دكتور صابر أبوسعدية (أفريكا): في البدء .. كانت العبودية: الجذر الخفي للحروب الحديثة «1-3»

1
saber

دكتور صابر أبوسعدية (أفريكا) – المدير التنفيذي لمركز ابنتو للسلام والدراسات الاستراتيجية

يكن مجرد احتلال عسكري، بل مشروعاً لإخضاع الإنسان ثقافياً واقتصادياً.

في المجتمعات الأولى البدائية كان الإنسان يعيش في جماعات صغيرة تعتمد على الصيد وجمع الغذاء، لم تكن العبودية في العصور القديمة قائمة على اللون أو العرق. ففي الحضارتين اليونانية والرومانية، كان العبيد من أصول متعددة: إغريق، شعوب بربرية، سوريون، مصريون، وحتى إيطاليون. كان القانون الروماني يقر بشرعية العبودية، لكنها لم تكن مبنية على أساس عرقي.كان العبد يُعتبر أداة ناطقة ، لكنه كان يشارك سيده في اللغة والدين والثقافة في كثير من الأحيان. إلا أن الحروب بين القبائل أدت إلى ظهور فكرة الأسر، حيث كان المنتصر يقرر مصير المهزومين. ومع تطور المجتمعات الزراعية ظهرت الحاجة إلى العمل الزراعي و بناء المدن و شق القنوات واستخراج المعادن.  وهنا بدأ تحويل الأسرى إلى قوة عمل دائمة.

اعتمدت الحضارة اليوناني والروماني اقتصادياً بصورة كبيرة على العبيد، خاصة في الزراعة و المناجم و البناء، والخدمة المنزلية.  وقد برر الفيلسوف ارسطو Aristotle  العبودية من خلال مفهوم “العبد الطبيعي”، معتبراً أن بعض البشر خُلقوا ليكونوا تابعين لغيرهم.

مع ذلك، لم تخلُ الحضارات القديمة من نزعات تمييزية. في الثقافة الهيلينية، اعتبر اليونانيون أنفسهم متحضرين ووصفوا غيرهم بـ”البرابرة”، وهو مصطلح يعني أصلاً من لا يتكلمون لغتنا . كما شاعت في الحضارتين الرومانية واليونانية تصنيفات عرقية قائمة على اللون، حيث ارتبط اللون الأبيض بالقيم الإيجابية، بينما اقترن الأسود بالموت والجحيم. لكن هذه النزعات لم تتحول بعد إلى نظام شامل. فالتحول الجذري حدث مع الاستعمار الأوروبي وتجارة الرقيق عبر الأطلسي، حيث تحول التمييز إلى أيديولوجيا متكاملة تبرر الاستعباد. و عبر الساحل الشرقى لافريقيا الى الخليج العربى في تلك المرحلة ارتبطت العبودية في العالم الجديد باللون الأسود، أي إنهم – الاوروبين تأخَّروا كثيراً عن العرب الذين ربطوا العبودية باللون الأسود منذ أكثر من ألف وخمسمئة عام، ولعلَّ سيرة عنترة بن شداد كانت وما زالت هي الأكثر شهرة على هذا الصعيد.

لا يحتاج المرء إلى مزيد من الجهد والتقصّي ليدرك أن ثقافة العربية  مليئة بشواهد ازدرائها لذوي البشرة السوداء. حتى في أيامنا، الثقافة العربية لم تكترث بأسباب العبودية، بل اعتبرتها طبيعة شخصية موسومة بصفات وأخلاق مرذولة أصلاً وفصلاً، الأمر الذي يُعتبَر وفق مرجعيات العصر مؤشراً صارخاً على العنصرية، “سوّد الله وجهه.. بيّض الله وجهه”، وفي كلتا الحالتين عنصرية ضد أصحاب البشرة السوداء. سيقول بعضهم إن سواد وبياض الوجه كناية قرآنية (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ)، وأقول إن هذه الكناية تحاكي النظرة العربية الواقعية، فهي مشتقَّة منها لتخاطب أصحابها بلغتهم، وإلا لما كان للكناية من معنى. المتنبي الذي كان يطمح في أن يكون نبياً، والمملوء شعره بالحِكَم، يرى أن العبيد أنجاس مناكيد. إنه نموذج بالغ الدلالة على الثقافة العربية في عصره. والأنكى أن كثيرين ما زالوا يفكرون بهذه العقلية.

