نجم الدين دريسة: الطريق الي تأسيس السودان الجديد يبدأ بتفكيك بنية الهيمنة

2
deresa

نجم الدين دريسة

دخل السودان القرن الحادي والعشرين وما تزال الدولة التي تشكلت جذورها الحديثة قبل أكثر من قرنين حاضرة في بنية السلطة وفي طريقة إدارة الموارد وفي العلاقة بين المركز والأقاليم وفي تعريف المواطنة والهوية والسيادة وقد تغيرت الحكومات وتعاقبت الأنظمة وتبدلت النخب من دون أن يحدث التحول التاريخي الذي ينقل البلاد من دولة نشأت أساسا للسيطرة على الأرض والسكان والموارد إلى دولة يصنعها مواطنون متساوون وتقوم مؤسساتها لخدمتهم ولهذا فإن المأزق السوداني لا يمكن اختزاله في فشل حكومة أو انقلاب أو حرب لأن هذه الوقائع تظل نتائج متكررة لاختلال أعمق يتعلق بتكوين الدولة نفسها

منذ الغزو التركي للسودان في عامي 1820 و1821 بدأ يتبلور نموذج مركزي حديث للسلطة يقوم على إخضاع مساحات واسعة من البلاد وربطها بجهاز إداري وعسكري هدفه تحصيل الموارد والضرائب والتحكم في الأرض والسكان وتأمين احتياجات مركز الحكم ومنذ ذلك التاريخ ترسخت علاقة غير متكافئة بين المركز والأقاليم وبين المناطق المنتجة للثروة والجهات التي تقرر كيفية استخدامها وقد تغيرت أشكال هذه العلاقة عبر المراحل المختلفة لكنها لم تخضع بعد الاستقلال لعملية تفكيك شاملة تعيد تأسيس الدولة على المواطنة والعدالة والتوزيع المتوازن للسلطة والثروة

وعندما تحقق الاستقلال كان السؤال الأكبر ماذا يفعل السودانيون بالدولة الموروثة وكان المطلوب الانتقال من جهاز صمم للإدارة والسيطرة إلى دولة وطنية تستمد شرعيتها من مواطنيها غير أن ما حدث في جوانب أساسية كان انتقال مواقع الإدارة إلى نخب وطنية أكثر من كونه إعادة تأسيس للدولة فاستمرت المركزية وتفاوت التنمية وضعف مشاركة الأقاليم في صناعة القرار وأصبح تغيير الحكومات أسرع كثيرا من تغيير القواعد التي تنتج السلطة نفسها ولذلك ظلت الأزمات تتجدد بأسماء ووجوه وشعارات مختلفة بينما بقيت أسبابها البنيوية قائمة

ولهذا فإن بناء السودان الجديد لا يمكن أن يعني استبدال نخبة بنخبة لأن تغيير المستفيدين من الامتياز لا يلغي منظومة الامتياز نفسها والمطلوب إنهاء الأساس الذي يسمح بقيامها وبناء الدولة على المواطنة المتساوية بحيث لا يمنح الأصل أو الإقليم أو اللغة أو الثقافة أو الدين أي مواطن قيمة سياسية أعلى من غيره ولا تحتكر جماعة تعريف الوطنية ولا يصبح القرب من مركز القرار طريقا للحصول على حقوق وفرص لا تتوافر للآخرين فالدولة العادلة تبدأ عندما يصبح المواطن هو وحدة الحقوق الأساسية وليس الجماعة التي ينتمي إليها

غير أن المواطنة المتساوية لا تتحقق بمجرد كتابتها في الدستور لأن المجتمعات السودانية لم تحصل تاريخيا على الفرص نفسها ولذلك تصبح العدالة التاريخية شرطا للمساواة الفعلية وهي لا تعني الانتقام ولا نقل الظلم من جماعة إلى أخرى وإنما الاعتراف بالاختلالات المتراكمة ثم معالجتها في توزيع السلطة والثروة والأرض والتنمية والتعليم والصحة والتمثيل السياسي والخدمة المدنية وجبر الضرر فالمساواة الحقيقية تقتضي أن تعالج الدولة آثار التفاوت الذي صنعته سياساتها وأن تمنح المجتمعات التي تحملت الحروب والتهميش القدرة الفعلية على المشاركة في صناعة مستقبلها

