أماني وداعة: اجتماعات أديس أبابا .. هل تصنع طريقاً لوقف الحرب؟
أماني وداعة
يمر السودان اليوم بواحدة من أصعب المراحل في تاريخه بعد أن دمرت الحرب أجزاء واسعة من البلاد وشردت الملايين وأفقدت المواطنين أرواحهم وممتلكاتهم ومصادر رزقهم، ومع استمرار القتال أصبح واضحاً أن هذه الحرب لن يكون فيها منتصر وأن الخاسر الأكبر هو السودان وشعبه.
وفي هذا الوقت تأتي الاجتماعات التي تعقدها بعض القوى السياسية والمدنية السودانية المناهضة للحرب في أديس أبابا، وبغض النظر عن القوى المشاركة فيها أو الخلاف حول مواقفها فإن أهمية مثل هذه اللقاءات تكمن في أنها تعيد التأكيد على ضرورة جمع السودانيين الرافضين للحرب والبحث عن موقف مشترك يساعد على وقفها، والسودان لا يحتاج إلى تحالف سياسي جديد أو اجتماعات تنتهي بإصدار البيانات فقط وما يحتاجه اليوم هو جبهة وطنية واسعة تضم مختلف مكونات الشعب السوداني ومؤسساته وقواه السياسية والمدنية والمجتمعية وتتجاوز الخلافات القديمة من أجل هدف أساسي هو وقف الحرب وإنقاذ البلاد، لان الخلافات بين القوى السياسية السودانية ظلت واحدة من نقاط الضعف التي استفادت منها القوى التي لا تريد التغيير والتحول الديمقراطي في السودان، وكلما انقسم المدنيون وتعددت تحالفاتهم أصبحت قدرتهم على التأثير أضعف بينما تمكنت القوى التي تريد استمرار الحرب من التوسيع والاستمرار.
ومن المهم أيضاً مواجهة الدور الذي تلعبه الحركة الإسلامية وقيادات النظام السابق في استمرار الأزمة ومن وجهة نظري فإن نفوذ الإسلاميين داخل القوات المسلحة ومؤسسات الدولة أصبح واحداً من أهم العوامل التي تعرقل الوصول إلى السلام خاصة مع وجود قيادات عسكرية مرتبطة بالنظام السابق والحركة الإسلامية وتتبنى مواقفها تجاه الحرب ومستقبل السلطة، ولهذا لم تحقق مبادرات وقف الحرب التي طرحت خلال السنوات الماضية النتائج التي كان ينتظرها السودانيون، فالمشكلة ليست في غياب المبادرات وإنما في غياب الإرادة الحقيقية لوقف القتال لدى القوى التي ترى في استمرار الحرب فرصة للعودة إلى المشهد السياسي واستعادة السلطة والنفوذ الذي فقدته بعد ثورة ديسمبر.
لقد حكم الإسلاميون السودان لثلاثين عاماً وانتهى حكمهم بثورة شعبية رفعت شعارات الحرية والسلام والعدالة، وعندما فشلوا في مقاومة التغيير والثورة أشعلوا حرب أبريل 2023 في محاولة لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء والعودة إلى السلطة حتى وإن كان ثمن ذلك استمرار الحرب وتدمير البلاد، لكنهم لم يدركوا أن السودان قد تغير والشعب الذي خرج مطالباً بالتغيير لن يقبل بعودتهم ولا بإعادة إنتاج نظامهم تحت مسميات أو واجهات جديدة، ولهذا فإن مواجهة الحرب ومشروع العودة إلى الماضي لا يمكن أن تكون مسؤولية الأحزاب وحدها، والمطلوب موقف واسع يجمع القوى السياسية والمدنية ولجان المقاومة والنقابات ومنظمات المجتمع المدني والشباب والنساء والإدارات الأهلية والمثقفين والإعلاميين وكل من يؤمن بأن مستقبل السودان يجب أن تحدده إرادة شعبه وليس الحركة الإسلامية، والقوى المناهضة للحرب ليس مطلوب منها أن تتفق على كل شيء فهذا أمر غير واقعي ولكن يمكنها الاتفاق على الحد الأدنى لوقف الحرب وحماية المدنيين وإيصال المساعدات الإنسانية ومنع عودة النظام السابق وإطلاق عملية سياسية تقود إلى دولة مدنية ديمقراطية.
وتأتي أهمية اجتماعات أديس أبابا وغيرها من اللقاءات ليس باعتبارها الحل في حد ذاتها وإنما بوصفها فرصة يمكن البناء عليها لتقريب المواقف وتوسيع دائرة القوى الرافضة للحرب ويتمثل نجاحها الحقيقي في قدرتها على المساهمة في بناء موقف سوداني واسع وتماسك، لقد دفع الشعب السوداني ثمناً باهظاً لهذه الحرب ولم يعد هناك وقت لمزيد من الانقسامات والحسابات الصغيرة، فالمطلوب اليوم هو بناء أكبر اصطفاف وطني ممكن لوقف الحرب ومواجهة الحركة الإسلامية وتياراتها وواجهاتها التي تريد استخدام الحرب طريقاً للعودة إلى السلطة، فالسودان لن يعود إلى الوراء ومستقبله يجب أن يصنعه شعبه بإرادته الحرة لا جنرالات الإسلاميين.
