عادل ود سهل – الدوحة: بكاءٌ على الأطلال .. لا يريد أن يبكي.

4
adel sahal

عادل ود سهل يكتب…

بكاءٌ على الأطلال… لا يريد أن يبكي.

“دمعة على الخرطوم الجميلة… خرطوم اللاءات الثلاث.”

 

لم تكن الخرطوم يوماً مجرد مدينة على ملتقى النيلين…

كانت وعداً.

 

كانت المدينة التي تستيقظ على صوت المكانس…

تغسل شوارعها بالماء والصابون.

لا على صوت المدافع تكنس أرواح أبنائها.

 

وكان جنيهها – قبل أن يهزمه الزمن-

فارساً مغواراً.

يوازي أكثر من ثلاث دولارات…

في زمنٍ لم تكن فيه بقعٌ كثيرة في المنطقة

قد سُمعت بعدُ أن لها عملة من أي نوع.

 

كانت الخرطوم تُصدِّر العقول لا الرصاص.

تُعلِّم لا تتعلّم.

مدينةً تُستعار منها الأحلام.

تُصدِّر الخبرات والعلماء…

لا اللاجئين.

وحين أقف اليوم أمام ركام المشهد.

لا أكتب لأبكي على الأطلال بكاء العاجز.

ولا لأنسج مرثية جديدة تُضاف إلى سجلات الوجع السوداني.

 

أنا أكتب للتاريخ…

والتاريخ لا يُكتب بالدموع وحدها…

بل بالحقائق التي لا تقبل التزييف.

وبالأرقام التي عاشها جيلٌ ما زال بيننا يذكر…

كيف كان الوطن قامةً، ومرفوع الهامة.

 

الحكاية لا تبدأ من صوت المدافع الذي شقّ صمت المدينة…

ولا من غبار النزوح الذي أثقل خطى أطفالها.

بل تبدأ من صورةٍ أقدم وأعمق…

يوم كانت تستيقظ على رائحة الماء، يغسل الأسفلت مع إشراقة كل فجر.

 

سيمرّ على هذه السطور من شهدوا تلك المرحلة.

سيصححون اسماً.

يدققون في تاريخ.

أو يعيدون ترتيب رقم…

ولهذا أضع قلمي في مهب الأمانة التوثيقية.

أستحضر بها خرطوم اللاءات الثلاث.

 

إنها لم تكن مجرد مدينة…

بل كانت فكرةً وعصراً كاملاً.

ولعلّ الجملة التي ستبقى حيةً في ذاكرة هذا العصر.

وتظل مفتاحاً لكل ما سنرويه هنا.

هي شهادتي للأيام، التي هزت وجدان كل مواطن سوداني، عندما كتبتها في مقالي السابق، وقلت:

 

“كان السودانيون يسافرون يومها لأن العالم كان يحتاج إليهم… لا لأنهم كانوا يحتاجون إلى العالم.”

 

هذه ليست جملة في مقال…

هذه شهادة على عصر كامل.

تأكيدٌ للتاريخ الذي سنُعيد به بناء ما تهدّم.

لا مرآةً نبكي فيها على ما فات.

 

مدينة كانت تسبق زمانها

لم تكن الخرطوم تبني نفسها على العجل…

بل كانت تُشيَّد كما تُشيَّد الأساطير:

حجراً حجراً…

ومؤسسةً مؤسسة.

عاصمةً يُقاس عليها…

لا عاصمةً تُقاس على غيرها.

 

الجنيه الذي يحكم الأسواق:

خذ الجنيه أولاً…

فهو ليس مجرد عملة.

بل شاهد عيان على سيادة وطن.

في حقبة الحكم العسكري الأول وفي ستينيات القرن الماضي وحتى بداية السبعينيات.

ظل الجنيه السوداني رمزاً لقوة الاقتصاد ومتانة الغطاء النقدي.

لم يكن للتداول الفعلي بالدولار وجودٌ يُذكر في السوق…

لأن من يملك عملته لا يحتاج عملة غيره.

كان الجنيه الواحد يُعادل نحو 3.48 دولار أمريكي (تحديداً قبل قرار فك ارتباط الدولار بالذهب عام 1971م).

جنيهٌ واحد…

وثلاثة دولارات تنحني له!

كانت قوته الشرائية تمنح المواطن السوداني كرامته وعزته داخل وطنه وخارجه.

تشتري به ما تشاء، وتطوف به العواصم وأنت مرفوع الرأس.

هل يُصدَّق هذا اليوم، ونحن نعدّ الأصفار في سعر الصرف كما نعدّ جراح الوطن؟

 

جامعة الخرطوم… الجميلة ومستحيلة:

خذ ثانياً جامعة الخرطوم…

التي لم تولد جامعة بين عشية وضحاها.

بل بدأت كمدرسة صغيرة عام 1902م باسم “كلية غوردون التذكارية” على يد اللورد كتشنر.

مُوِّل إنشاؤها بتبرعات جُمعت من أرجاء الإمبراطورية المترامية:

من بريطانيا إلى أستراليا وكندا ونيوزيلندا ومصر والهند…

العالم كله ساهم في بناء منارة.

ولم يكن يعلم أنه يبني للسودان عقلاً سيُصدَّر لاحقاً إلى العالم!

تطورت عبر عقودٍ من التميز الأكاديمي والارتباط التوأمي بمعايير جامعة لندن الصارمة.

وحين استقل السودان عام 1956م.

كانت أول كلية إفريقية ترتبط بجامعة لندن تفكّ ذلك الارتباط.

وتقف على قدميها، جامعةً مستقلة تمنح شهادتها الخاصة.

لتُلقب بحق “جمال إفريقيا وجميلتها”.

خرّجت العلماء.

والأطباء.

والقضاة.

والأدباء الذين قادوا نهضة الدولة السودانية والعديد من دول المنطقة.