وتعني العدالة كذلك إعادة تعريف العلاقة بين الموارد والإنسان فلا يعقل أن تنتج منطقة الذهب بينما يعيش سكانها في الفقر أو أن توجد الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية والنفط والمعادن بينما تفتقر المجتمعات المحيطة بها إلى المدارس والمستشفيات والمياه والطرق فموارد السودان ليست غنيمة للحاكم ولا لشبكات النفوذ وإنما ملك للشعب ويجب أن تتحول عائداتها إلى تعليم وصحة وإنتاج وبنية أساسية وفرص عمل وأن تصبح التنمية المتوازنة حقا دستوريا لا منحة يقدمها المركز متى أراد ويحجبها متى شاء

وتقف الهوية في قلب عملية التأسيس لأن السودان متعدد الشعوب والثقافات واللغات والأديان ولا يمكن اختصار هذا التنوع داخل تعريف أحادي للوطن فالدولة الجديدة لا ينبغي أن تحدد للسودانيين من يكونون وإنما أن تعترف بهم كما هم وتجعل تنوعهم جزءا أصيلا من تعريفها ومن هنا تصبح العلمانية ضمانة للمواطنة المتساوية وحياد الدولة تجاه الأديان والثقافات وحماية حرية الاعتقاد والضمير ومنع استخدام المقدس للحصول على السلطة أو تمييز المواطنين بعضهم على بعض فالدولة تحمي حق الجميع في الاعتقاد ولا تتبنى عقيدة تفرضها عليهم

ولا يمكن تحقيق هذه المواطنة داخل مركزية تعيد إنتاج العلاقة القديمة بين مركز القرار والأقاليم فالسودان يحتاج إلى نظام لامركزي حقيقي لا إلى وحدات إدارية تتلقى أوامرها وميزانياتها من المركز واللامركزية الحقيقية تعني توزيعا دستوريا للسلطات والموارد وتمكين المجتمعات من إدارة شؤونها وتحديد أولوياتها التنموية والمشاركة في إدارة مواردها ومحاسبة حكوماتها المحلية وهي لا تهدد وحدة السودان بل تجعلها قائمة على الرضا والمصالح المشتركة لأن الوحدة المستدامة يصنعها المواطنون المتساوون ولا تحرسها المركزية والقوة إلى الأبد

ويحتاج السودان كذلك إلى إعادة تعريف الاستقلال فالاستقلال ليس علما ونشيدا وحدودا فقط وإنما امتلاك القرار السياسي والسيادة الكاملة على الأرض والموارد والثروات ولا تكون الدولة مستقلة إذا أصبح قرارها مرتهنا للخارج أو تحولت مواردها إلى مجال لاستغلال لا يعود على مواطنيها بالمنفعة فالذهب والنفط والمعادن والمياه والأراضي والموانئ والثروة الزراعية والحيوانية يجب أن تخضع للمصلحة الوطنية وأن يصبح الإنسان السوداني الغاية النهائية للاقتصاد وأن تقام علاقات البلاد الخارجية على الندية والمصالح المشتركة لا على الارتهان السياسي والاقتصادي

وهذا التحول يحتاج إلى دستور دائم متراضى عليه يجيب بوضوح عن الأسئلة التي ظلت مؤجلة وهي طبيعة الدولة وشكل الحكم وعلاقة الدين بالدولة وتوزيع السلطة والثروة وحقوق الأقاليم وضمانات الحريات وكيفية تداول السلطة وحدود المؤسسات ويجب أن يصبح الدستور أعلى من الحاكم والمؤسسات جميعا وأن يغلق الطريق أمام احتكار السلطة بالسلاح أو الثروة أو الادعاء التاريخي فالسلطة في الدولة الجديدة وظيفة عامة مؤقتة يمنحها المواطن عبر الانتخابات ويستردها بالطريقة نفسها ولا يملك فرد أو جماعة أو مؤسسة حق مصادرة الإرادة الشعبية

