نجم الدين دريسة :التماهي مع الجلاد: تشريح الوعي المستلب في الهامش السوداني !!!!

6
deresa

 نجم الدين دريسة

ليست أخطر انتصارات المتسلط تلك التي يحققها حين يهزم خصمه في ميدان القوة، وإنما تلك التي يحرزها حين يتمكن من احتلال وعيه، وإعادة تشكيل نظرته إلى نفسه والعالم، حتى يصبح المقهور حارساً لمنظومة قهره، ومدافعاً عن القيم التي سلبته كرامته، ومقاتلاً في الخندق الذي حفره جلاده لإدامة خضوعه… هنا تحديداً يبلغ الاستبداد أقصى درجاته .. عندما لا يعود المتسلط مضطراً إلى ممارسة القهر بنفسه، لأن بعض ضحاياه يتولون المهمة نيابة عنه، ويعيدون إنتاج سلطته داخل مجتمعاتهم، بل وقد يقاتلون أبناء واقعهم الاجتماعي دفاعاً عن البنية التي صنعت شقاءهم جميعاً.

حين وضع عالم النفس والمفكر مصطفى حجازي أطروحته العميقة حول سيكولوجية الإنسان المقهور، لم يكن يقدم وصفاً عابراً لحالات نفسية فردية، وإنما كان يفتح باباً بالغ الأهمية لفهم العلاقة المركبة بين السلطة والقهر والاستلاب… فالقهر، في أكثر صوره رسوخاً، لا يكتفي بإخضاع الجسد، وإنما يتسلل إلى الوعي، ويعيد ترتيب منظومة القيم والصور والرموز داخله… ومع استمرار العجز أمام القوة المهيمنة، قد يبحث المقهور عن مخرج نفسي من شعوره بالدونية والعجز عبر الاقتراب من صورة المتسلط، واستبطان قيمه، ومحاكاة لغته، والتماهي معه؛ فيتحول ما بدأ كآلية دفاع نفسي إلى علاقة اجتماعية وسياسية تعيد إنتاج منظومة الهيمنة ذاتها.

ومن هذا المدخل يمكن قراءة جانب شديد التعقيد من تاريخ الدولة السودانية منذ الاستقلال …

«دولة 56» والتي ورثت مؤسسات الاستعمار وحدوده الإدارية واختلالاته البنيوية، من دون أن تنجز التحول التاريخي الضروري من دولة السيطرة إلى دولة المواطنة…  تغيرت الحكومات، وتعاقبت الانقلابات والثورات والتسويات، لكن اختلال توزيع السلطة والثروة والفرص ظل قائماً، وظلت قطاعات واسعة من دارفور وكردفان والنيل الأزرق والشرق وغيرها تدفع أثماناً باهظة لانعدام التنمية المتوازنة، وضعف المشاركة العادلة في صناعة القرار، واستمرار المركزية السياسية والإدارية والاقتصادية.

ولم يكن التهميش مجرد حرمان من طريق أو مدرسة أو مستشفى أو وظيفة عامة، على فداحة ذلك كله، بل كان أيضاً تهميشاً رمزياً يحدد من يمتلك حق تعريف الوطنية، ومن يمثل الدولة، ومن يتحدث باسمها، ومن يملك سلطة تحديد صورتها عن نفسها. وفي ظل هذا البناء، تحولت مؤسسات عديدة، من الجهاز البيروقراطي إلى السلك الدبلوماسي والمؤسسات السيادية، إلى فضاءات تعكس اختلالاً تاريخياً في التمثيل. وحين جرى إدخال بعض أبناء المناطق المهمشة إليها، لم يكن وجود الأفراد في ذاته كافياً لتغيير طبيعة البنية؛ لأن التمثيل الرمزي لا يصبح عدالة ما لم تصاحبه إعادة توزيع حقيقية للسلطة والموارد والقدرة على صناعة القرار.

وهنا تظهر خطورة التبخيس الذاتي التي تحدث عنها حجازي… فالإنسان الذي يتعرض طويلاً للإقصاء قد يبدأ في استبطان الصورة التي رسمتها عنه منظومة الهيمنة. وبدلاً من مساءلة المعايير التي وضعته في مرتبة أدنى، يبدأ في قياس ذاته بتلك المعايير نفسها. وقد ينظر إلى ثقافته ولهجته ومجتمعه باعتبارها علامات نقص، بينما تصبح ثقافة المركز ولغته ورموزه ومؤسساته معياراً وحيداً للرقي والشرعية والوطنية. عند هذه النقطة لا يعود الاستلاب مفروضاً بالكامل من الخارج … إذ يصبح جزء منه مستقراً في الداخل، يعيد إنتاج نفسه من خلال المقهور ذاته.

