عبدالحفيظ مريود :”بدون زعل” فى عيد الجيش ال 72 .. ماذا كان يفعلُ نميري فى جبيت؟
عبدالحفيظ مريود
“بدون زعل” فى عيد الجيش ال 72:
ماذا كان يفعلُ نميري فى جبيت؟
الملازم عبد الفضيل ألماظ قضى نحبه وهو يحتضنُ مدفعه المكسيم. فى أعلى سطحٍ من مبنى المستشفى العسكرىّ (مستشفى العيون، حالياً)، كان يوجّهُ نيران مدفعه ضدَّ “قوّات الإنجليز”، التى أعاقتْ تقدّمه – عبر كبرى الحديد، على النّيل الأزرق – ليعبرَ هو وقوّاته إلى بحرى. ماذا يوجدُ فى بحرى؟ ولماذا قرّر الملازم ألماظ عبور النّيل الأزرق، حتّى ولو أدّى ذلك لموته، وموت المائة جندىّ الذين جاءوا معه؟ ولماذا صار ألماظ بطلاً؟ نغنّى له، محمّد الفيتوريّ وورديّ : “مثلما استُشهِدَ فى مِدفعه عبدُ الفضيل”، وإنْ شئتَ : فبأصواتِ كورال مدرسة أبوذر الكودة.
هل كان بطلاً حقّاً؟
ذلك العام، 1924م، كان الإنجليز قد قرّروا، فجأةً، ودون سابق إنذار، أنْ يغادر الجيشُ المصري، ومعه جميعُ الموظّفين المصريين، السُّودان، خلال 24 ساعة، فقط. فقد كانت مصر تضجُّ بثورة عُرابي. وقد قُتِل السير لي ستاك فى مصر، فى ظروفٍ غامضة. جمعَ الجيشُ المصريّ والموظفون أغراضهم – على عجلٍ – وغادروا على دفعاتٍ، تحملهم قطاراتُ السكّة الحديد إلى وادى حلفا، وقد كانت بحري هى المحطة التى تنطلق منها القطارات. كان السُّودانيون – لاحظ للسُّودانيين، هذه – قد تظاهروا احتجاجاً على طرد المصريين، ومحاولة بريطانيا الانفراد بحكمهم، فالاتفاقيّة تقول إنَّ “الحكم ثنائي” : انجليزى – مصري. وكانت “جمعية اللواء الأبيض” قد توّلتْ كِبَرَ التظاهرات الاحتجاجيّة.
كان عبد الفضل ألماظ يحاولُ اللّحاق بالقطار النّازل إلى وادى حلفا، يحمل الجيش المصريّ. لكنْ لماذا كان يحاول اللّحاق بالجيش المصريّ؟ هل لأنَّ والده كان جنديّاً فى الجيش المصري؟
أمَرَ الانجليز بفتح النيران على المستشفى العسكريّ، وهدم المبنى ذى السّطح العالي، الذى يتّخذه ألماظ ربوةً يفتحُ من أعلاها نيران المكسيم عليهم. هُدِمَ المبنى، وقضى ألماظ نحبه. وَجِدَ جثمانه تحت الأنقاض وهو يحتضنُ المدفع. “ونغنّى لكَ يا وطني…
شايف كيف؟
التظاهرات الاحتجاجيّة كانت ضدَّ قرار طرد المصريين من السُّودان، وانفراد بريطانيا بالحكم، لا لطرد الاستعمار ذاته. والبطلُ الذى نغنّى له كان يريدُ اللحاق بالقطار، لا تهديم القصر الجمهوريّ، حيث يقبعُ الحاكم العام. مدفعه لم يوجّه للقصر. بل للقوّة التى كانت تمنعه من عبور النّيل الأزرق. هل كانتِ القوّة التّابعة للإنجليز، والتى واجهتْ عبد الفضيل ألماظ وقوّاته، تتكوّنُ من جنود بريطانيين؟ هل كانتِ القوّاتُ التى واجهت جيش الخليفة فى كررى، وقبلها، فى النّخيلة، تتكوّن من جنود بريطانيين؟ والتى طاردتِ الخليفة التّعايشي، وحصدتهم فى أم دبيكرات؟ والتى واجهتْ عبد القادر ود حبّوبة؟ والتى طاردتْ علي دينار وقتلته؟ هل كانوا بريطانيين؟ والتى حاصرت عثمان دقنة وألقتِ القبض عليه؟
لا يهمّ فى هذه اللحظات..