شهد العالم مع بداية الاستعمار الأوروبي في القرن الخامس عشر، بدأت شبه جزيرة إيبيريا (البرتغال وإسبانيا) تنظم تجارة الرقيق ضمن سياساتها الاستعمارية. لكن التحول الكبير حدث عندما انتقلت العبودية إلى الأمريكتين، حيث بدأت تأخذ مساراً عنصرياً واضحاً، وأصبحت مقتصرة بالكامل على الأفارقة، لم يكن هذا التحول فورياً، بل فُرض بطريقة تدريجية:

في البداية، حاول الأوروبيون استغلال السكان الأصليين للأمريكتين عبر نظام “العهدة”، الذي أبقى السكان الأصليين في حالة من العمل القسري تحت غطاء “التبشير” (Civilize Mission). لكن السكان الأصليين هلكوا بأعداد كبيرة بسبب الأمراض الأوروبية، مما دفع المستعمرين إلى البحث عن مصدر بديل للعمالة فى أفريقيا .

هكذا، أصبح السود المصدر الرئيسي للعمالة المستعبدة، ومع هذا التحول، تطورت أيديولوجيا عنصرية شاملة تبرر استعبادهم. فقد صيغت نظريات بيولوجية وثقافية ودينية تزعم تفوق الجنس الأبيض، وتحولت هذه النظريات إلى قوانين وممارسات، لم تكن مجرد تمييز فردي، بل نظاماً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً متكاملاً.

تحولت العبودية إلى نظام اقتصادي عالمي يخدم مصالح الرأسمالية الناشئة. كما لعب الاستعمار دور الوسيط الذي وفر الأرض والموارد والعمالة الرخيصة لتحقيق التراكم الرأسمالي. و عليه فلسفة العبودية، هى فلسفة القوة والهيمنة ، قامت العبودية على افتراض أن القوي يمتلك حق السيطرة على الضعيف. وقد شكلت هذه الفكرة الأساس الفلسفي للإمبراطوريات القديمة.مع مرور الزمن، ظهرت تبريرات فكرية فلسفة “الإنسان الأدنى” التى تعتبر بعض الشعوب أقل تحضراً، و أقل إنسانية، أو مخلوقة للخدمة. وقد استخدمت هذه الأفكار لاحقاً لتبرير الاستعمار، و تُعد كواحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في التاريخ الحديث.

في عام 1661، أصدر الإنجليز في بربادوس (الكاريبي) قانوناً شاملاً عرف الأفارقة باعتبارهم “وثنيين” و”متوحشين” لا يمكن أن يُحكموا بالقوانين نفسها التي تحكم المسيحيين . وقد شرع المشرعون في تعريف الأفارقة باعتبارهم من غير البشر، وأنهم شكل من أشكال الملكية يملكها المشترون وورثتهم إلى الأبد. هذا القانون انتشر في جميع أنحاء منطقة البحر الكاريبي، وأصبح نموذجاً للرق في مستعمرات أمريكا الشمالية التي أصبحت فيما بعد الولايات المتحدة .

بهذا، تحولت العبودية من ممارسة اقتصادية إلى نظام قانوني عنصري، جعل الإنسان الأسود “ملكية” وليس إنساناً، وأسس لهذا التصنيف أيديولوجية شاملة من التفوق الأبيض والتمييز المؤسسي.

في هذه الفترة، ظهر ما يسمى بـ “النموذج الآري ” الذي بُني من خلال تجاهل التأثيرات التي تركتها الثقافات السامية والأفريقية على الحضارة اليونانية القديمة، واعتبار الحضارة اليونانية ذاتية المنشأ، والنواة النقية للحضارة الأوروبية.  هذه العملية، التي أطلق عليها مارتن برنال في كتابه “أثينا السوداء” اسم “اختلاق الحضارة اليونانية القديمة” ، هي التي ساعدت في بناء فكرة تفوق الجنس الأبيض، وكل الأحداث التي ترتبت عليها لاحقاً.

