زين العابدين مصطفى: من رقصة اللمبي إلى خطبة البرهان .. التاريخ يعيد نفسه كمهزلة!
زين العابدين مصطفى
تمنحنا الذاكرة السياسية السودانية، في كثير من الأحيان، إحساساً طاغياً بـ “الديجافو” (Déjà vu)؛ ذلك الخلل العصبي الذي يوهمك بأنك تعيش مشهداً عشته من قبل. لكن في الحالة السودانية، ليس الأمر خللاً في نقل البيانات بين شقي الدماغ بأجزاء من الثانية، بل هو إعادة إنتاج واعية ومنظمة لذات العبث الخطابي والسياسي الذي قاد البلاد إلى حافة الهاوية.
يتجلى هذا التطابق بوضوح عند المقارنة بين سنوات حكم المخلوع عمر البشير الأخيرة، ومواقف رئيس مجلس السيادة الحالي، عبد الفتاح البرهان، في مواجهة الضغوط الدولية الراهنة.في الماضي القريب، وقف البشير وسط حشد مصنوع ليعلن بتهكم: “عبد الرحيم دا قالوا دايرنوا ناس الجنائية يا جماعة”. كان المخلوع يضحك ذاهلاً عما تخبئه له الأيام، بينما كان وزير دفاعه، عبد الرحيم محمد حسين، يرقص زهواً بتعميده مجرماً دولياً وسط تكبيرات الحشود.
سرت يومها في ذلك المحفل سعادة مجهولة السبب، والسودان يغرق في ظلمة نظام الثلاثين من يونيو. كان ذلك الزهو بؤرة الانفصال عن الواقع، والاستخفاف بآليات المحاسبة الدولية التي لحقت بهم في النهاية.واليوم، يستدعي البرهان ذات المأزق التاريخي ويمضي على خطى سلفه حذو الحافر بالحافر.
فمن على منبر مسجد في المناقل، أطل البرهان متقمصاً شخصية البشير بنسخة أكثر بؤساً وابتعاداً عن حقائق الميدان والدبلوماسية، معلناً: “الحرب لن تنتهي إلا بانتهاء التمرد. ما بنركع. لا نستبعد في الأيام الجاية يفرضوا على السودان عقوبات، وعلينا نحن عقوبات، لكن ربنا أقوى منهم”.يظهر هذا الخطاب انفصالاً تاماً عن الواقع عبر مستويين؛ الأول هو وضع شرط تعجيزي لإنهاء الحرب، يتمثل في المطالبة باستسلام عسكري لطرف لم يستطع الجيش هزيمته حاسماً في الميدان.
أما المستوى الثاني، فهو إعادة إنتاج شعارات الإخوان الجهادية النشاز مثل “لن نركع” و”الطاغية الأمريكان ليكم تسلحنا”. وهي شعارات أثبت التاريخ زيفها عندما انتهت الحماسة الأيديولوجية بقيام أصحاب اللحى أنفسهم بتسليم رفاق خنادقهم لوكالة المخابرات الأمريكية (CIA) تأميناً لبقائهم في السلطة.إن خطبة البرهان البائسة، واستقواءه بهتاف الرعاع المحيطين به قائلين “ما مشكلة” ترحيباً بالعقوبات، تعيد للأذهان بدقة تلك الرقصة العبثية لوزير الدفاع الأسبق.
هذا الاستخفاف بالعزلة الدولية والعقوبات الاقتصادية والسياسية يتجاهل حقيقة أن هذه القرارات ليست مجرد حبر على ورق، بل هي أدوات خنق للاقتصاد المنهار أصلاً، ومقدمات لتدخلات دولية أوسع قد تطال شرعية السلطة نفسها، تماماً كما حدث لنظام البشير الذي انتهى به المطاف معزولاً وملاحقاً حتى سقط بمرسوم شعبي، مهرته ثورة ديسمبر المجيدة بالدماء.
في المحصلة، يثبت المشهد الحالي أن النخب العسكرية والسياسية التي تقتات على أدبيات الحركة الإسلامية لم تتعلم شيئاً من دروس التاريخ القريب. إن الهروب إلى الأمام عبر تبني لغة التحدي الجوفاء واستدعاء الحشود العاطفية، لن يغير من حقائق الواقع الميداني أو الدبلوماسي شيئاً.
إن السودان اليوم يدفع ثمن هذه التناقضات؛ حيث يُعاد تمثيل الملهاة القديمة بذات التفاصيل، لكن الفارق هذه المرة أن ثمن العبث والإنكار يدفعه ملايين المشردين والنازحين جراء حرب تحرق الأخضر واليابس، بينما يستمر القادة في إعادة إنتاج خطابات الأمس بوعي مأزوم ومنفصل عن المأساة.
