الباشا طبيق: بين نكران كامرون واعتراف ضابط الدبة.. هل سقطت أسطورة المرتزقة؟

1
tebiq

الباشا طبيق

من نكران كامرون إلى اعتراف ضابط الدبة، تتهاوى أمام الرأي العام واحدة من أكثر السرديات التي جرى توظيفها سياسياً وعسكرياً منذ اندلاع الحرب: سردية أن قوات الدعم السريع مجرد مرتزقة وأجانب لا علاقة لهم بالشعب السوداني أو بالمؤسسات الرسمية للدولة.

فالقضية هنا ليست مجرد تناقض في التصريحات، وإنما تكشف أزمة أعمق داخل الخطاب الرسمي للمؤسسة العسكرية؛ أزمة تقوم على إعادة تعريف الحقائق وفقاً للحاجة السياسية والعسكرية، بحيث تصبح القوات في خطاب الأمس جزءاً من المنظومة الرسمية، ثم تتحول في خطاب اليوم إلى «مليشيا ومرتزقة»، قبل أن يعود بعض الخطاب نفسه ليقر بأن أفراداً من هذه القوات أبناء للشعب السوداني.

من أين بدأت الحكاية؟

لقد تأسست مؤسسات الدولة السودانية الحديثة في سياق استعماري، ولم تكن المؤسسة العسكرية استثناءً من ذلك. فقد ارتبط تاريخ الجيش منذ نشأته بوظائف أمنية وعسكرية هدفت في جانب كبير منها إلى حماية النظام الاستعماري وإخماد الثورات والحركات الوطنية، قبل أن تتطور هذه المؤسسة بعد الاستقلال وتصبح جزءاً أساسياً من بنية الدولة السودانية.

ومن هنا، فإن قراءة تاريخ المؤسسة العسكرية لا ينبغي أن تكون قراءة مقدسة أو فوق النقد، بل يجب أن تخضع للمراجعة والتقييم، خصوصاً عندما تتحول المؤسسة التي يفترض أن تكون قومية إلى طرف في الصراع السياسي.

أما قوات الدع_م السر_يع، فقد دخلت في مرحلة لاحقة إلى بنية الدولة الرسمية، وصدر قانون خاص بها من مؤسسات الدولة، ونُظمت علاقتها بالمؤسسة العسكرية وفق الإطار القانوني القائم آنذاك. والأهم أن قيادات عسكرية وسياسية بارزة تحدثت في مراحل سابقة عن قانونية القوات وعن علاقتها بالقوات المسلحة.

وهنا يبرز السؤال الجوهري:

إذا كانت هذه القوات، وفق الخطاب الرسمي السابق، قانونية وجزءاً من المنظومة الأمنية للدولة، فكيف تحولت فجأة إلى «مرتزقة» و«أجانب» و«مليشيا» بمجرد اندلاع الحرب؟

بعد ديسمبر.. بدأت معركة صناعة الصورة الذهنية

بعد ثورة ديسمبر 2019، تصاعدت حملة سياسية وإعلامية منظمة ضد قوات الدع_م السر_يع، ولم تكن المسألة في كثير من الأحيان مجرد نقد لأداء القوات أو مطالبة بإصلاح القطاع الأمني، بل تحولت إلى محاولة لإنتاج صورة ذهنية كاملة عنها باعتبارها جسماً غريباً عن الدولة والمجتمع.

ثم جاءت حرب 15 أبريل 2023، فتحولت هذه الحملة إلى خطاب تعبئة شامل.

خرج قادة الجيش إلى الشعب السوداني بخطاب يقوم على ثنائية بسيطة: جيش الدولة في مواجهة «مليشيا» و«مرتزقة».

ومع استمرار الحرب، اتسعت دائرة الاتهام لتشمل ليس القوات وحدها، وإنما مكونات اجتماعية وقبلية بأكملها، عبر أوصاف من قبيل «الأجانب» و«عربان الشتات» وغيرها من المفردات التي ساهمت في تعميق الاستقطاب الاجتماعي والسياسي.

وهنا تكمن خطورة الخطاب؛ لأن تحويل الحرب السياسية والعسكرية إلى معركة هوية وعرق وانتماء اجتماعي لا يصنع دولة، وإنما يفتح الباب أمام مزيد من الانقسام والانتقام الأهلي.

المفارقة التي تكشف التناقض

المفارقة اللافتة أن الخطاب الرسمي نفسه بدأ يكشف تناقضاته.

ففي الوقت الذي يخرج فيه مسؤولون في سلطة بورتسودان لإنكار العلاقة السابقة بين قوات الدع_م السر_يع والمؤسسة العسكرية، أو لنفي الصفة القانونية التي كانت قائمة في مراحل سابقة، يأتي في المقابل حديث لضابط رفيع في منطقة الدبة بالولاية الشمالية، يخاطب قوات قيل إنها منشقة عن الدع_م السر_يع، ويؤكد أنها ليست مرتزقة وأنها من أبناء الشعب السوداني، ثم يدعوها إلى العودة إلى «حضن الوطن».

وهنا لا بد من التوقف.

