسامات تاريخية، وفي مقدمتها تجربة جنوب إفريقيا.

والحقيقة والمصالحة ليستا شعاراً للاستهلاك السياسي، ولا تعنيان إسقاط المسؤولية أو تجاوز الجرائم. بل تبدآن بالاعتراف الصريح بالحقيقة، وتحمل المسؤولية، والاعتذار للشعب، ثم إعمال العدالة وفق القانون، بما يضمن عدم تكرار المأساة.

ولهذا، فإن على جميع القوى السياسية، مدنية كانت أم عسكرية، أن تمتلك شجاعة مواجهة الماضي، والاعتراف بالأخطاء والانتهاكات التي ارتُكبت في حق الشعب السوداني، بعيداً عن المكابرة والإنكار وتبادل الاتهامات.

وفي مقدمة من تقع عليهم هذه المسؤولية عبد الفتاح البرهان، باعتبار   الكوارث الجسيمة التي حلت علي البلاد منذ ظهوره المفاجئ علي المسرح السياسي في عام 2019، وفي مقدمتها مجزرة فض الاعتصام وقتل المتظاهرين السلميين، ثم انقلاب 25 أكتوبر 2021 على حكومة الثورة، وما ترتب عليه من إجهاض للمسار الانتقالي، وإهدار للمكتسبات التي حققتها ثورة ديسمبر، وإعادة السودان إلى مربع العزلة والعقوبات والأزمات والانقسام.

والسؤال الذي سيظل قائماً هو: هل يمتلك البرهان، وسائر الفاعلين السياسيين والعسكريين، الشجاعة للاعتراف بالأخطاء وتحمل مسؤولياتهم السياسية والأخلاقية، والاعتذار للشعب السوداني؟

ذلك هو المدخل الحقيقي لأي مصالحة وطنية جادة.

أما محاولة القفز فوق الماضي، أو إعادة إنتاج السلطة نفسها بترتيبات جديدة، أو استخدام الانتخابات وسيلةً لمنح شرعية شكلية لواقع نشأ عن انقلاب وحرب، فلن تنجح في بناء دولة مستقرة. فالانتخابات الحرة ليست شهادة تُطلب من السلطة، وإنما هي حق للشعب، ولا تكون ذات معنى إلا حين تتوافر شروط الحرية والأمن والمساواة وسيادة القانون.

إن السودان لا يحتاج إلى إعادة تدوير الصراع، ولا إلى تسوية تُبقي أسباب الأزمة وتغيّر فقط وجوهها. السودان يحتاج إلى قطيعة حقيقية مع ثقافة الانقلابات والإفلات من العقاب، وإلى دولة لا تعلو فيها سلطة السلاح على سلطة القانون، ولا تكون فيها مؤسسات الدولة غنيمةً لأي حزب أو جماعة.

فالسلام الحقيقي لا يُبنى على النسيان، والمصالحة لا تقوم على الإنكار، والشرعية لا تُصنع بالقوة، ولا تُمنح بالتزوير السياسي.

وإذا كان ثمة طريق للخروج من هذا النفق، فهو طريق الحقيقة والعدالة والمصالحة، ثم تأسيس دولة مدنية ديمقراطية يتساوى أمام قانونها الجميع.

أما السودان الذي نحلم به، فلن يولد من رحم الانقلاب، ولن تصنعه انتخابات “مخجوجة”، ولن تحميه صفقات النخب. سيولد من إرادة شعبه، ومن الاعتراف بالحقيقة، ومن العدالة، ومن سلام عادل ومستدام، ومن دولة لا يكون فيها أحد فوق القانون.

وهذه ليست شروطاً تعجيزية؛ إنها الحد الأدنى الذي يستحقه شعب دفع ثمناً باهظاً من الدم والدمار والنزوح والتشريد من أجل الحرية والسلام والعدالة.

What do you feel about this?