نجم الدين دريسة: الحارث إدريس بوق السلطة المأزومة .. من ناقد التمكين الي محامي الهوس الديني
نجم الدين دريسة
ثمة رجال يسقطون حين يهزمهم خصومهم وثمة رجال يسقطون حين تهزمهم مواقفهم القديمة حين تقف شاهدة على حاضرهم والحارث إدريس واحد من أولئك الذين صنعت لهم السياسة مرآة قاسية أظهرت الفرق بين رجل كان ينتقد تسييس الدولة ورجل صار يتحدث بلسان سلطة مسيسة وبين دبلوماسي كان يرفع راية المهنية ودبلوماسي أصبح يؤدي وظيفة تبرير سياسي أمام العالم
عرف السودانيون الحارث إدريس في سنوات مضت بوصفه منتقدا لسياسات التمكين التي ضربت مؤسسة الخارجية وأفسدت بنيتها المهنية وحولت الدبلوماسية إلى مساحة للولاء الحزبي وكان في نقده جانب كبير من الحقيقة فقد أضرت الحركة الإسلامية بالدولة حين جعلت مؤسساتها رهينة للمشروع السياسي لكن المفارقة أن الرجل الذي كان يشرح للناس خطورة ذلك الخراب صار اليوم واقفا في الجهة المقابلة مدافعا عن امتداداته ومبررا لخطابها
في فبراير 2020 أعيد الحارث إدريس إلى السلك الدبلوماسي بدرجة سفير ضمن مفصولي النظام السابق وكان يفترض أن تكون عودته عنوانا لاستعادة المهنية ورد الاعتبار للمؤسسة بعد سنوات التمكين لكن الرجل سرعان ما وجد نفسه أمام اختبار سياسي حاسم عقب إجراءات الخامس والعشرين من أكتوبر 2021 حيث اختار موقعا مغايرا لموقف الدبلوماسيين الرافضين للانقلاب ثم جاءت المكافأة حين أصبح مندوبا دائما للسودان لدى الأمم المتحدة
ومنذ ذلك التاريخ أخذ الحارث موقعا متقدما في الدفاع عن سلطة بورتسودان حتى أصبح من الصعب التمييز في خطابه بين صوت الدبلوماسي وصوت السلطة وبين مصلحة السودان ومصلحة الحكومة التي يمثلها وهذه هي المعضلة الكبرى فالمندوب الدائم يفترض أن يحمل مصالح الدولة إلى العالم لا أن يحمل رواية السلطة إلى العالم وأن يدافع عن الوطن لا أن يتحول إلى محام متهافت عن خيارات الحاكم
الدبلوماسية ليست ارتفاعا في نبرة الصوت وليست إغراقا للمنابر بالاتهامات وليست منافسة في الغضب والانفعال الدبلوماسية عقل بارد حين تحترق السياسة وقدرة على بناء الجسور حين تتهاوى الجسور وامتلاك للحجة حين تعجز البنادق عن صناعة السلام أما أن يتحول الدبلوماسي إلى مقاتل في معركة الروايات فهذا يعني أن المهنة فقدت معناها وأن الموقع أصبح أقرب إلى وظيفة علاقات عامة ببدلة رسمية
الحارث في ظهوره المتكرر يبدو كأنه يحاول إقناع العالم بأن رواية السلطة هي الحقيقة الوحيدة وأن ما عداها مجرد مؤامرات وخصومات سياسية لكنه ينسى أن العالم لا يقرأ البيانات وحدها بل يقرأ الوقائع وأن الشعوب لا تنسى ما عانته وأن الحرب ليست قصة يمكن تلميعها بالكلمات وأن ملايين السودانيين الذين شردتهم المعارك لا يمكن اختزال مأساتهم في خطاب دعائي مهما كان صاحبه بارعا
الأكثر إثارة للدهشة أن الرجل الذي كان ينتقد تسييس الدبلوماسية صار يمارس السياسة من داخل الدبلوماسية وأن الرجل الذي كان يتحدث عن استقلال المؤسسة أصبح أكثر التصاقا بخطاب السلطة وأن من كان يشرح مخاطر احتكار الدولة بواسطة جماعة سياسية صار اليوم يسعى إلى تجميل صورة سلطة تتكئ على خطاب جماعات الهوس الديني وكأن الذاكرة السودانية يمكن محوها بمجرد تغيير اللغة وتبديل المواقع