ولعل المؤسسة العسكرية تقدم واحدة من أكثر الصور تعقيداً لهذه المفارقة السودانية. فقد شكّل أبناء المناطق المهمشة، تاريخياً، نسبة معتبرة من القواعد المقاتلة في الحروب التي خاضتها الدولة، بينما ظل سؤال التمثيل داخل دوائر القيادة العليا وصناعة القرار العسكري والسياسي مطروحاً بقوة. وهنا تتجسد المفارقة القاسية… يمكن لابن قرية فقيرة في دارفور أو كردفان أو النيل الأزرق أن يحمل السلاح ويقاتل ويموت باسم الدولة، بينما تظل قريته نفسها محرومة من أبسط مقومات التنمية، ويظل مجتمعه بعيداً عن مراكز القرار التي تحدد لماذا تبدأ الحرب، وأين تُخاض، ومن يدفع أثمانها، ومن يجني ثمار السلطة بعدها.

ولا ينبغي اختزال هذه الظاهرة في اتهام الأفراد أو التشكيك في دوافعهم..  فالمسألة أعمق من ذلك بكثير. إنها بنية تاريخية استطاعت تحويل قطاعات من ضحايا اختلال الدولة إلى أدوات داخل مؤسساتها، من دون أن يعني ذلك بالضرورة حصول مجتمعاتهم على نصيب عادل من السلطة والثروة. وهنا تكمن عبقرية منظومات الهيمنة: أن تجعل المشاركة في جهازها تبدو مرادفاً للمشاركة في الوطن نفسه، بحيث يصبح نقد المؤسسة كأنه عداء للدولة، ومساءلة بنية السلطة كأنها خيانة، والمطالبة بإعادة تأسيسها خروجاً على الوطنية.

ثم تأتي الظاهرة الأكثر مأساوية في سيكولوجية القهر: تحويل العدوان من الاتجاه الرأسي إلى الاتجاه الأفقي. فحين يصبح الوصول إلى مصدر السلطة المهيمنة بالغ الصعوبة، يمكن للغضب المتراكم أن يجد طريقه نحو من هم أقرب وأضعف وأكثر شبهاً بالمقهور نفسه. وبدلاً من أن يتحول الاحتقان إلى وعي بالبنية التي أنتجت الظلم، يتحول إلى صراع بين ضحاياها. عندئذ تتقاتل الجماعات المهمشة، وتستنزف بعضها بعضاً، بينما تبقى الأسئلة الكبرى المتعلقة ببناء الدولة وتوزيع السلطة والثروة والعدالة معلقة.

ومن هذه الزاوية تبدو مأساة الفاشر ودارفور أكثر فداحة من مجرد قراءة عسكرية لمواقع السيطرة والانحيازات. فحين يجد أبناء الجغرافيا الاجتماعية الواحدة أنفسهم موزعين بين القوات المشتركة وقوات الدعم السريع، وحين تفقد الأسرة الممتدة أبناءً لها في أكثر من خندق، يصبح السؤال أعمق من هوية المنتصر في المعركة. السؤال هو كيف وصل مجتمع عانى عقوداً من الحرب والتهميش إلى لحظة تُستنزف فيها طاقاته البشرية داخل مواجهة يكون كثير من وقودها من أبنائه؟

إنها مأساة العنف الأفقي في صورتها الأكثر قسوة أخ يواجه أخاه، وقريب يقاتل قريبه، ومجتمعات أنهكتها الحروب تدخل دورة جديدة من الفقد، بينما تتراجع القضية الأصلية خلف دخان المعارك. وحين يحدث ذلك، تكون بنية القهر قد حققت واحداً من أخطر أهدافها.. تحويل صراع العدالة إلى صراع بين طالبي العدالة أنفسهم، واستبدال السؤال عن جذور الاختلال بسؤال الهوية والقبيلة والجهة والخندق العسكري.

 

ولطالما امتلكت دولة المركز قاموساً سياسياً شديد القدرة على إعادة تعريف الأشخاص وفق مواقعهم من السلطة…. فابن الهامش الذي يحمل السلاح داخل المؤسسة الرسمية يمكن أن يُقدم بوصفه بطلاً وطنياً، لكن الشخص نفسه أو ابن مجتمعه، متى تمرد على شروط المركز وطالب بإعادة توزيع السلطة والثروة، يمكن أن يتحول في الخطاب السياسي والإعلامي إلى «متمرد» أو «مرتزق» أو «خائن» أو «أجنبي». ليست المشكلة هنا في الكلمات وحدها، وإنما في السلطة التي تقرر من يستحق صفة المواطن الكامل ومن يوضع خارج حدود الشرعية الرمزية.

وقد رأينا هذا القاموس يتسع خلال الحرب السودانية ليشمل تعبيرات من شاكلة «عرب الشتات» وغيرها من المصطلحات التي لا تناقش المواقف السياسية أو العسكرية بقدر ما تطعن في أصل جماعات سودانية وانتمائها وحقها في الوجود داخل المجال الوطني. وهذا النوع من الخطاب ليس مجرد خصومة سياسية خشنة؛ إنه يضرب أساس فكرة المواطنة نفسها، لأن الدولة التي يصبح الانتماء إليها قابلاً للسحب بسبب الإثنية أو المنطقة أو الموقف السياسي ليست دولة مواطنة، وإنما فضاء امتياز تحدد فيه الجماعة المهيمنة

What do you feel about this?