حنان حسن: الانتصار الذي يحتاج إلى كل هذا الركام
حنان حسن
أغرب ما في هذه الحرب ليس فقط أن الإنسان السوداني صار يُقتل ثم يُدفن ثم يُستخدم موته كدليل على «الانتصار»
المحزن أن هناك من ينظر إلى بلدٍ محروق ومدنٍ مهدمة وملايين مشرّدة وآلاف البيوت التي أُغلقت أبوابها على غائبين لا يعودون ثم يخرج ليحتفل وكأن التاريخ منحه ميدالية.
ينبشون المنشورات القديمة لمن كانوا يطالبون بوقف الحرب ويضحكون عليها اليوم لأن موازين المعركة تغيّرت.. كأنهم يريدون أن يقولوا: ألم نقل لكم إننا سننتصر؟
لكن ينتصر من؟
حين يهزم السوداني السوداني ويُقتل ابن الوطن على يد ابن وطنه وتتحول المدن إلى خرائب وتُقتلع الأسر من بيوتها ويكبر الأطفال في النزوح والخوف هل تغيّر لون الركام حتى يصبح نصراً؟
الانتصار الحقيقي لا يحتاج إلى جثث كي يثبت نفسه
ولا يحتاج إلى وطنٍ مدمر كي يرفع رايته
ولا يُقاس بعدد المقرات التي سقطت ولا بالفرق التي هُزمت ولا بالمدن التي تبدلت السيطرة عليها.
هذه ليست عقلية انتصار
هذه عقلية فقدت القدرة على رؤية الإنسان خارج خندقها.
المشكلة ليست أنهم فرحوا بتراجع خصمهم
المشكلة أنهم لم يعودوا يرون في الضحية إنساناً أصلاً.
وحين يصبح موت السودانيين «ثمناً مقبولاً» لانتصار طرف ما
فهذا هو الانهيار الأخلاقي في أبشع صوره.
الحرب لم تنتهِ
والخراب لم يُصلح
والأمهات لم يسترددن أبناءهن
والأطفال لم يعودوا إلى مدارسهم
والنازحون لم يعودوا إلى بيوتهم.
فأي انتصار هذا الذي يحتاج أن يقف فوق كل هذه الجثث حتى يراه أصحابه؟
المنتصر لا يكون هو من بقي واقفاً في آخر المعركة
المنتصر الحقيقي هو آخر من بقي فيه شيء من الإنسانية.
