دكتور الوليد مادبو: لا مفر من التقاء حميدتي والبرهان
دكتور الوليد آدم مادبو
لفت نظري مقال الدكتور محمد عيسى عليو، «الأولوية إيقاف الحرب»، لأنه وضع الإصبع على موضع الألم: لا معنى لأي حديث جاد عن مستقبل السودان ما دامت الحرب مستمرة، ولا جدوى من الانشغال بتوزيع الأدوار والمقاعد السياسية بينما تتسع رقعة الخراب كل يوم. وقد أصاب، في تقديري، حين جعل وقف الحرب سابقاً على أي حوار سياسي أوسع، وحين لم يرَ في لقاء البرهان وحميدتي أمراً مستحيلاً لمجرد أن الخصومة بين الرجلين بلغت ما بلغت.
ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى منبر جدة بصورة أكثر إنصافاً. فقد أُخذ عليه أنه كان ثنائياً ولم يشمل منذ البداية القوى المدنية والحركات المسلحة، وهو نقد مفهوم إذا كان المنبر يراد له أن يكون مؤتمراً لتقرير مستقبل السودان. أما إذا كان المقصود منه إيقاف الحرب، فإن الثنائية لم تكن عيباً بالضرورة، بل كانت أقرب إلى مقتضى الواقع. فالذين يحملون السلاح ويملكون قرار إيقافه هم الذين ينبغي أن تبدأ بهم عملية التفاوض.
وكانت جدة قد أرست، رغم إخفاقها في الوصول إلى وقف دائم للنار، بعض المبادئ التي يمكن البناء عليها: الاعتراف بالطرفين كفاعلين تفاوضيين، حماية المدنيين، ضمان الوصول الإنساني، وربط المسار السياسي بوقف الأعمال العدائية. وكان يمكن، بل ما يزال يمكن، أن تتحول هذه البداية الضيقة إلى مسار مرحلي يتوسع مع كل خطوة ثقة، بدلاً من محاولة حشد جميع الأطراف منذ اللحظة الأولى.
وهنا تصبح أدبيات العلوم السياسية أكثر فائدة من السجال السياسي اليومي. فقد صاغ وليام زارتمان (William Zartman) ما عُرف بـ**«نظرية النضج» (Ripeness Theory)**، ومركزها أن الأطراف لا تدخل عادة في مفاوضات جادة لمجرد طول أمد الحرب، وإنما عندما يصل الصراع إلى ما سماه «الجمود المؤلم المتبادل» (Mutually Hurting Stalemate)؛ أي حين يدرك كل طرف أن مواصلة القتال لن تقوده إلى الحسم الذي ينشده، وأن كلفة الاستمرار أصبحت أكبر من كلفة الجلوس إلى الطاولة.
وليس المقصود بالجمود هنا مجرد التعادل العسكري؛ فقد يتقدم طرف ميدانياً ويتراجع آخر، لكن يظل العاجز عن تحويل الانتصارات التكتيكية إلى حسم سياسي مستقر أسير حرب الاستنزاف. عندها تبدأ حسابات القوة نفسها في دفع الأطراف نحو التفاوض.
غير أن النضج لا يجيب وحده عن سؤال: من يجلس إلى الطاولة؟ وهنا يأتي مفهوم جورج تسيبيليس (George Tsebelis) عن «لاعبي الفيتو» (Veto Players)، أي أولئك الذين يملكون القدرة الفعلية على منع أي تسوية أو تعطيلها. وفي النزاعات المسلحة تكون المسألة أكثر وضوحاً: الطرف الذي يستطيع إفشال الاتفاق بالقوة لا يمكن تجاوزه بمجرد أن تمثيله السياسي غير مرغوب فيه. وهذا لا يمنحه بالضرورة شرعية أخلاقية أو تفويضاً سياسياً، وإنما يعني أن قدرته الواقعية يجب أن تدخل في حساب تصميم السلام.
ويتقاطع ذلك مع مفهوم «الاتفاق النخبوي» (Elite Pact) في أدبيات التحول الديمقراطي عند غييرمو أودونيل (Guillermo O’Donnell) وفيليب شميتر (Philippe C. Schmitter)، حيث تبدأ بعض التحولات الكبرى بتفاهم محدود بين حائزي القوة الفعلية، ثم تتوسع لاحقاً لتصبح أكثر شمولاً. فالاتفاق الأول ليس هو الاتفاق النهائي، وإنما هو نقطة العبور من العنف إلى السياسة. ويضيف ستيفن ستيدمان (Stephen Stedman) إلى ذلك مفهوم «مشكلة المفسدين» (Spoiler Problem): فعملية السلام التي تستبعد طرفاً مسلحاً قادراً على تخريبها تظل عرضة للانهيار، مهما كانت جودة نصوصها ومهما اتسعت دائرة الموقعين عليها.
هذه المفاهيم الثلاثة أو الأربعة، على اختلاف منطلقاتها، تلتقي في حقيقة واحدة: لا يمكن بناء السلام بالقفز فوق مراكز القوة التي تستطيع استمرار الحرب، كما لا يجوز أن تتحول تلك المراكز نفسها إلى أصحاب الحق الحصري في صياغة المستقبل. لذلك يبدأ التفاوض بمن يستطيع إيقاف العنف، ثم يتسع ليشمل من يملك حق المشاركة في بناء ما بعد الحرب.
والتجارب المقارنة تؤكد هذا المنطق دون أن تقدم وصفة واحدة قابلة للاستنساخ. ففي جنوب أفريقيا، جاء التفاوض بين فريدريك دي كليرك ونيلسون مانديلا عندما استنفد النظام القديم قدرته على إنتاج حل بالقوة، بينما لم تكن حركة التحرر قادرة على تحقيق انتقال شامل بالسلاح؛ فكان التفاوض مخرجاً من توازن مأزوم، انتهى إلى التحول الديمقراطي وانتخابات 1994.