إن محاولة تجميل قبح جماعات الهوس الديني لا تجعل القبح جمالا ولا تحول تاريخ الإقصاء إلى تاريخ وطني ولا تمنح المشروع القديم براءة جديدة فالبدلة الدبلوماسية لا تستطيع غسل ذاكرة الشعوب والمنصة الأممية لا تستطيع تغيير الحقائق والتصريحات المنمقة لا تستطيع إعادة كتابة تاريخ السودان وقد يكون أخطر ما يفعله الحارث أنه يحاول تقديم هذا الإرث للعالم في صورة أكثر نعومة دون أن يسأل عن ثمنه
الحارث الدعي المتهافت المهتري والمتهالك لا يواجه اليوم خصوما سياسيين بقدر ما يواجه أرشيفه الشخصي فكل كلمة قالها بالأمس يمكن أن تعود لتسأله عن موقفه اليوم وكل نقد وجهه إلى التمكين يمكن أن يصبح مرآة تكشف تحوله وكل حديث عن المهنية يمكن أن يقارن بما يفعله الآن وهذه هي أقسى محاكمة للسياسي حين يصبح ماضيه شاهدا عليه بدلا من أن يكون رصيدا له
ليس عيبا أن يغير الإنسان موقفه وليس عيبا أن يراجع قناعاته لكن العيب أن يغير موقفه ثم يتصرف كأن الماضي لم يكن وأن يتحدث اليوم بعكس ما كان يقوله بالأمس ثم يطالب الآخرين باعتبار التحول فضيلة سياسية إن المراجعة تحتاج إلى شجاعة والتراجع يحتاج إلى تفسير أما الانقلاب على المواقف دون تفسير فهو أقرب إلى الانتهازية منه إلى النضج السياسي
المشكلة في الحارث ليست أنه اختار معسكره فلكل سياسي الحق في اختيار موقعه ولكن المشكلة أنه يريد أن يمنح اختياره قداسة وطنية وأن يجعل موقف السلطة موقف السودان وأن يجعل الدفاع عن الحكومة دفاعا عن الدولة وأن يجعل خصوم السلطة خصوما للوطن وهذا خلط خطير لا يقع فيه الدبلوماسي الذي يعرف معنى الدولة ويعرف أن الحكومات تتغير بينما الوطن يبقى والشعوب لا ترتهن لأحد
السودان أكبر من بورتسودان وأكبر من أي حكومة وأكبر من أي قائد عسكري وأكبر من أي حزب وأكبر من الحارث نفسه وهذه حقيقة يجب ألا تضيع في ضجيج المنابر فالدولة ليست المبنى الذي تجلس فيه السلطة ولا الميكروفون الذي تتحدث منه ولا البيان الذي توزعه وإنما هي شعب وتاريخ ومؤسسات وحقوق ومصالح ومستقبل ومن يخلط بين الدولة والسلطة يسيء إلى الاثنين معا
كلما حاول الحارث أن يرفع صورة السلطة في الخارج بدا أكثر تورطا في تناقضاتها وكلما حاول أن يمنحها مظهرا متماسكا ظهرت هشاشتها وكلما بالغ في الدفاع عنها تحول دفاعه إلى عبء عليها لأن الدبلوماسي لا يستطيع أن يصنع واقعا جديدا بالكلمات ولا يستطيع أن يقنع العالم بأن النار ماء وأن الحرب سلام وأن الانقسام وحدة وأن الهوس الديني مشروع وطني لمجرد أنه قال ذلك من منصة دولية
إن أخطر ما يمكن أن يفعله الدبلوماسي لبلاده ليس أن يخسر معركة خطابية وإنما أن يخسر ثقة الآخرين في صدق الرواية التي يحملها وحين يصبح المندوب أسيرا للخطاب الرسمي فإن كل تناقض في السلطة يتحول إلى مأزق له وكل تصريح متناقض يصبح طعنة في خطابه وكل واقعة تكذب الرواية تجعل مهمته أصعب وهكذا يتحول المدافع عن السلطة إلى ضحية طبيعية لأخطائها وتناقضاتها
قد يربح الحارث منصة وقد يحتفظ بمنصب وقد تحيط به الألقاب وقد تفتح له أبواب المؤتمرات لكن كل ذلك لا يمنحه شيئا واحدا لا تمنحه المناصب وهو المصداقية فالمصداقية لا تصدر بقرار حكومي ولا تمنحها سفارة ولا يحميها لقب دبلوماسي إنها حصيلة سنوات من الاتساق بين القول والفعل وحين ينكسر ذلك الاتساق يصبح الموقع مرتفعا لكن صاحبه يبدو صغيرا أمام ذاكرة الناس