إذا كانت هذه القوات «مرتزقة وأجانب» كما يقول بعض قادة المؤسسة العسكرية، فكيف تصبح في خطاب ضابط عسكري آخر قوات سودانية وأبناء لهذا الوطن؟

وإذا كان أفرادها «غرباء» لا صلة لهم بالسودان، فما معنى دعوتهم إلى العودة إلى حضن الوطن؟

هذه ليست مجرد مفارقة لغوية؛ إنها تكشف أن تعريف الخصم في الخطاب الرسمي أصبح مرتبطاً بالموقف السياسي أكثر من ارتباطه بمعيار ثابت للهوية والقانون والمواطنة.

المشكلة ليست في الاعتراف بالخطأ.. بل في توظيف الحقيقة

من حق أي دولة أن تنشئ مؤسسات أمنية وعسكرية، لأغراض وطنية ودواعي أمنية محددة.

لكن المشكلة تبدأ عندما تُعاد صياغة التاريخ وفق مقتضيات المعركة.

فإذا كانت قوات الدع_م السر_يع فُرض عليها حرب مفتوحة، فهذا لا يلغي تلقائياً تاريخ نشأتها القانونية وعلاقتها  بمؤسسات الدولة، كما أن الاعتراف بأن أفرادها سودانيون يعني أن هذه السردية مجرد كذب وتضليل.

المواطنة شيء، والإختلاف شيء آخر.

وهذه نقطة يجب ألا تضيع وسط الضجيج السياسي.

فليس من المنطقي أن يكون الشخص «مواطناً سودانياً» عندما نريد استقطابه إلى صفنا، ثم يتحول في اللحظة التالية إلى «مرتزق وأجنبي» عندما يصبح خصماً.

الدولة الحقيقية لا تتعامل مع المواطنين وفق موقعهم في المعركة، وإنما وفق القانون.

السودان لا يحتاج إلى أساطير جديدة

لقد دفع الشعب السوداني ثمناً باهظاً بسبب صناعة الأساطير السياسية والعسكرية.

أسطورة المؤسسة التي لا تخطئ، وأسطورة الجيش الذي يمثل وحده الدولة، وأسطورة القوة التي تمثل وحدها الشعب، وأسطورة أن كل من يقف في الضفة الأخرى ليس سودانياً.

كل هذه الأساطير انتهت عملياً أمام واقع الحرب.

والحقيقة التي يجب أن يواجهها السودانيون بشجاعة هي أن الأزمة ليست أزمة قوات فقط، وإنما أزمة دولة ومؤسسات وشرعية سياسية ومفهوم للمواطنة وعلاقة معقدة بين العسكري والسياسي.

لقد كشفت الحرب هشاشة البناء المؤسسي للدولة، وكشفت كذلك أن بعض المؤسسات التي يفترض أن تكون فوق الصراع يمكن أن تتحول إلى أدوات في الصراع نفسه.

بين نكران المسؤولين في سلطة بورتسودان، واعتراف ضابط الدبة بأن القوات التي يخاطبها «ليست مرتزقة وإنما أبناء الشعب السوداني»، تقف أمامنا مفارقة سياسية لا يمكن تجاهلها.

فإذا كان الضابط صادقاً، سقطت رواية أن كل أفراد الدع_م السر_يع مرتزقة. وإذا كان الخطاب الآخر صادقاً، فعلى أصحابه أن يفسروا كيف يمكن لقوات «مرتزقة» أن تكون في الوقت ذاته، وفق خطاب رسمي عسكري، من أبناء الشعب السوداني الذين يُدعون إلى العودة إلى الوطن.

المطلوب اليوم ليس إعادة تدوير الدعاية، ولا استبدال كذبة بكذبة، ولا صناعة سردية انتقائية تخدم الجيش على حساب الحقيقة.

المطلوب هو فتح ملف الدولة السودانية بالكامل: تاريخ المؤسسات العسكرية، نشأة وتطور القوات النظامية وشبه النظامية، القوانين التي أنشأتها ونظمتها، مسؤولية القيادات السياسية والعسكرية، والانتهاكات التي ارتكبها الجيش، ثم وضع كل ذلك أمام الشعب السوداني دون تزوير أو انتقائية.

فالسودان لن يخرج من الحرب بإعادة إنتاج الأكاذيب القديمة، وإنما بمواجهة الحقيقة كاملة، وبناء دولة المواطنة والقانون، وإعادة تأسيس مؤسسات وطنية لا تُدار بمنطق الغلبة أو الاستعلاء أو احتكار الحقيقة.

وإذا كانت الحرب قد أسقطت الكثير من الأقنعة، فإن التناقض بين النكران السياسي والاعتراف العسكري يكشف بوضوح أن معركة السودان الحقيقية ليست فقط حول من يملك السلاح، وإنما حول من يملك حق تعريف الدولة، ومن يكتب تاريخها، ومن يحدد من هو السوداني ومن هو «المرتزق» وفقاً لموازين السياسة والحرب.

وهنا تحديداً يجب أن يبدأ العمل الحقيقي حول تأسيس دولة سودانية جديدة، لا إعادة ترميم الدولة القديمة بأدواتها وخطاباتها وأزماتها نفسها.

What do you feel about this?