لم تختف العنصرية بانتهاء العبودية رسمياً. لقد تحولت، وظهرت في أشكال جديدة أكثر تعقيداً. ما يُعرف اليوم بالعنصرية الحديثة هي تلك الأشكال التي تعبر عن الكراهية والتمييز بطرق خفية وأكثر قبولاً اجتماعياً. في سبعينيات القرن الماضي، طور باحثون أميركيون نظريات لتفسير هذه الظاهرة، التي أصبحت تعرف بأسماء متعددة:

العنصرية المتناقضة: وهى ان يمتلك الفرد مشاعر متناقضة تجاه المجموعة الأخرى: إيجابية في الظروف التي تتطلب ظهار المساواة، وسلبية عندما تتعلق الأمور بقيم العمل والانضباط.

العنصرية الرمزية: هو ان يعبر الشخص عن كراهيته بشكل مستتر، أو يضمنها في اعتقادات تبدو غيرعنصرية، مثل تفسير الفقر بأنه ناتج عن الكسل وليس عن معاملة غير عادلة.

العنصرية الحديثة: تبرير اضطهاد الأقليات باعتبار أنها تهدد الازدهار الاقتصادي وفرص العمل.

العنصرية البغيضة: الشخص يدعم المساواة ظاهرياً، لكن لديه مشاعر سلبية كامنة عند التواصل مع الأقليات ، فيميل إلى تجنب الاختلاط أو الحفاظ على المسافة.

هذه الأشكال الخفية من العنصرية هي الأكثر خطورة، لأنها تجعل الضحية يشك في نفسه: هل أنا ضحية عنصرية أم أن المشكلة فيّ؟

من أبرز آثار تحول العبودية إلى نظام عنصري هو التفاوت الاقتصادي بين الدول والشعوب. فتجارة الرقيق عبر الأطلسي لم تكن مجرد جريمة أخلاقية؛ بل كانت نظاماً اقتصادياً عالمياً قائماً على تحويل البشر إلى سلع، مما أثر في قدرة المجتمعات الأفريقية على التنمية لقرون . وقد وصف الأمين العام للأمم المتحدة هذه الظاهرة بأنها “استخراج جماعي للموارد البشرية”، إذ فقدت المجتمعات الأفريقية أجيالاً كاملة من سكانها.

وهذا التفاوت لم ينتهِ بانتهاء العبودية، بل استمر في أشكال أخرى: فجوة في التعليم، في الصحة، في فرص العمل، وفي الوصول إلى الثروة. لا تزال منطقة البحر الكاريبي، على سبيل المثال، التي كانت في قلب نظام العبيد، تعاني من الفقر المستدام، الأمية، سوء التغذية، والتفاوت الاجتماعي والعرقي الشديد الذي ورثته عن العبودية.( (UN

تحول العبودية إلى نظام عنصري أسس لـ تمييز مؤسسي استمر حتى بعد إلغاء العبودية رسمياً. فقوانين الفصل العنصري في الولايات المتحدة (جيم كرو)، ونظام الأبارتايد في جنوب أفريقيا، هي امتداد مباشر للأيديولوجيا العنصرية التي نشأت لتبرير العبودية. وبينما اختفت هذه الأنظمة صراحةً، بقيت آثارها في التمييز الضمني، والعنصرية المؤسسية، التي ما تزال تؤثر على فرص السود في التعليم، العمل، السكن، والعدالة الجنائية. وحتى النفس البشرية؟ وكيف يمكننا مواجهة العنصرية الحديثة التي ترتدي أقنعة جديدة وتتحدث بلغة جديدة لكن جوهرها واحد: استمرار تقسيم البشر إلى “أعلى” و”أدنى”؟

العنصرية ليست مجرد كراهية شخصية، بل هي نظام معرفي وأيديولوجيا تم بناؤها عبر قرون لتبرير الاستغلال والإبادة. تفكيكها يتطلب وعياً تاريخياً، ونقداً للمؤسسات، وشجاعة لمواجهة الصمت الذي يحيط بهذا الإرث. كما قال أمين متحف “بيت العبيد” في جزيرة غوري، السنغال ” :قصص العبودية يجب أن تروى لكل الأطفال… لأن العبودية لا تخص أفريقيا فقط، إنها تتعلق بالبشرية جمعاء” .

الاعتراف بالجريمة هو الخطوة الأولى نحو العدالة. ولكن كما جاء في منشور حول قضية العبودية في موريتانيا ” :الاعتراف العالمي خطوة مهمة، لكنه لا يكفي… فالعدالة لا تتحقق بالبيانات، بل بالإجراءات” .

What do you feel about this?