وكان خريجها يُمثّل معياراً للكفاءة والأخلاق أينما حلّ وارتحل.

 

مشروع الجزيرة: عملاق الزراعة

خذ ثالثاً مشروع الجزيرة…

أعجوبة الري الانسيابي التي لم يكررها أحد بهذا الحجم والعبقرية في القارة الإفريقية.

أُسِّس عام 1925م بين النيلين الأزرق والأبيض على مساحة تتجاوز 2.2 مليون فدان.

تسقيها ترعة رئيسية واحدة بطول 323 كيلومتراً تمتد من سد سنار حتى مشارف الخرطوم.

وتخدمه شبكة سكة حديد داخلية تمتد لأكثر من 1300 كيلومتر.

وهي أطول شبكة نقل حقلية من نوعها في إفريقيا.

كان هذا المشروع يمدّ البورصات العالمية – وعلى رأسها بورصة ليفربول – بأجود أنواع القطن طويل التيلة.

وكان المنسكب الرئيسي للعملة الصعبة في خزانة الدولة السودانية.

وحين قرر السودانيون تأميم إدارته عام 1950م.

تولى الإدارة مكي عباس كأول محافظ سوداني عام 1955م.

وبحلول عام 1956م اكتملت “سودنة” كل وظائف المشروع الإدارية والفنية.

لم ننتظر أحداً ليُعلّمنا كيف نُدير حقولنا…

أدرناها بأيدينا في اللحظة ذاتها التي رفعنا فيها العلم.

فأثبت السوداني أنه مزارعٌ ومهندسٌ ومديرٌ على أعلى طراز.

 

 

السكة الحديد والبريد: شرايين الدولة:

خذ رابعاً السكة الحديد…

هذا الشريان الذي مدّ الحديد في جسد الصحراء ليكون دماً يتدفق لا عوائق.

بدأت الخطوط تتمدد عام 1897م.

وصلت عطبرة في يوليو 1897م.

ثم حلفا في نهاية 1899م.

واكتمل معظمها قبل عام 1930م.

لتصبح أكبر شبكة سكك حديدية في القارة الإفريقية كلها.

امتدت قضبانها من الحدود المصرية شمالاً إلى دارفور غرباً.

ومن بورتسودان على البحر الأحمر إلى “واو” جنوباً.

كانت تنقل 90% من صادرات البلاد ووارداتها.

وكانت هيئة السكة الحديد أكثر من مجرد وسيلة نقل:

رعت الأندية الرياضية.

أقامت الفنادق الفخمة.

ومراكز الترفيه.

ودعمت الحركة الثقافية والعمالية حول كل محطاتها.

سكة حديد تبني مسارح وأندية وتصنع الوعي؟

نعم…

لأن الدولة يومها كانت تبني إنساناً.

لا تُشغِّل عمالاً فحسب.

وارتبطت بها هيئة البريد والبرق، بنظامٍ اتصالاتي محكم يجعل الرسائل والبرقيات تصل في موعدها الدقيق، كأنه وعدٌ مقدّس لا مجرد خدمة حكومية.

 

سودانير… أجنحة النيل الأزرق:

خذ خامساً السماء نفسها…

فقد كانت الخرطوم تطير قبل أن تطير عواصم كثيرة حولها.

تأسست الخطوط الجوية السودانية (سودانير) عام 1946م.

لتكون أول ناقل جوي في إفريقيا والشرق الأوسط بأكمله.

بدأت بأربع طائرات صغيرة من طراز “دي هافيلاند”.

ثم أضافت طائرات “دوغلاس”.

ثم أدخلت طائرات “الكوميت” النفاثة و”البوينج” الحديثة.

افتتحت خطاً دولياً منتظماً إلى أوروبا عبر القاهرة وأثينا وروما حتى مطار هيثرو ببريطانيا (الخط الشهير باسم Blue Nile الخدمة المتميزة).

ظلت رمزاً للفخر الوطني.

تربط أطراف دارفور وكردفان والجنوب والشمال والشرق بالعاصمة.

وتحمل الحجاج والزوار بأطقم ضيافة وملاحة سودانية كانت مضرب المثل في الكفاءة والنزاهة والانضباط.

 

أساطير النهر والبحر التي ابتلعها الفقد:

خذ سادساً الأساطيل المائية…

وكيف لا ينفطر القلبُ بكاءاً وحسرة… ونحن نستحضر شموخ ‘النقل النهري’ و’النقل البحري’، يوم أن كانت الهيئتان تمتلكان أعظم وأعتى الأساطيل المائية، وهي تجوب النيل والبحار حاملةً كبرياء أسماء مديرياتنا التسع العريقة – من ‘دنقلا’ إلى ‘كردفان’- قبل أن يُجهز عليها تجريف عهد ‘الإنقاذ’ وتتداعى السنون، ليفقد الوطن عافيته المائية.

 

تأسست الخطوط البحرية السودانية’ (سودان لاين) عام 1958م، وجابت المحيطات منذ عام 1962م بأسطولٍ عملاق بلغ 16 سفينة عابرة للقارات – من بينها ‘أركويت’، و’سنار’، و’الجلابة’، و’دنقلا’، و’الخرطوم’ – لتبني واحداً من أكبر ثلاثة أساطيل تجارية في إفريقيا والشرق الأوسط.

ونستذكر معها جلال ‘مؤسسة النقل النهري’ التي شقت أعتى الممرات المائية بأسطولها الذي تجاوز مئات المواعين والباخرات والجرارات النهرية – كالباخرة ‘البركل’ و’الثريا’ و’مروي’ – وهي تنطلق في خطوطٍ منتظمة من أقصى الشمال في كريمة وحلفا إلى أقصى الجنوب في كوستي وجوبا، ترسم شريان الحياة والوحدة بين أطراف الوطن.