ما المهمُ، إذن؟
جاء الفريق إبراهيم عبّود إلى الحكم. بتكليفٍ من رئيس الوزراء عبد الله خليل. كانت شواغل حكومته الأولى : إزالةُ الجفوة مع مصر. تلك التى دفع ضريبتها : التّوقيع على اتّفاقية السّدّ العالي. كيف يمكنُ أنْ نحكم ومصرُ غاضبةً عنّا؟ لا بدَّ من استرضائها. ثمَّ جاء نميري مرتهنا لكلّ ما هو مصري، حتّى عندما اتّخذت بعض الدّول العربيّة والاسلاميّة موقفاً من مصر، عقب توقيع الرئيس أنور السّادات لاتفاقية كامب ديفيد، لم يجدْ نميري فيها ما يعيب، بل وفّر نظامه منفذاً لتهريب يهود الفلاشا إلى إسرائيل. وحين سقط نظامه بانتفاضة أبريل 1985م، لم يجدْ له – من بقاع الأرض كلّها – وطناً غير مصر.
شايف كيف؟
يمكنُ لمصرَ أنْ تحتلَّ مثلث حلايب، فى عهدِ حكومة عمر البشير، وهى تعلمُ – يقيناً – أنْ لا أحدَ سيواجهها. ذلك أنّها زرعتْ ضبّاط مخابراتها داخل الجماعة التى كانت تنسّقُ معها حكومة البشير لاغتيال الرئيس حسنى مبارك فى أديس أبابا. لكنَّ ذلك – محاولة الاغتيال – لم تكنْ لتحدث لولا أنَّ عرّاب نظام الإنقاذ، حسن التّرابيّ، كان على خلافٍ مع النّظام، بل الأنظمة المصريّة كلّها.
شايف كيف؟
هل يمكنُ لمصرَ أنْ تعمل على تقويض الحكومة المدنيّة التى جاءت بعد ديسمبر 2018م، بقيادة د. عبد الله حمدوك؟
لنْ تحتاج إلى ذلك..
يستطيعُ الملازم عبد الفضيل ألماظ أنْ يقومَ بالأمر نيابةً عنها.
وأنْ يخوضَ حرباً ضروساً ضدَّ الدّعم السّريع نيابةً عنها.
يحلّقُ طيرانها فى سماء الخرطوم، يهدمُ كبرى شمبات، لأنَّ “الدّعامة” يتفازعون عبره، بين بحري وأمدرمان، ويستحيل أنْ يتقدّم الجيش هكذا. يحلّق مدمّراً جزءً من المصانع فى بحري، جزءً من مصفاة الجيلىّ، الأبنية العالية فى الخرطوم، يتدّخلُ فى معارك “جبل مويا”، لا مشكلة. أليس هو ذات الطّيرانُ الذى استقدمه جعفر نميريّ لضرب الأنصار فى الجزيرة أبا، وملاحقة الإمام الهاديّ وقتله؟ ما الجديد، إذن؟
هل تتوقّعون أنْ يعترض الملازم عبد الفضيل ألماظ؟
بل سيخرجُ جنرالٌ من أحفاده ليقولَ لنا باللهجة المصريّة (نحنا مبسوطين أوي).
ستخطّطُ المخابراتُ المصريّة أنْ يخوض جيشُ الملازم عبد الفضل ألماظ حرباً ضدَّ إثيوبيا، نيابةً عنها. سيفعلُها، ممتنّاً. وفى سبيل ذلك ستعملُ على تمكينه من حكم البلاد. هذه المرّة لن يكون حكماً ثنائيّاً، بالطّبع. بل ستنفردُ مصر – وهى تفعلُ ذلك منذُ بعض الوقت – بالحكم..
ونغنّى لكَ يا وطني..
ذلك طرفٌ من الأساطير المؤسِّسة للوطنيّة السُّودانيّة.
أليستِ الأممُ سرديّات، كما يقولُ هومي بابا؟
شايف كيف؟