وفي أيرلندا الشمالية، لم يكن اتفاق الجمعة العظيمة عام 1998 نتيجة انتصار عسكري للجيش الجمهوري الإيرلندي أو استسلام التيار الوحدوي، وإنما نتيجة إدراك أن ثلاثة عقود من العنف لم تمنح أياً من الطرفين ما يريده كاملاً، مع دور حاسم للضمانات البريطانية والإيرلندية والأمريكية.
وفي كولومبيا، احتاجت الحكومة و«فارك» إلى أكثر من نصف قرن من الاستنزاف قبل أن يصبح واضحاً أن أياً منهما لن يحقق النصر الذي ينهي الحرب، فجاء اتفاق 2016 ليحوّل الصراع من الميدان إلى السياسة.
وفي البوسنة، جمع اتفاق دايتون عام 1995 قادة الأطراف المتحاربة، ميلوشيفيتش وتودجمان وعلي عزت بيغوفيتش، بعد أن صار استمرار الحرب تهديداً لتفكك الدولة والمجتمع، مع ضغط أمريكي ودولي حاسم. وفي موزمبيق، أنهى اتفاق روما عام 1992 حرباً أهلية استمرت ستة عشر عاماً، فتحولت «رينامو» من حركة متمردة إلى حزب سياسي بعدما استحال الحسم العسكري.
وفي ليبيريا، جاء اتفاق أكرا عام 2003 بعد أن استنزفت الحرب الفصائل المتحاربة ودمرت الدولة، ولعبت «إيكواس» دوراً مهماً في دفعها نحو التسوية. أما إثيوبيا، فقد قدمت في اتفاق بريتوريا عام 2022 نموذجاً أفريقياً حديثاً: فبعد حرب دموية بين الحكومة الفيدرالية وجبهة تحرير تيغراي، أصبح استمرار القتال أكثر كلفة من التسوية، خصوصاً مع ما بات يهدد وحدة الدولة نفسها.
وليس القاسم المشترك بين هذه الحالات أن ظروفها متطابقة، وإنما أن الحسم العسكري لم يكن قادراً على إنتاج نهاية سياسية مستقرة. وحين أدرك المتحاربون ذلك، انتقلت المعركة من سؤال «من يهزم من؟» إلى سؤال «كيف نخرج جميعاً من الحرب؟». وفي بعض هذه الحالات كان الاتفاق الأول ضيقاً، ثم اتسع؛ وفي بعضها لعبت القوى الخارجية دور الضامن؛ وفي بعضها تحولت الحركات المسلحة إلى أحزاب سياسية. لكن أياً منها لم يبدأ بمحاولة حل كل قضايا الدولة دفعة واحدة قبل إطفاء الحريق.
وهذا هو الدرس الأهم للسودان. فلقاء حميدتي والبرهان لا ينبغي أن يُفهم بوصفه تسوية سياسية نهائية، ولا باعتباره تفويضاً للرجلين لتقرير مستقبل البلاد؛ إنما هو خطوة أولى تفرضها طبيعة الحرب نفسها. فهما لا يمثلان السودان كله، لكنهما يمثلان مركزَي القوة اللذين لا يمكن تجاهلهما في مسألة وقف القتال. وبعد أن تُثبت الهدنة قدرتها على الصمود، وتُفتح الممرات الإنسانية، وتبدأ إجراءات بناء الثقة، يصبح توسيع الطاولة أمراً طبيعياً وضرورياً، فتدخل القوى المدنية والحركات المسلحة والمكونات الاجتماعية المختلفة في صياغة النظام السياسي الذي يلي الحرب.
فالترتيب هنا ليس تفصيلاً إجرائياً. إنه جوهر المسألة. لا يمكن أن نطلب من القوى السياسية أن تتفق على شكل الدولة بينما لا تزال القوى المسلحة تتقاتل على الأرض، كما لا ينبغي أن نسمح لمن يملك السلاح بأن يحوّل قدرته على إيقاف الحرب إلى حق دائم في حكم البلاد. المرحلة الأولى عسكرية في موضوعها، لكنها سياسية في غايتها؛ والمرحلة التالية سياسية في موضوعها، ولا يمكن أن تبدأ إلا إذا نجحت الأولى.
لقد آن للسودانيين أن يخرجوا من وهم أن الحرب لا تنتهي إلا بانتصار كامل لطرف وهزيمة كاملة للآخر. فبعض الحروب لا تنتهي لأن أحداً انتصر، وإنما لأن الجميع اكتشفوا أن مواصلتها ستجعل من الانتصار نفسه بلا معنى. وحين تتجاوز كلفة الحرب حدود الاحتمال، يصبح التفاوض أقل مرارة من استمرارها، ويصبح الجلوس مع الخصم أقل كلفة من دفن الوطن معه.
لهذا فإن السؤال لم يعد ما إذا كان ينبغي لحميدتي والبرهان أن يلتقيا، وإنما متى يدركان أن اللقاء أقل خطراً من استمرار الحرب. فالسلاح قد يغيّر موازين القوة، لكنه لا يستطيع وحده أن يصنع تسوية، وقد يكسب أرضاً ولا يكسب دولة. وعندما يعجز السلاح عن إنتاج النهاية، لا يبقى أمام السياسة إلا أن تبدأ من حيث انتهت البندقية.
لا مفر من التقاء حميدتي والبرهان؛ ليس لأنهما يملكان السودان، وإنما لأنهما يملكان، في هذه اللحظة، جزءاً من مفاتيح إنقاذه
