دارالسلام وداعة: حين يدعو طرف الحرب إلى الحوار: من يحاور البرهان؟

4
dar

 دارالسلام وداعة

منذ أكثر من ثلاث سنوات والسودان يعيش واحدة من أسوأ مآسيه. مدن دُمرت وأُسر شُردت وملايين نزحوا ولجأوا والآلاف فقدوا حياتهم وثروات نُهبت وما زال صوت الحرب أعلى من صوت العقل.

وفي وسط كل هذا يخرج البرهان ليدعو إلى حوار سوداني شامل.

بصراحة السؤال الذي يجب أن نسأله ليس: هل نحن مع الحوار أم ضده؟

نحن جميعاً نريد الحوار ونريد السلام.

لكن السؤال الحقيقي هو: حين يدعو طرف أصيل في الحرب إلى الحوار من الذي سيحاوره؟ وتحت أي شروط؟ ومن سيحدد من يشارك ومن يُستبعد؟

هذه ليست أسئلة جانبية بل هي جوهر القضية.

لا أحد يمكنه أن يقول إن السودان لا يحتاج إلى حوار. السودان يحتاج إلى حوار حقيقي أكثر من أي وقت مضى. لكن الحوار الذي نحتاجه ليس حواراً تديره سلطة الأمر الواقع من أعلى ولا مؤتمراً يتم فيه اختيار القوى السياسية حسب قربها أو بعدها من السلطة ثم نخرج في النهاية لنقول إننا عقدنا حواراً وطنياً.

الحوار الوطني الحقيقي يجب أن يكون مستقلاً عن أطراف الحرب وأن يشارك فيه السودانيون الذين دفعوا ثمن هذه الحرب وليس فقط السياسيون الذين يبحثون عن مقاعد جديدة حول طاولة السلطة.

وهنا لا بد أن نعود إلى الحقيقة التي يحاول البعض تجاوزها.

البرهان ليس مراقباً للحرب وليس وسيطاً بين طرفين. هو قائد الجيش ورئيس السلطة القائمة في جزء من السودان وليس كله وكان في قلب المشهد السياسي قبل الحرب وخلالها كما كان على رأس السلطة التي انقلبت على المسار الانتقالي في أكتوبر 2021.

أي أنه جزء من الأزمة السياسية التي سبقت الحرب وجزء من المشهد العسكري الذي يدير الحرب اليوم.

لذلك عندما يدعو إلى الحوار لا يمكن التعامل مع الدعوة وكأنها صادرة من وسيط محايد.

هو طرف يدعو بقية الأطراف إلى حوار.

وهنا يبدأ السؤال الحقيقي.

من أهم الأشياء التي يجب أن ننتبه لها في أي حوار سياسي ليست فقط الكلمات التي تقال داخله وإنما من يجلس حول الطاولة ومن يبقى خارجها.

من سيقرر من هي القوى الوطنية؟

من سيقرر من يستحق المشاركة؟

هل ستشارك القوى المدنية المستقلة عن طرفي الحرب؟ وهل هناك أصلاً مساحة حقيقية لقوى مدنية مستقلة في ظل هذا الاستقطاب؟

وهل ستشارك النساء والشباب ولجان المقاومة والنقابات والمجتمعات المحلية؟

هل سيكون للنازحين واللاجئين الذين دفعوا الثمن الأكبر صوت حقيقي؟

أم سنعود مرة أخرى إلى نفس الوجوه السياسية التي ظلت تتبادل السلطة منذ عقود نفس الوجوه ونفس “الوش الواحد”؟

لأن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتم بناء حوار على مقاس السلطة ثم يُطلب من الشعب أن يصدق أن مخرجاته تمثل السودان كله.

الحوار الذي يتم اختيار أطرافه مسبقاً لا يكون حواراً وطنياً بل يكون عملية سياسية مصممة لإنتاج نتيجة محددة.

وهنا نصل إلى السؤال الأكثر حساسية:

لماذا الآن؟

بعد كل هذه السنوات من الحرب لماذا أصبح الحديث عن الحوار ضرورياً الآن؟

هل نحن أمام رغبة حقيقية في إنهاء الحرب؟

أم أمام محاولة لإعادة تقديم السلطة القائمة باعتبارها الطرف الذي يحمل مشروع السلام والدولة بينما يتم وضع كل من يختلف معها في خانة المتمرد أو الخارج عن الدولة؟

هذه نقطة خطيرة جداً.

