الجميل الفاضل :تمارينُ مدافعة عنيفة تُهيئُ العالم لنهائيات أرض الصدق؟!

2
aljamil

الجميل الفاضل

ليس ما يجري الآن عند هذا الممرِّ الضيّق صراعَ عضلاتٍ بين فولاذٍ يلمع، غايته غبارٌ نووي يرقد تحت جبلٍ بجوف الأرض.

ثمة شيءٌ أبعد من ذلك.. كأنَّ الجغرافيا نفسها قد وضعت إصبعها على فم العالم، وقالت له: «هُسْ، رويدك، هنا لا يعبر أحدٌ إلا بقدر».

فهرمز، للحقيقة، ليس ممرًّا للماء فقط، إنما هو عنقُ زجاجةٍ تختبر عنده حضارةٌ آفلة قدرتها على النجاة من نفسها اليوم.

هناك، حيث تتزاحم السفن، وتتبادل العيونُ رسائلَ الخوف، وتصعد أرقامُ النفط والأسواق، يبدو في الظاهر أن الجميع يمسك بمقبض الحياة.

لكن، حين ينزاح ستارُ الظاهر قليلاً، تظهر الحقيقة عارية: ليس ثمة من يمسك بشيء سوى حافة الهاوية.

إن ما يجري، في معناه الأبعد والأعمق، تمرينُ مدافعةٍ ساخن.

تلك السُّنّة التي لا يراها المتعجّلون وهم يحدّقون في حركة السلاح، لكنها على أية حال سُنّة تعمل في صمتٍ تحت طبقات التاريخ والجغرافيا.

﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾.

هنا تصير هذه الآية خارطة طريق، ويصير التاريخ جسدًا، وتصير الجغرافيا جهازَ مناعة.

فكما يهبُّ الجسد الحي حين يتسلّل إليه السمّ، تستيقظ خلاياه لا حبًّا في المعارك، إنما دفعًا تحرّكه غرائز البقاء، كذلك تتداعى قوى العالم كلّه عندما يصرّ أحدها على احتكار شريان للحياة.

ليس لأن ميزان القوة عادل، لكن لأن الحياة نفسها لها جهازُ مناعة طبيعي.

فما أعجب هذا العالم.. إذ كلّما ظنَّ الأقوياء أنهم بلغوا آخر القوة، أرسل إليهم الوجود ما يذكّرهم بأول العجز.

وكلّما رفع أحدهم رايةَ الردع، رفعت الجغرافيا أمامه مرآةَ الرعب.

فمثل هذا الممرّ الضيّق لا يسمح بانتصارٍ كامل، لأن انتصارَ طرفٍ واحد فيه قد يكون هزيمةً للجميع.

وهكذا قد يصبح الخوفُ المشترك أحيانًا أعدلَ من كل مواثيق البشر، ويصبح العجزُ المتبادل آخرَ ما تبقّى من حكمة.

إنها مفارقةُ المدافعة: أن يحمي العالمَ من الانفجار أحيانًا عجزُ القادرين عن استعمال قدرتهم.

إذ ليس ذلك غريبًا على من قال سبحانه وتعالى لملائكته:

﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ حين قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾.

فنحن جميعًا بشرًا وملائكة وجنًّا لا نحيط في النهاية بشيء من علمه إلا بما شاء هو كذلك.

وما يبدو لنا كلّنا فوضى قد يكون في باطنه حفظًا لميزانٍ لا نراه.

وما نظنّه تأخيرًا قد يكون إعدادًا لدور، وما نسمّيه انسدادًا قد يكون بابًا يُغلق بوجه الفساد كي لا ينفتح بابٌ آخر على خرابٍ أكبر.

لذلك لا ينبغي أن نقرأ هذا الممرَّ الضيّق من ثقوب مفاتيح الخرائط وحدها.

يجب أن نقرأه بعين السُّنن لندرك لماذا تتراجع هيبةُ الحديد كلّما اقترب هو من حافة استخدامه، ولتنكشف هشاشةُ القوة كلّما بلغت ذروة استعراضها.

حينها سيتعلّم المتكبّرون، ولو بعد حين، أن السلاح قد يفتح ممراً، لكنه لا يصنع أمنًا.

وأن القوة بلا أخلاق ليست قوة، بل هي فوضى مؤجّلة.

ومن هنا تبدأ رحلةُ الانكشاف، لتسقط أولًا هيبةُ الادّعاء.

ثم ليكتشف الخائفون أن ما يسمّونه ردعًا ليس إلا خوفًا متبادلًا يرتدي بزّاتٍ عسكرية مموهة.