 

قبل أن يمتد الي تلك الهيئات التجريف الممنهج والتفكيك في عهد ‘الإنقاذ’ بقرارات التصفية والبيع؛ فتتوارى تلك الأساطيل قطعةً وراء قطعة، ويستيقظ سودان اليوم وقد أُفرغ نهره وبحره، ليصبح بلا سفينةٍ واحدة تجر أذيال المجد على الموج!

 

صوت المكانس لا صوت المدافع:

خلف كل هذا…

كانت هناك خدمة مدنية لا تُجارى في الدقة والانضباط.

ورثت روحاً إدارية صارمة لا تعرف المحسوبية أو المحاباة.

كان القاضي يُقاس حكمه بالنزاهة لا بالنفوذ والجاه.

وكانت الخرطوم نظيفة كأنها عروسٌ تتزين لليلة زفافها.

تُغسل شوارعها الرئيسية والفرعية بالماء والصابون في ساعات الفجر الأولى وفق جدولٍ بلدي صارم.

وتُظللها أشجار اللبخ والنيم العتيقة التي تُنعش أنفاس المارين.

حين تسأل أهل تلك الأيام: كيف كانت الخرطوم تستيقظ؟

سيقولون لك بلا تردد وبحسرةٍ شفيفة:

كانت تستيقظ على صوت المكانس…

لا على صوت المدافع.

 

الرياضة… حين كان السودان يلعب باسمه:

ولم يكن السودان يبني مؤسساته المادية والإدارية فقط…

كان يبني مجده في الملاعب أيضاً.

كانت الرياضة جزءاً أصيلاً من الشخصية السودانية.

وعنواناً للانضباط والروح الرياضية السامية.

وكانت كرة القدم، على وجه الخصوص.

واحدةً من المساحات العريضة التي عرف فيها السودانيون معنى التنافس الشريف.

والانتماء الوطني.

والفرح الجماعي الذي يجمع الأمة من أقصاها إلى أقصاها.

 

دخل السودان مبكراً جداً إلى عالم كرة القدم الإفريقية…

لم يكن مجرد مشارك.

بل كان من الدول المؤسسة للمنظمة الإفريقية التي أصبحت لاحقاً “الاتحاد الإفريقي لكرة القدم” (الكاف).

تأسست اللبنات الأولى هنا في الخرطوم.

وكان القادة الرياضيون السودانيون يضعون اللوائح والنظم لقارة بأكملها.

 

وفي عام 1970م…

جاء أحد أجمل وأبهى أيام السودان الرياضي.

استضافت الخرطوم بطولة كأس الأمم الإفريقية.

وفي قلب الخرطوم… وعلى أرض ملعبها المعشوشب بالحب والأمل.

رفع السودان الكأس الإفريقية غاليةً وعزيزة.

كان ذلك أول تتويجٍ سوداني في البطولة القارية الكبيرة.

 

لم يكن الكأس مجرد قطعةٍ من معدن تلمع تحت الأضواء…

كان لحظةً تاريخية شعر فيها السودانيون أن وطنهم يستطيع أن يقف على قمة منصة إفريقيا…

مرفوع الرأس.

عالي الهامة.

يُجبر الجميع على احترام اسمه ورايته.

 

العصر الذهبي لكرة القدم السودانية: سحرة المستطيل الأخضر

وحين نلتفت إلى الملاعب والرياضة، نستحضر العصر الذهبي للكرة السودانية، يوم أن كان لاعبونا أساطير تُروى، وبصماتٍ لا تُنسى في ذاكرة الرياضة الإفريقية والعربية، وكانت الملاعب السودانية تصنع أسماءً ساحرة تجاوز صداها حدود الوطن.

 

               سبت دودو (الصقر الطائر): حارس المرمى الأسطوري وأول حماة العرين السوداني، صاحب اللياقة الهائلة والبراعة الفذة التي جعلت منه سداً منيعاً وقامة لا تُكرر في حراسة المرمى.

 

 

               نصر الدين عباس “جكسا”: مهندس الهجمات وصانع المتعة الوطنية، الأسطورة التي صالت وجالت في ملاعب إفريقيا، ومهندس انتصارات المنتخب الوطني الذي أهدى السودان مجده الكروي التليد.

 

 

               علي قاقرين (الرمح الملتهب): السفير والدبلوماسي والهداف التاريخي، صاحب القدم اليسرى الساحرة التي عرفت طريقها لشبك المنافسين بدقة متناهية وأخلاق فرسان هادئة.

 

 

               عز الدين الدحيش: المهاجم الفذ والفنان الشامل، من أصحاب اللمسات الاستثنائية الذكية والقدرة العالية على حسم أصعب المواجهات بمهارة ساحرة.

 

 

               كمال عبد الوهاب (سحر الكرة السودانية): المايسترو وصانع الألعاب البارع، الذي حوّل المستطيل الأخضر إلى مسرح للفن والجمال بمراوغاته اللمّاحة ورؤيته الفذة.

 

 

               مصطفى النقر: المهاجم المقتدر والسريع، صاحب الحضور الهجومي الطاغي والأهداف الحاسمـة التي طالما زلزلت المدرجات بالفرح.

 

 

               بشرى وهبة وبشارة عبد النضيف ثنائي خط الوسط الذهبي والدينامو المحرك؛ رمزا الفدائية والصلابة والانضباط التكتيكي الرفيع الذي منح الكرة السودانية هيبتها وتوازنها.

 

               عبد العزيز عبد الله “زغبير”: الحارس العملاق وأحد أساطير حراسة المرمى، الذي جمع بين الشجاعة الاستباقية وردة الفعل الخاطفة ليظل صمام أمان لعرين الكرة السودانية.

وأسماءٌ أخرى كثيرة لا تتسع السطور لحصرها، صنعت تاريخ الكرة السودانية وكتبت أسماءها ببحور من النور.