وفي قلب هذه العملية تقف المسألة العسكرية فالسودان لا يحتاج إلى إعادة إنتاج المؤسسة العسكرية القديمة تحت عناوين الإصلاح وإعادة الهيكلة وإنما إلى تأسيس جيش وطني جديد ينشأ من العقد الدستوري الجديد ويعكس التنوع السوداني ويقوم على المهنية والكفاءة فالتاريخ الطويل لتدخل المؤسسة العسكرية في السياسة والحكم والاقتصاد يجعل الإصلاح الجزئي غير كاف والمطلوب جيش جديد يخضع بالكامل للسلطة المدنية المنتخبة ولا يمارس التجارة ولا يصنع الحكومات ولا يتحول إلى مركز مستقل للسلطة وتصبح وظيفته حماية البلاد وحدودها ودستورها ومواطنيها

ويمتد منطق التأسيس إلى الخدمة المدنية والقضاء والشرطة والتعليم والإدارة والاقتصاد والإعلام فلا يمكن بناء دولة جديدة بعقل الدولة القديمة والمطلوب مؤسسات تقوم على المهنية والكفاءة والشفافية والمساءلة وتكافؤ الفرص والتمثيل العادل وتتحرر من شبكات المحسوبية والولاء السياسي والاجتماعي كما أن الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني مطالبة بإعادة تأسيس نفسها ديمقراطيا فلا يمكن المطالبة بتداول السلطة في الدولة بينما تحتكر القيادات مواقعها داخل التنظيمات ولا يمكن بناء الديمقراطية بواسطة مؤسسات سياسية تعيد إنتاج الزعامة الدائمة والمركزية والوراثة السياسية

ويبقى تحرير التاريخ شرطا لتحرير المستقبل لأن الدولة القديمة لم تنتج المؤسسات والامتيازات فقط وإنما صنعت سرديات تحدد من صنع الوطن ومن يحتل مركز التاريخ ومن يبقى خارجه ولذلك فإن إعادة كتابة التاريخ ليست دعوة لمحو أحد أو صناعة رواية انتقامية وإنما استعادة التاريخ لجميع أصحابه وإدخال مقاومات الأقاليم وتجارب المجتمعات والنساء والضحايا والثقافات المتعددة إلى الرواية الوطنية فالطفل السوداني يجب أن يرى وطنه كاملا في التاريخ وأن يعرف أن السودان صنعته شعوب وممالك ومجتمعات ومقاومات متعددة وليس مركزا واحدا أو جماعة واحدة

إن إعادة تأسيس السودان تعني في جوهرها إعادة تعريف الدولة والسلطة والمواطنة والهوية والسيادة والثروة والتاريخ فالدولة ليست جهازا يقف فوق المجتمع وليست خزينة تتنافس النخب على مفاتيحها وإنما عقد بين مواطنين أحرار ومتساوين وظيفته حماية حقوقهم وتمكينهم من إدارة حياتهم ومواردهم ومستقبلهم وهذه المهمة أكبر من تغيير حكومة وأعمق من إسقاط نظام لأنها انتقال من دولة تدير السكان والموارد من أعلى إلى دولة تصنعها الشعوب ومن مركز يحتكر القرار إلى أقاليم شريكة فيه ومن اقتصاد يستخرج الثروة إلى اقتصاد يبني الإنسان

وعندما تصبح المواطنة المتساوية واقعا والعدالة التاريخية سياسة واللامركزية توزيعا فعليا للسلطة والموارد والعلمانية ضمانة لحياد الدولة والدستور عقدا فوق الجميع والجيش مؤسسة وطنية جديدة والموارد وسيلة لبناء الإنسان والقرار الوطني مستقلا والتاريخ ملكا لجميع شعوب البلاد يكون السودان قد بدأ أخيرا إنجاز مهمته المؤجلة منذ نشأة دولته الحديثة وهي الانتقال من الدولة التي ورثها السودانيون إلى الدولة التي يصنعونها بإرادتهم دولة لا تطلب من شعوبها أن تتكيف معها وإنما تكون هي التعبير السياسي والدستوري عن أشواقهم في الحرية والعدالة والمساواة والكرامة والسلام

What do you feel about this?