قبل أن يتعلّم الكلّ أن البقاء لا يحتاج إلى مزيد من العنتريات، إنما إلى تنازلاتٍ قد تبدو صغيرةً في أعين الساسة، لكنها كبيرةٌ جدًّا بموازين الأقدار.

ثم تسقط طبقةٌ أخرى: هي طبقة وهمِ شراء الوقت.

فالهُدَن التي لا تغيّر شيئًا ليست سلامًا، إنما هي استراحةٌ لإنضاج الكارثة.

والفاتورة المؤجّلة لا تموت، إنما تكبر كبالونة في الظلام، إلى أن يأتي يوم لا يعود فيه ممكنًا تأجيل الحقيقة.

وقتَها، حين تفرغ الحضارةُ المادّية كلّ مخزونها من المسكنات، يتبيّن للعالم أن كل قوةٍ لا يحرسها العدل تنقلب على صاحبها.

سيبدأ وقتَها البحثُ الجادّ عن الدواء الناجع الأخير، الذي لن يجدوه في مخازن السلاح، ولا في غرفة عملياتٍ تطلّ على الخرائط، ولا في بورصةٍ تبيع الخوف وتشترى الوقت.

سيكون هذا الدواء في مكانٍ آخر: في أرض الصدق، التي وصفها هكذا نبيّ الإسلام، «أرض الهجرتين» في خاطر الصوفيّ حسن الفاتح قريب الله.

تصوّر أن تلك الأرض قد لا يحتاج الحقّ فيها إلى دبّابةٍ كي يكون حقًّا، ولا يحتاج المظلوم فيها إلى قوةٍ كي يُصدَّق.

عندها لا يُقاس الإنسان بما يملك، لكن بما يعدل، كشأن ملكنا النجاشي رمز العدل فيما سبق.

وحيث لا يكون الاستخلاف حقًّا للقادر على البطش، لكنه يصبح أمانةً لدى من يعرف كيف يحفظ قيم الحياة.

لذلك فإن هذا الممرَّ الضيّق على الخليج ليس مسرحًا للعبث كما يبدو للبعض.

إنه، في قراءة أخرى، موضعٌ صغير أُعدّ لصناعة قدرٍ كونيّ كبير.

فيه تتدرّب الإرادات على حدودها، ويتمرّن الزيف على السقوط، ليُعاد توزيع الخوف حتى لا تستولي قوةٌ غاشمة على شرايين العالم برمّتها.

في هذا المكان يعمل حاليًّا سرّ المدافعة بهدوء تامّ، وبصرامة قوانين الأزل التي لا ترفع راية، ولا تطلق بيانًا، ولا تحتاج إلى منصّة؛ يكفيها فحسب أن تقول: ليس كلّ ما يقدر عليه الإنسان مقدَّرًا له أن يفعله، وليس كلّ طريقٍ مفتوحًا إلى النجاة.

سيطول هذا التمرين قليلًا، وستتأخر الفاتورة لبعض وقت، وستزدحم غرفة الانتظار بالخرائط والسفن والتهديدات.

لكن شيئًا ما، سيظلّ يعمل خلف هذا الستار: هو ميزانٌ لا ينام، إلى أن تتعادل كفّتاه، ليعرف العاتون خاصّة أن هذا الشريان لم تعد تحرسه البوارج والفرقاطات والسفن الحربية، إنما يحرسه سرٌّ قديم يقول: إن الأرض، عندما يوشك الفساد أن يستفحل فيها، تستدعي جهاز مدافعتها المدّخر في علم الله المكنون.

وأن العالم، مهما طال تيهه، لا بدّ أن يعود من طريق القوة إلى طريق العقل، ومن سحر الخوف إلى يقين العدل، ومن ضجيج الحديد إلى فطرة الإنسان الأولي.

وعندها فقط.. حين ينكسر آخرُ قناعٍ للزيف، ويخلع العالمُ نعلَ غروره على عتبة الحقيقة، قد يتنفّس الصبح لا من فوهة صاروخ أرعن، إنما من أرض الصدق ذاتها.

ليهدأ البحر بعد طول اضطراب، وليكتمل معنى: أن الاستخلاف ليس أن تملك العالم، بل أن تحفظه وترعاه بصدق وعدل.

وأن أقوى الناس ليس من يستطيع أن يهدم، لكن من يستطيع، وهو قادرٌ على الهدم، أن يترك للحياة الكريمة بابًا تعبر منه.

ذلك هو سرّ المدافعة: أن يبقى العالم حيًّا كي يتعلّم كيف يكون صادقًا وعادلًا.

What do you feel about this?