 

“لهذا نقولها وبكل فخر، لم تكن الريادة السودانية محصورة في أروقة المحاكم وقاعات الجامعات ومنابر الإعلام فحسب… بل امتدت إلى ساحات الملاعب والمستطيل الأخضر. يوم أن كان أساطير عصرنا الذهبي – من أمثال سبت دودو، وجكسا، وعلى قاقرين، والدحيش، وكمال عبد الوهاب، والنقر، وبشرى، وبشارة، وزغبير- يكتبون بمهاراتهم وأخلاقهم العالية تاريخاً كروياً ناصعاً، ويُلهمون الملايين بروح فرسان لا تُقهر وقيمة رياضية نادرة.”

 

ولم يتوقف أثر هؤلاء النجوم عند حدود الوطن…

فبعض نجوم الكرة السودانية كانوا من أوائل اللاعبين الذين خرجوا للاحتراف في دول الخليج العربي.

حملوا معهم خبرة الكرة السودانية.

وروحها القتالية العالية.

وأخلاقها الرفيعة.

وأسهموا بفعالية في تأسيس وتطوير جانب كبير من تاريخ اللعبة وتطوير الأندية في المنطقة.

كان السوداني يذهب للملعب الخليجي مدرباً ولاعباً ومؤسساً…

يُعلِّم الفنون.

ويصنع الأبطال.

ويترك أثراً لا يمحوه الزمن.

 

 

 

حين جاء العرب يتعلمون منا:

ليس هذا فصل تباهٍ ولا تفاخرٍ أجوف…

بل فصل توثيقٍ وتاريخ واجب.

لسنا هنا لنقول لغيرنا “كنّا أفضل منكم”…

بل لنقول بثقة التاريخ: “كنّا حاضرين، وبقوة، حين احتاج الأشقاء والأصدقاء من يبني معهم ما لم يُبنَ بعد”.

 

تأسيس القضاء والعدالة

حين احتاجت دولٌ عربية وخليجية فتيّة إلى من يُرسي فيها أسس العدالة ونظم القضاء الحديثة، لم تبحث بعيداً.

في دولة قطر الشقيقة: وفي مطلع عهد الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني، استُعين بنخبة من كبار الكفاءات القانونية السودانية لبناء المؤسسات العدلية الحديثة. أُعير رجال قضاء وقانون مرموقون، من بينهم القاضي الجليل الفاتح عووضة، والقاضي صلاح حسن، والقاضي محمد أحمد عبد الرحمن…

جلسوا على منصات القضاء القطرية، يحكمون بالعدل، ويضعون السوابق القضائية في بلدٍ شقيق.

 

في دولة الإمارات العربية المتحدة: جلس القاضي الدكتور عوض الحسن النور على منصة محكمة الاستئناف بدبي، يكتب بقلمه السديد سطوراً من دستور العدالة والنزاهة. والأهم من ذلك والأكثر مدعاة للفخر: المستشار الجليل صالح فرح، السوداني الذي لم يعمل مستشاراً قانونياً لإمارة أبو ظبي فحسب، بل كان أحد الفقهاء الأفذاذ والرجال المعدودين الذين شاركوا فعلياً وصاغوا دستور دولة الإمارات العربية المتحدة. فكر في هذا الأمر جيداً: يدٌ سودانية هي التي كتبت وسودت سطوراً في دستور دولة خليجية شقيقة…

ثم عادت تلك اليد أو يد أبنائها تكتب اليوم مرثيةً لوطنٍ يبحث بين الركام عن دستورٍ لسلامه ومواطنيه!

 

في دولة الكويت: انتُدب قضاة وقانونيون أفذاذ كالمستشار محجوب عبيد، والمحامية فاطمة النور، والدكتور عبد الله النعيم، والمستشار محمد أحمد سالم؛ لتأسيس المحاكم الوطنية وصياغة اللوائح العدلية الأولى، وترسيخ أطر الاستشارات التشريعية وحماية الحقوق.

 

بناء المدن والإدارة والبلديات:

في دولة الإمارات العربية المتحدة: حين كانت أبو ظبي مدينةً ناشئة تبحث عن نظامٍ بلدي يرتب شوارعها وهياكلها وإداراتها، جاء المهندس السوداني السني بانقا ليكون أول رئيس بلدية لأبو ظبي، وجاء المهندس أحمد عوض الكريم وتولى إدارة الطرق والمجاري والبنية التحتية في العاصمة الإماراتية نفسها.

وفي دبي، كان الأستاذ كمال حمزة يترأس بلديتها ويلعب دوراً تأسيسياً مشهوداً في تخطيط مدرستها الإدارية والعمرانية الأولى.

في ليبيا: أدار المهندس المدني محمود أبو زيد والمهندس الكهربائي حسن عثمان مشاريع البنية التحتية والكهرباء والطرق الكبرى، ووضع الخبير إسماعيل الحاج لبنات السياسات الاقتصادية والتنموية في ليبيا الشقيقة.

 

في الجيش والشرطة والأمن

في دولة قطر: أسهم أحد الضباط السودانيين الأفذاذ الذين أُعيروا لتأسيس وتنظيم الشرطة والجيش القطري وتدريب كوادره: وهو عبد الرحمن حسن سوار الذهب، والذي عاد لاحقاً إلى بلده السودان، ليصبح مشيراً ورئيساً للمجلس العسكري الانتقالي…

رجلٌ أرسى دعائم الأمن في دولة وليدة، ثم عاد ليصون أمن دولته الأم في أحرج لحظاتها التاريخية وسلم السلطة بوفاءٍ نادر!

 

التعليم والأكاديميا والآثار:

في المملكة العربية السعودية: أصبحت الدكتورة سعاد الفاتح البدوي في الرياض أول عميدة لكلية التربية للبنات، تضع المناهج وتُخرج أجيالاً من المعلمات.