لقد تحول الحارث في نظر منتقديه من دبلوماسي كان يمكن أن يكون صوتا للسودان إلى مندوب يحاول أن يكون صوتا لسلطة بورتسودان ومن هنا جاءت المفارقة القاسية فبدلا من أن يستثمر موقعه لفتح نوافذ السلام أصبح جزءا من معركة سياسية مغلقة وبدلا من أن يبحث عن مساحة مشتركة صار يكرر الرواية الرسمية وكأن مهمته ليست إنقاذ السودان وإنما إنقاذ صورة السلطة
والحرب التي دمرت السودان ليست مادة لتجميل الخطاب ولا منصة لتصفية الحسابات ولا مناسبة لإعادة إنتاج خطاب الهوس الديني فهذه حرب أكلت المدن وشردت الأسر وكسرت الاقتصاد وأرهقت المجتمع وأطفأت مستقبل أجيال كاملة ومن يحاول تحويلها إلى رواية انتصار سياسي يخون جوهر المأساة لأن الوطن الذي يحتاج إلى الإنقاذ لا يحتاج إلى مزيد من الأبواق وإنما يحتاج إلى رجال يملكون شجاعة الاعتراف بالحقيقة
الحارث ليس المشكلة كلها وإنما هو عرض من أعراض مرض سياسي أوسع مرض يجعل المنصب أقوى من المبدأ ويجعل الولاء أقوى من الحقيقة ويجعل الدفاع عن السلطة مقدما على الدفاع عن الدولة ويجعل الدبلوماسي أسيرا لمنظومة سياسية بدل أن يكون حارسا للمصلحة الوطنية ولذلك فإن نقد الحارث لا ينبغي أن يتوقف عند شخصه بل يجب أن يمتد إلى البيئة التي صنعت منه هذا النموذج
سيذهب الذين يحكمون اليوم وسيأتي آخرون وستتغير التحالفات وستنتهي المناصب لكن الكلمات ستبقى شاهدة على أصحابها وسيقرأ السودانيون ذات يوم ما قيل في زمن الحرب كما يقرأون اليوم وثائق الماضي وسيسألون من كان يمثل السودان ومن كان يمثل السلطة ومن وقف مع الدولة ومن وقف مع الموقع ومن اختار الحقيقة ومن اختار الرواية الرسمية وعندها لن تنفع البلاغة ولن تنقذ الألقاب أصحابها
إن المأساة الحقيقية في قصة الحارث ليست أنه تغير وإنما أنه يبدو عاجزا عن إقناع الناس بأن تغيره كان ثمرة مراجعة فكرية صادقة وليس ثمرة انتقال في المواقع وبين الموقف والموقع مسافة لا يردمها الكلام فالمواقف الحقيقية تظهر حين يصبح الالتزام بها مكلفا أما المواقف التي تتغير كلما تغيرت موازين القوة فإنها ليست مبادئ راسخة وإنما ظلال تتحرك مع اتجاه الريح
ولذلك فإن الحارث مهما بالغ في تلميع صورة السلطة ومهما اجتهد في تسويق خطابها ومهما حاول إلباس الهوس الديني ثوب الدولة سيظل أمام السؤال الأصعب ماذا بقي من الدبلوماسي الذي كان يتحدث عن المهنية وماذا بقي من الناقد الذي كان يحذر من تسييس المؤسسة وماذا بقي من الرجل الذي كان يرفع راية الدولة حين كان خارج دوائر النفوذ ثم صار اليوم يدافع عن سلطة هي نفسها محل سؤال
إن التاريخ لا يحاسب الناس على المناصب التي شغلوها وإنما على المواقف التي اتخذوها حين كان الوطن في المحنة ولا يقيس الرجال بعدد البيانات التي كتبوها وإنما بما تركوه من أثر في ضمير الناس والحارث اليوم أمام امتحان لن تنجح فيه البلاغة لأن الحقيقة أكبر من الخطاب والواقع أقوى من الرواية وذاكرة السودانيين أطول من عمر أي سلطة وأبقى من أي منصب
وفي النهاية سيبقى السودان وحده هو المعيار وسيبقى الوطن فوق السلطة وسيبقى الشعب فوق الحكام وستسقط كل الأقنعة حين تنتهي الحاجة إليها وحينها لن يسأل التاريخ كم مرة ظهر الحارث في الأمم المتحدة ولا كم مرة دافع عن السلطة وإنما سيسأله سؤالا واحدا بسيطا وقاسيا حين وقفت أمام العالم هل كنت صوتا للسودان أم كنت صوتا لمن كانوا يريدون أن يجعلوا السودان ملكا لهم