لأن الدولة شيء والسلطة شيء آخر.

والجيش شيء ومن يقود الجيش شيء آخر.

ولا يجوز أن تتحول الدولة إلى شخص ولا الجيش إلى حزب سياسي ولا الحرب إلى وسيلة لإنتاج شرعية جديدة لشلة تحاول أن تحكم السودان باسم الدولة.

الشرعية لا تأتي من السيطرة على المؤسسات أو من الانتصار في معركة.

الشرعية تأتي من الشعب.

وليس من الضروري أن تكون كل القوى التي ستجلس في الحوار ممثلة للشعب لمجرد أنها قوى سياسية.

والقوى السياسية السودانية اليوم أمام اختبار حقيقي.

المشاركة في أي حوار ليست جريمة كما أن رفض الحوار ليس بطولة في حد ذاته.

السؤال هو: بأي شروط نشارك؟

إذا دخلت القوى المدنية الحوار وهي تعرف مسبقاً أن أجندته محددة وأن المشاركين تم اختيارهم وفقاً لمواقفهم من السلطة وأن الحرب مستمرة وأن لا ضمانات حقيقية لاستقلال العملية فإنها قد تتحول من شريك في صناعة السلام إلى مجرد غطاء مدني لعملية سياسية صنعتها الحرب.

وهنا يجب أن تكون القوى المدنية أكثر حذراً من أي وقت مضى.

لا نحتاج إلى أن نذهب إلى الحوار لكي نثبت أننا مع السلام.

نحن مع السلام.

لكننا نريد سلاماً يعيد السلطة إلى الشعب وليس سلاماً يعيد ترتيب السلطة بين القوى التي تسببت في الأزمة.

لأن المشكلة في السودان ليست فقط في الأشخاص.

المشكلة في طريقة إدارة الدولة نفسها.

دولة يتحكم فيها العسكر وتُستخدم فيها المليشيات وتُدار فيها السياسة عبر القوة ثم يأتي كل طرف في النهاية ليبحث عن شرعية سياسية لما فرضه بالسلاح.

إذا كان الحوار المقترح سيقود إلى هذه النتيجة فما الذي تغير؟

سنكون فقط قد غيرنا أسماء الجالسين حول الطاولة.

لكن النظام نفسه سيبقى.

والسودان لا يحتاج إلى تغيير الوجوه.

السودان يحتاج إلى تغيير قواعد اللعبة.

نحتاج إلى دولة مدنية ديمقراطية وجيش مهني واحد تحت سلطة مدنية ومؤسسات لا تخضع للأشخاص وعدالة لا يتم التنازل عنها كلما احتاج السياسيون إلى تسوية.

أنا مع الحوار.

لكنني ضد أن يتحول الحوار إلى أداة لإعادة إنتاج شرعية السلطة.

أنا مع السلام.

لكنني ضد سلام يطلب من الضحايا أن ينسوا ما حدث دون عدالة.

أنا مع مشاركة القوى السياسية.

لكنني ضد أن تختار السلطة وحدها من هو الوطني ومن هو غير الوطني.

وأنا مع أن يجلس السودانيون معاً.

لكن السؤال سيظل قائماً:

من يحاور البرهان؟

هل يحاور السودانيين فعلاً؟

أم يحاور القوى التي يمكن أن تمنحه شرعية سياسية جديدة؟

هل يريد أن يسمع صوت الشعب؟

أم يريد أن يصنع حواراً يستطيع من خلاله أن يقول للعالم: أنا الدولة وأنا من يملك مفاتيح الحل؟

هذه هي الأسئلة التي يجب أن تسبق أي حديث عن الحوار.

لأن السودان ليس ملكاً للبرهان وليس ملكاً لأي حزب أو حركة أو قوة مسلحة.

السودان ملك لشعبه.

والحوار الذي لا يعيد هذا الحق إلى الشعب مهما كان عدد المشاركين فيه ومهما كانت فخامة القاعة لن يكون حواراً من أجل السودان.

سيكون فقط حواراً حول من يملك السودان بعد الحرب.

What do you feel about this?