وعمل علّامة اللغة والأديب البروفيسور عبد الله الطيب والأكاديميون الأجلاء أحمد الطيب زين العابدين والبروفيسور أحمد إلياس حسين في جامعة الملك سعود، يطورون المناهج ويؤسسون الأقسام العلمية.

وعلى أرض المملكة ذاتها، كان عالم الآثار الدكتور يوسف مختار الأمين يشرف على أكبر المسوح والتنقيبات الأثرية والكشوفات التاريخية في الجزيرة العربية.

في الإمارات العربية المتحدة: أسس المؤرخ القدير البروفيسور يوسف فضل حسن البنية العلمية الأكاديمية لجامعة الشارقة كأول مدير لها.

في اليمن وليبيا: قاد المربي محمد الفاتح جهود تطوير التعليم وبناء المناهج وتدريب المعلمين في اليمن الشقيق.

 

الإعلام، الثقافة، والفنون

وحين احتاجت المنارات العربية إلى من يمنحها صوتها وفكرها وهويتها البصرية:

في الإمارات: تولى البروفيسور السوداني القدير علي إبراهيم شمو أول منصب لوكيل وزارة الإعلام الإماراتية في سبعينيات القرن الماضي ليضع لوائح الإعلام الحديث.

بينما شارك الأديب علي المك بقلمه في الصحافة الإماراتية ينقل عمق الثقافة السودانية.

وأسهم رائد الفن التشكيلي العالمي إبراهيم الصلحي في تأسيس وتنظيم البنية الثقافية والفنية في الشارقة.

في ليبيا: أطل الشاعر الكبير محمد الفيتوري بفكره وشعره مستشاراً وثقافياً في ليبيا والمحافل العربية، يُجوب بقصائد ديار العروبة وديار الأفارقة.

 

الطب والخبرات العالية

كان الأطباء السودانيون يترأسون ويقودون المستشفيات الأولى في منطقة الخليج، يضعون اللبنات الأساسية للرعاية الصحية بحسٍ إنساني رائع وكفاءة استُمدت من كليات جامعة الخرطوم والزمالات الملكية البريطانية:

أرسى د. علي الصادق قواعد طب الأطفال بالبحرين.

وحين احتاجت المؤسسات إلى أبحاث تخصصية ودقيقة، كان البروفيسور معز عمر بخيت أستاذاً واستشارياً لأمراض الدماغ والجهاز العصبي وقائداً لمراكز التميز الطبي بالبحرين.

وكان الدكتور إدريس إبراهيم جميل مستشاراً قانونياً لكبرى الشركات في السعودية.

هذا هو الفرق الجوهري الذي يدمي القلوب بين خرطوم الأمس وخرطوم اليوم:

بالأمس كنا نُصدِّر للعالم من يبني الدساتير والبلديات والجامعات…

واليوم نُصدِّر للعالم من يبحث عن خيمة وسقف ولجوء!

 

كيف انكسر كل ذلك؟

ليس هذا فصل خصومة سياسية…

بل فصل قراءة تاريخية متأنية.

حين تنهار دولةٌ بهذه العظمة وهذا الإرث الراسخ.

لا تنهار فجأة بسبب حادث فردي.

بل بسلسلة من الشروخ التراكمية التي جعلت الجدار المتين هشاً وقابلاً للسقوط.

 

  1. 1. اختلال العلاقة بين المدني والعسكري:

بعد أقل من عامين اثنين فقط على إعلان الاستقلال.

شهد السودان أول محاولة انقلاب عسكري عام 1957م.

ثم نجح الانقلاب الأول عام 1958م ضد أول حكومة وطنية ديمقراطية منتخبة.

وتوالت الانقلابات والمغامرات العسكرية لأكثر من 11 محاولة، أو انقلاباً ناجحاً.

مقابل 11 سنة فقط من الحكم المدني الديمقراطي الكامل خلال أكثر من نصف قرن من عمر الاستقلال!

11 عاماً فقط من الحكم المدني… مقابل عقود متصلة من العسكرة والشمولية!

هذا الرقم وحده كافٍ لتفسير غياب التراكم التنموي واستمرارية الخطط، وانقطاع حبل النهضة في كل مرة.

 

  1. 2. تجريف الخدمة المدنية وإضعاف المؤسسات:

مع تكرار الانقلابات والتقلبات السياسية.

تآكلت حوكمة الدولة وصودرت استقلالية الوظيفة العامة لصالح الصالح العام والمحاباة والولاءات الضيقة.

أُفرغت المؤسسات الوطنية العريقة من كفاءاتها الخبرائية.

فأصيبت مؤسسات الاقتصاد العملاقة، مثل “مشروع الجزيرة”، و”السكة الحديد”، و”سودانير”، بالشلل التدريجي، والتدهور الإداري، والإهمال المتعمد حتى انهارت.

 

  1. 3. نزيف العقول (النزوح الكبير):

تذكر الدراسات والإحصاءات أن نصف الأطباء العرب المهاجرين، وقرابة ربع المهندسين، هاجروا الى الغرب.

وكان السودان في قلب هذا النزيف المؤلم.

في أعوام متقاربة، سُجلت هجرة عشرات الآلاف (أكثر من 50 ألفاً في عام واحد) من الكفاءات السودانية النادرة من أساتذة جامعات، وأطباء، وصيادلة، ومهندسين.

العقول التي بنت بلديات الخليج، وكتبت دساتيره، وأسست مشافيه.

صارت تُبنى بها اقتصادات العالم الغربي والإقليمي.

بينما تقف مؤسسات الوطن عاجزة عن حماية أو استيعاب من تبقى منهم!

