أماني وداعة: حوار تحت نيران الحرب .. ماذا يريد البرهان؟ 

1
amani

أماني وداعة

أثارت دعوة قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان إلى حوار سوداني جديد كثيراً من النقاش والرفض وسط القوى السياسية والمدنية خاصة أن الدعوة جاءت في وقت لا تزال فيه الحرب مستمرة ويسقط المدنيون كل يوم ويعيش ملايين السودانيين ظروفاً إنسانية صعبة بسبب النزوح واللجوء وفقدان مصادر الدخل والخدمات الأساسية، ومن حيث المبدأ لا يوجد خلاف على أهمية الحوار لأن أي حرب في النهاية لا بد أن تنتهي بالتفاوض والحلول السياسية ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو “كيف يمكن أن يبدأ حوار سياسي حقيقي في الوقت الذي تستمر فيه الحرب؟” فالأولوية بالنسبة للسودانيين اليوم يجب أن تكون وقف الحرب أولاً وحماية المدنيين وفتح الطريق أمام وصول المساعدات الإنسانية، وبعد ذلك يمكن تهيئة المناخ لحوار سياسي يشارك فيه السودانيون بحرية ومن دون ضغوط الحرب.

وقد واجهت دعوة البرهان رفضاً وانتقادات من عدد من القوى السياسية والمدنية كما لم تجد قبولاً من الولايات المتحدة التي قالت إنها مستعدة لدعم حوار سوداني حقيقي وشامل بقيادة مدنية وفي مكان تتفق عليه الأطراف وبمشاركة واسعة تشمل السودانيين داخل البلاد إلى جانب النازحين واللاجئين، وهذا الموقف يطرح سؤالاً مهماً حول الجهة التي يجب أن تقود أي حوار قادم فالبرهان ليس طرفاً محايداً في هذه الحرب بل هو قائد الجيش وأحد أطرافها الرئيسيين وظل متمسكاً بالحل العسكري ورافضاً لعدد من المبادرات الإقليمية والدولية الرامية إلى وقف الحرب ولذلك يصعب أن يقدم نفسه اليوم داعياً إلى حوار سياسي بصورة مباشرة أو غير مباشرة. فإذا كان الهدف الحقيقي من أي عملية سياسية هو إنهاء القتال وإعادة السلطة إلى المدنيين فمن الطبيعي أن يكون المدنيون هم من يقودون الحوار وأن تكون الخطوة الأولى هي تهيئة الظروف التي تسمح بقيام حوار حقيقي بعيداً عن صوت السلاح.

والحديث عن الحوار في وقت يستمر فيه القتال يبدو غير واقعي ولا يستند إلى منطق واضح فالناس الذين فقدوا منازلهم وأسرهم والذين يعيشون اليوم في معسكرات النزوح واللجوء ليست أولويتهم عقد حوار سياسي جديد وإنما يريدون أولاً أن تتوقف الحرب وأن يشعروا بالأمان وأن تتوفر لهم فرصة العودة إلى حياتهم من جديد، ومن هنا فإن البرهان إذا كان جاداً في دعوته إلى الحوار فإن الخطوة الأولى يجب أن تكون العمل بصورة حقيقية من أجل وقف الحرب بدلاً من طرح مبادرات جديدة بينما تستمر المعارك ويسقط المزيد من الضحايا فالسودان شهد خلال السنوات الماضية كثيراً من المبادرات والاجتماعات لكن ظلت مستمرة واتسعت معها معاناة السودانيين وأصبحت حياتهم أكثر صعوبة كما أن استمرار البرهان في السلطة يجعل هناك تساؤلات حول الهدف من هذه الدعوة هل الهدف فعلاً الوصول إلى حل سياسي وإنهاء الحرب؟ أم أن الحوار يمكن أن يصبح وسيلة جديدة للمحافظة على السلطة وإعادة ترتيب المشهد السياسي حول القيادة الحالية؟

وهذه الأسئلة مشروعة خاصة أن الحرب استمرت لسنوات ودفع المواطن السوداني خلالها ثمناً كبيراً من حياته وأمنه واستقراره ولذلك فإن أي قيادة موجودة في السلطة يجب أن تضع حياة المواطنين ووقف الحرب في مقدمة أولوياتها، قبل التفكير في البقاء في مواقع الحكم. كما أن الحوار المطلوب لا يجب أن يقتصر على السياسيين والعسكريين فقط لأن آثار الحرب طالت كل المجتمع السوداني ولذلك يجب أن يشارك فيه المجتمع المدني والشباب والنازحون واللاجئون وممثلو المناطق والمجتمعات المتأثرة بالحرب حتى لا يتحول الحوار إلى مجرد اتفاق بين مجموعة من القيادات حول السلطة والمناصب، ومن المهم أيضاً أن تكون للنساء مشاركة حقيقية وعادلة في أي حوار سياسي قادم، فالنساء من أكثر الفئات التي تحملت آثار الحرب سواء من خلال النزوح وفقدان أفراد الأسرة أو تحمل مسؤولية الأطفال والأسر في ظروف صعبة وما تعرضت له النساء من انتهاكات خلال الحرب.

وفي الوقت نفسه لعبت النساء السودانيات أدواراً مهمة في العمل الإنساني والمبادرات المجتمعية ومحاولات بناء السلام ومع ذلك ما زال حضورهن ضعيفاً في التمثل والمشاركة في المبادرات الرسمية، وقد أشارت هيئة الأمم المتحدة للمرأة إلى غياب النساء السودانيات كمفاوضات عن المفاوضات الرسمية لإنهاء الحرب خلال السنوات الثلاث الماضية ودعت إلى تمثيل لا يقل عن 40% للنساء في مبادرات السلام والدبلوماسية المتعلقة بالسودان، لذلك لا يجب أن تكون مشاركة النساء مجرد وجود عدد قليل منهن داخل قاعة الحوار وإنما يجب أن يشاركن في اتخاذ القرارات ووضع أجندة الحوار وأن تكون قضايا حقوق النساء وحمايتهن والعدالة للضحايا جزءاً أساسياً من أي اتفاق قادم.

السودان اليوم لا يحتاج إلى حوار من أجل الحوار فقط ولا إلى مؤتمر سياسي جديد ينتهي بتوصيات وبيانات بينما تستمر الحرب والمطلوب أولاً هو وجود إرادة حقيقية لوقف القتال وحماية المواطنين وبعد ذلك يمكن أن يبدأ حوار سوداني سوداني واسع يشارك فيه السودانيون بمختلف فئاتهم، وفي النهاية فإن نجاح أي دعوة للحوار لا يقاس بعدد المشاركين فيها ولا بعدد الاجتماعات التي تعقد وإنما بما تحققه من نتائج حقيقية على أرض الواقع.

فإذا كان البرهان يريد فعلاً أن يثبت أن دعوته للحوار جادة فإن البداية يجب أن تكون من العمل على وقف الحرب لأن الحوار الحقيقي لا يمكن أن ينجح بينما صوت السلاح أعلى من صوت السودانيين.

What do you feel about this?