 

  1. 4. اتساع الحروب واستنزاف الموارد:

من الحرب الأهلية الأولى في الجنوب، إلى الثانية، إلى حرب دارفور، وصولاً إلى هذه الحرب الكارثية العبثية الراهنة التي دمرت الخرطوم والسودان…

حروبٌ متصلة استنزفت الميزانيات والعقول والأنفس.

بدلاً من توجيه الموارد نحو التعليم والصحة والبنية التحتية والبحث العلمي.

شُحذت الطاقات والميزانيات في أتون اقتتالٍ داخلي عمّق الجراح وقسّم الوجدان الوطني.

 

  1. 5. الفساد وغياب الرؤية الاستراتيجية:

تراجعت سلطة القانون وغابت الشفافية والرقابة.

فتفشى الفساد المالي والإداري في أروقة مؤسسات الدولة.

وارتهنت الدولة للحلول الجزئية الترقيعية والديون الخارجة بدلاً من الاستثمار في مواردها الذاتية الهائلة من زراعة ومياه ومعادن.

حتى فقدت العملة الوطنية سندها المقوم وتهاوى الجنيه إلى قاع سحيق.

 

لماذا انكسرت الخرطوم…

لا لأن أهلها ضعفوا أو قلّت شهامتهم.

فالشعب الذي خرج في أكتوبر 1964م وفي أبريل 1985م وفي ديسمبر 2018م في كل انتفاضة أثبت أن الروح المدنية والحرية لا تموت في وجدانه…

انكسرت لأن من كان يفترض أن يحميها من الداخل ويصون أمنها.

كان في كثيرٍ من الأحيان هو من يُنهكها ويستنزف قواها.

 

 

الخرطوم التي يسكنها أهلها ولو غادروها.

هناك مدنٌ تُغادَر بالأجساد…

وهناك مدنٌ لا تُغادَر أبداً مهما ابتعدت المسافات، والخرطوم من هذا الصنف النادر العجيب.

قد تُغادرها الأجساد قسراً إلى الدوحة، أو لندن، أو الرياض، أو القاهرة…

لكن الذاكرة والقلب يبقيان هناك؛ عالِقَين عند زاوية شارعٍ عتيق لم يتغير اسمه في الخاطر، أو ساربَين تحت ظلال شجرة نيم حنونة تهمس للريح بحديث السنين.

 

شارع الجامعة: مسرح الحب الأول والوعي:

ذلك الشريان الحيوي المترسخ في الوجدان، حيث كان طلاب الوطن يمشون فيه صباحاً يحملون الكتب والدفاتر، وتلتمع في عيونهم طموحاتٌ تتسع للأرض…

لم يكونوا يعلمون حينها أن بعضهم سيحمل بعد سنوات طويلة حقيبة لجوءٍ غريبة في أرض الله الواسعة!

شارع الجامعة… مسرح الحب الأول، والمظاهرة الأولى من أجل الحرية، وصوت نقاشات “المجمع” التي تهز أركان النقاش.

والقهوة التي تُشرب واقفاً على عجل؛ لأن الأحاديث حول الثقافة والسياسة والوطن لا تنتهي.

 

المقرن – جمال النيل والخرطوم بالليل:

تلك النقطة الساحرة الأزلية التي يلتقي فيها النيل الأزرق بدفئه وجريانه الهادر، مع النيل الأبيض بهدوئه ووقاره؛ ليصنعا نيلاً واحداً أزلياً ينساب شمالاً…

كأن الجغرافيا تُعلمنا كل يوم درساً بليغاً في الوحدة والتكامل الذي يجب أن نعيشه كشعبٍ سوداني عظيم.

المقرن حيث المشهد الذي يأخذ الألباب عند الغروب، والنيل الذي ينساب برائحة طينه، وأصوات صياديه في هزيع الفجر الأخير.

والخرطوم بالليل حين يلتف النيل حولها كعقدٍ من اللؤلؤ، لتنعكس أضواء الشوارع والجسور على الأزرق الدفاق كأنها حلمٌ دافئ.

 

نفحات الدعاش ورائحة المطر

أشجار اللبخ والنيم العتيقة… تلك المظلات الطبيعية الخضراء التي حمت أجيالاً متتالية من شمس الخرطوم الحارقة.

لم يكن التجوال أو الجلوس تحتها مجرد استراحة، بل كان طقساً اجتماعياً يلم الشمل وينبت المودة.

وصوت بائع الجرائد بلهجته السودانية المحببة ينادي بعناوين الصحف في الصباح الباكر.

وفنجان “شاي اللبن” على مصاطب البيوت مع تباشير الصباح…

ثم تلك اللحظة الاستثنائية:

رائحة المطر الأولى وهي تصافح تراب الخرطوم الجاف، فتستثير “الدعاش”… تلك “الريحة” والنفحة الزكية، العطر الإلهي الفريد الذي لا يفهمه ولا يشتاق إليه بدموعه إلا من وُلد أو عاش وارتوى من أرض هذا الوطن.

 

دكان اليماني، دكان الحلة، صينية الشارع، زفة المولد، ودفء الأحياء القديمة

حافلات المواصلات.

الأمجادات.

والركشات.

و”الطراحات”…

حيث كانت تجري يومياً أروع صور الشهامة السودانية العفوية؛ في التدافع الصادق لدفع الأجرة عن الغريب والضيف والسائر على قدميه.

و”دكان الحلة” و”دكان اليماني” عند رأس الشارع…

ذاك الذي لم يكن متجراً لشراء اللوازم فحسب، بل كان صندوق بريدٍ اجتماعي، وسجلاً أميناً لأسرار الحارة.

تُقرض فيه الديون والاحتياجات بلا ورقة ولا قلم؛ لأن الثقة والأمان بين الناس هما العملة الأغلى والأنبل.

والأحياء القديمة في أم درمان، وبحري، والخرطوم…

بجدرانها الطينية الدافئة، وصينية الغداء التي تخرج إلى الشارع قبل أن يتذوق منها أهل البيت ليأكل منها العابر والجار.

ونفحات الخبز الساخن التي تنبعث من أفران الحي مع تباشير الصباح لتملأ الأزقة دفئاً وشبعاً…

ثم تلك المساءات والطقوس التي لا تُنسى:

بهجة “زفة المولد الشريف” بأعلامها وصواني سمسميتها وأصوات المدائح التي تهز القلوب.

وروائح العطور السودانية المعتّقة من “خُمرة” و”محلب” و”صندلية” تفوح من البيوت في الاعراس، مع رائحة العود والبخور السوداني تزين المساءات، التي تعبق بها الحيشان الكبيرة، حيث يتجمع الناس في أمانٍ تام ومودةٍ صافية.

وصوت الأذان ينساب بحنيةٍ بين المآذن.

وجلسات الشاي والقهوة مع الجيران في “الحوش” الكبير حيث الأمان التام.

وسكون الأصيل الممتزج بصوت كاسيت ينساب منه صوت أغنية سودانية شجية.

إن الخرطوم ليست مجرد بقعة جغرافية على الخريطة…

هي حالة وجدانية ومكانٌ راسخ في روح الذاكرة السودانية.

ومن يملك هذه الذاكرة الغنية…

يملك وطناً حياً لا يستطيع أحد، مهما بلغت قوته أو سلاحه، أن ينتزعه منه.

 

البكاء الذي لا يريد أن يبكي

كل مرثيةٍ في التاريخ تنتهي عادة بالماضي والتحسر…

لكن هذا المقال لن ينتهي هكذا أبداً!

لأن الخرطوم ليست جثة نندبها ونبكي فوق رأسها.

بل هي جرحٌ ينبض… والجرح الذي ينبض يعني بوضوح أن الجسد ما زال حياً ولم يمت!

نحن لا ننكر الدمعة ولا نكابر…

فمن يكتب عن جنيهٍ كان يوازي أكثر من ثلاث دولارات ثم رآه ينهار أمام عينيه.

ومن يكتب عن جامعةٍ علّمت منطقة بأكملها ثم رأى طلابها يفرّون تحت القصف.

لا يملك إلا أن يبكي الدمّ قبل الدموع.

 

لكن الفرق الجوهري والأكيد:

أننا لا نكتب الدمعة لتبقى دمعةً للاستسلام والكسرة… بل نكتبها لتصير وقوداً للتغيير والإعادة والنهوض!

من صنع ذلك المجد الأول للخرطوم؟

صنعه بشرٌ سودانيون من لحمٍ ودم…

جدودنا وآباؤنا، بأيدٍ عارية وإرادةٍ لا تملك إلا الحلم والتعليم والانضباط.

وإذا كان جيل الاستقلال، قد بنى كل تلك المؤسسات العظيمة من الفراغ والعدم…

فما الذي يمنع جيلاً جديداً يحمل المعرفة، والندوب، والتجربة، وقسوة الدرس، أن يبني مثلها… بل أعتى وأجمل وأبقى؟

 

شواهد التاريخ الإنساني:

التاريخ يصرخ في وجهنا ويُعلمنا أن العواصم العظمى لا تموت بالحروب والدمار وهذه النماذج التاريخية: تؤكد بأن تاريخ الأمم لا ينتهي بالدمار…

  • قرطاج: سُويت بالأرض ودُمّرت حجارتها تماماً في الحروب البونية، وظن الجميع أنها مُحيت من التاريخ، فعادت لتُبعث وتزدهر وتسود المتوسط مرة أخرى.

 

  • أثينا: أحرقها الغزاة الفرس ودمروا معابدها، فاتخذ أهلها من الرماد نقطة انطلاق لبناء عصرهم الذهبي وتشييد “الأكروبوليس” الخالد.

 

  • بغداد: تعرضت عام 1258م لدمارٍ شامل واحتراق لمكتباتها ودماء علمائها على يد المغول، فنفضت الغبار عن وجهها وعادت لتُشرق من جديد.

 

  • طوكيو وهيروشيما (اليابان): تحولتا في أربعينيات القرن الماضي إلى رماد وهيكل خاوٍ تحت وطأة القصف والدمار الشامل، لكن الإرادة اليابانية والانضباط الإنساني أعادا تحويل الرماد إلى معجزة صناعية وتكنولوجية تُبهر العالم اليوم.

 

  • برلين (ألمانيا): دُمّرت بنسبة تجاوزت ثمانين بالمئة، وقُسّمت بالجدران والركام بعد الحرب العالمية الثانية، فقام أبناؤها وبناتها من تحت الأنقاض لبناء اقتصادٍ هو الأقوى في أوروبا وواحدة من أجمل عواصم الفكر والصناعة.

 

  • وارسو (بولندا): صُوّرت بعد الحرب وكأنها محيت تماماً من الخارطة الجغرافية، لكن شعبها أعاد رسم أدق تفاصيل معمارها التاريخي وثقافتها ليُعيدها حية أبهى مما كانت.
  • سيول (كوريا الجنوبية): خرجت من أتون الحرب الكورية في خمسينيات القرن الماضي وهي تصنف ضمن أفقر مجتمعات الأرض، لتبني في عقود قليلة “معجزة نهر هان” وتتحول إلى عاصمة للابتكار والتقنية العالمية.
  • سراييفو (البوسنة والهرسك): عاشت أطول وأعتى حصار ودمار في التاريخ الحديث خلال التسعينيات، لكنها نفضت الغبار وسوّت الجراح لتستعيد رونقها الثقافي والجمالي كجسر للتسامح والحياة.
  • كيغالي (رواندا): خرجت من واحدة من أبشع مآسي إفريقيا في تسعينيات القرن الماضي، بعدما مزّقتها الحرب الأهلية والإبادة الجماعية، لتنهض من الرماد وتعيد بناء مؤسساتها ومدينتها، وتصبح اليوم واحدةً من أكثر العواصم الإفريقية نظافةً وتنظيماً ونمواً.
  • بيروت (لبنان): المدينة التي احترقت وتدمرت مراراً وتكراراً عبر عقودٍ من الحروب والأزمات، وظلت في كل مرة تخرج من بين الركام لتؤكد أنها عصية على الموت والاندثار.

إن هذا الشريط الممتد من كفاح الشعوب يرسل إلينا رسالة واحدة لا غموض فيها: إن المباني تُهدم، والجسور تُدمر، ولكن الأوطان تُبنى بالعقول والإرادة.

والخرطوم التي صدرت للعالم الخبراء والدساتير والأطباء والمبدعين، قادرةٌ بأبنائها اليوم وغداً – متى ما اجتمعت إرادتهم وتوقفت الحرب – أن تتجاوز الركام، وتنفض عن وجهها الجميل غبار الحزن، لتبني خرطوماً أعتى وأجمل وأكثر عدلاً وسلاماً.

وهكذا التاريخ يصرخ في وجهنا ويُعلمنا أن العواصم العظمى لا تموت بالحروب والدمار، وأن الأمة التي تملك العقول والوعي لا تُكسر نهائياً وإن عصف بها الزمان، الخرطوم ليست استثناءً في قدرة المدن على النهوض، حتى إفريقيا نفسها لديها شاهد حي على ذلك.

 

هذه المدن لم تنهض بمعجزة سحرية هبطت من السماء…

بل نهضت لأن الإرادة والوعي الحضاري في أفئدة أبنائها كان أكبر من الدمار والرماد.

والخرطوم ليست بدعاً من مدن التاريخ.

حين تشرق الشموس من جديد

هذه الحرب ستنتهي… وقريباً جداً، كما أسكبتُ في مقالي الأسبق.

نعم، أكررها اليوم بملء الإيمان واليقين: هذه الحرب ستنتهي… وقريباً جداً، طال الزمن أو قصر.

والسودانيون الذين حملوا وطنهم، ومؤسساتهم، وتاريخهم الناصع في حقائبهم عبر المنافي والمهجر… سيعودون حتماً.

يحملون الخبرة، والتجربة، والندوب، وأنهاراً من الأمل؛ ليعيدوا غراسه المشرق في أرضه الطيبة المعطاءة.

تخيّل معي ذلك اليوم المشهود…

  • جامعة الخرطوم تفتح أبوابها الشامخة لتستقبل طلاب إفريقيا والعالم من جديد.
  • السكة الحديد تعود زئير قطاراتها ليربط “الأبيض” بـ “عطبرة”، بـ “بورتسودان”، بـ “واو”.
  • كأس إفريقيا يعود ملوحاً بالنصر إلى أحضان الملاعب السودانية وضجيج مدرجاتها الفرحة.
  • الجنيه السوداني يستعيد كرامته، وهيبته، وقوته الاقتصادية بين العملات.
  • والخرطوم… تستيقظ مرة أخرى عند تباشير الفجر الأول… على صوت المكانس تنظف طرقاتها!

فلا تقل لي بأسفٍ واستسلام يكسر القلب: “كانت الخرطوم…”

بل قل معي برأسٍ مرفوع، وبملء الفم واليقين:

“يمكن أن تكون الخرطوم مرةً أخرى… وستكون!”

 

إن شاء الله…

 

 

ودعونا نستشرق الغد الجميل، لسودان اجمل، ونغني مع سيد خليفة (رحمه الله)…

يا الخرطوم يا اللي عندي جمالك… جنة رضوان.

طول عمري ما شفت مثالك… في أي مكان.

أنا هنا شبيت يا وطني…

زيك ما لقيت يا وطني…

في وجودي أحبك وغيابي…يا وطني يا بلد أحبابي.

يا وطني يا بلد أحبابي… في وجودي أريدك وغيابي.

بتذكر فيك عهد صبايا… على شاطئ النيل.

وحبيبي جالس حدايا… أسمر وجميل.

أنا بفخر بيك يا وطني… بالروح أفديك يا وطني.

يا وطني يا بلد أحبابي… في وجودي أريدك وغيابي.

 

دعاء ورجاء…

اللهم يا من رفعت الخرطوم مكاناً عليّاً، وجعلتها عند ملتقى النيلين سرُّ بركة، ومجداً أزليّاً…

ارفعها اليوم من ملتقى النزف والركام، إلى سماء العزة والتطباب والوئام.

اللهم يا جامِعَ النهرينِ في مجرىً واحدٍ لا يبغيان…

اجمع شمل أهلها وشتات أبنائها في المنافي والشتات، صِلْ أرحاماً فرّقتها الحرب، وأَعِدْ غُرَباءها إلى طينها الحنون.

اللهم أَنْزِل سكينتك على ديارها، وأَعِدْ إلى أحيائها القديمة “رائحة الدعاش” التي تُبرئ الصدور، وعبقُ العطور في الحُوش الكبير، ودفء صينية الشارع، وطمأنينة “دكان الحلة” حين كان الأمانُ هو القبلة والوثيقة.

اللهم أطفئ لظى الفجيعة في قلوب أهلها، وأَسْكِن أزقتها هدوء الفجر الأول، وأَعِدْ لشوارعها صوت المكانس، ولبيوتها زفة المولد، ونفحات الخبز الطازج، ولأرواحنا عزّة الأمس وكرامته.

اللهم اجعل جراحها معبراً لبنائها، وبدّل خوفها أمناً، وظلمتها شروقاً، بجهد أبنائها البررة وإرادتهم التي لا تُكسر.

إنك سميعٌ مجيب الدعاء، وعلى كل شيء قدير.

What do you feel about this?