نجم الدين دريسة: حزب الأمة بين قداسة التاريخ وجرأة المستقبل
نجم الدين دريسة
وردتني عقب نشر مقالي السابق حول حزب الأمة بين ذاكرة النضال وأسئلة السودان الجديد ردود عديدة ومداخلات ثرية من أحباب ورفاق وكوادر من أجيال مختلفة وكلها جديرة بأن أشاركها معكم لا لأنها جاءت مؤيدة لما كتبت فحسب وإنما لأنها كشفت أن المقال طرق بابا ظل مواربا زمنا طويلا وأن الأسئلة التي أثارها ليست هواجس كاتب أو مجموعة محدودة وإنما أسئلة حقيقية تتردد داخل قطاعات واسعة من أبناء حزب الأمة وقواعده وكوادره وتنتظر نقاشا شجاعا يخرج بها من دائرة الهمس إلى فضاء الحوار العام
ومن بين هذه المداخلات ما كتبه الحبيب جمعة حراز من مدينة الضعين وما أثاره الحبيبان مزمل رابح وعماد جدو وما أضافه الحبيب عمسيب عوض إلى جانب مداخلات أخرى عديدة لا يتسع المجال لذكرها جميعا وقد اختلفت زوايا النظر وتنوعت القراءات لكن اللافت أنها التقت عند حقيقة واحدة وهي أن حزب الأمة أمام أسئلة أكبر من مجرد استعادة الماضي وأن ذاكرة النضال ينبغي أن تكون مدخلا لإعادة بناء المستقبل لا ملاذا للهروب منه
ولعل مداخلة الحبيب جمعة حراز من أكثر المداخلات دلالة حين اقترح تحويل الحديث عن الحركة الطلابية الأنصارية في تسعينيات القرن الماضي إلى مشروع توثيق متكامل يجمع شهادات أبناء تلك المرحلة ويوثق أسماء القيادات والكوادر والندوات والمواقف والأحداث ويحفظ الصحف والمنشورات والصور والتسجيلات والوثائق بل ويستوعب الشهادات النقدية والمخالفة وهذا اقتراح يتجاوز التوثيق بمعناه التقليدي إلى تأسيس ذاكرة مؤسسية للحزب لأن التاريخ الذي لا يوثق يصبح ملكا للرواية الفردية وقد تتحول الوقائع مع مرور الزمن إلى أساطير متنافسة بينما التاريخ الموثق يظل ملكا للأجيال
أما مزمل رابح وعماد جدو فقد دفعا النقاش إلى مساحة أخرى مهمة حين أكدا أن تجربة النضال لم تكن ملكا حصريا لجيل التسعينيات وأن أجيال الألفية وما بعدها واصلت المقاومة داخل الجامعات وخارجها وتحملت الاعتقالات والفصل والملاحقة والتضييق وحافظت على جذوة العمل السياسي حتى وصلت إلى ثورة ديسمبر وهذه الإضافة في غاية الأهمية لأنها تضع حدا لمحاولة تحويل التاريخ إلى منصة لتتويج جيل وإسقاط أجيال أخرى فالتاريخ السياسي الحقيقي ليس بطولة فردية ولا ملكية حصرية لجماعة وإنما سلسلة متصلة من التضحيات تتوارثها الأجيال وتضيف إليها وتتعلم من أخطائها
وجاءت مداخلة الحبيب عمسيب عوض لتؤكد أن قراءة مسيرة حزب الأمة لا ينبغي أن تتوقف عند التسعينيات وإنما يجب أن تمتد إلى السنوات اللاحقة بما شهدته من نضالات طلابية وشبابية واستمرار للعمل في ظروف بالغة التعقيد وأحيانا وسط ضعف الإمكانات وغياب الإسناد التنظيمي والمعنوي وهذه الشهادة تفتح الباب أمام سؤال أكثر عمقا هل نحن بحاجة إلى إعادة كتابة تاريخ الحزب أم إلى إعادة قراءته وفي تقديري نحن بحاجة إلى الاثنين معا لأن بعض الصفحات لم توثق بما يكفي وبعض الصفحات الأخرى تحتاج إلى قراءة نقدية لا تخضع لسطوة التقديس أو الانتقاء
والحقيقة التي كشفتها هذه المداخلات جميعا أن أزمة حزب الأمة لا يمكن اختزالها في أزمة أجيال ولا في خلاف حول أشخاص ولا في استعادة ذكرى مرحلة بعينها الأزمة أعمق من ذلك إنها أزمة مؤسسة وآليات قرار وترتيب أولويات وإدارة للطاقات فالحزب لا يفتقر إلى الشباب لكنه يحتاج إلى تمكينهم ولا يفتقر إلى الكفاءات لكنه يحتاج إلى فتح الطريق أمامها ولا يفتقر إلى الجماهير لكنه يحتاج إلى تحويل هذه الجماهير إلى قوة سياسية منظمة قادرة على التأثير وصناعة القرار
وهنا ينبغي أن نكون أكثر صراحة إذا كان الحزب يملك طاقات هائلة ثم لا يستطيع تحويلها إلى فعل سياسي فالمشكلة ليست في الطاقات وإنما في الطريقة التي تدار بها وإذا كانت الأجيال الجديدة تقف خارج دوائر التأثير بينما تستمر دوائر القرار مغلقة أو ضيقة فإن الخلل ليس في الشباب وإنما في المؤسسة التي لم تجد بعد الصيغة المناسبة لدمجهم وإذا كانت الكفاءات موجودة ثم لا تجد طريقها إلى مواقع صناعة القرار فإن السؤال الحقيقي ليس أين ذهبت الكفاءات بل لماذا لم تجد المؤسسة طريقا إليها
ليس المطلوب أن يحل جيل محل جيل ولا أن يتحول التجديد إلى معركة إقصاء وإنما المطلوب بناء معادلة جديدة تتكامل فيها الخبرة مع الطاقة والتجربة مع الجرأة والحكمة مع الطموح والتاريخ مع المستقبل فالخبرة ينبغي أن تكون مرشدا لا وصيا والشباب ينبغي أن يكونوا شركاء لا مجرد جنود والقيادة ينبغي أن تكون مسؤولية لا امتيازا أبديا والمؤسسة ينبغي أن تكون أقوى من الأشخاص
وهنا تكمن واحدة من أخطر القضايا التي ينبغي ألا نهرب منها إن الشرعية التاريخية مهما عظمت لا تكفي وحدها لصناعة المستقبل تاريخ حزب الأمة رصيد ضخم لا خلاف عليه وإرثه الوطني والأنصاري والنضالي جزء أصيل من الذاكرة السودانية لكن التاريخ لا يمنح شيكا مفتوحا للأبد كل جيل مطالب بأن يثبت قدرته على الإضافة وكل مؤسسة مطالبة بأن تجدد شرعيتها بالإنجاز وكل قيادة مطالبة بأن تجعل من موقعها جسرا للمستقبل لا حاجزا أمامه
إنني لا أرى في الدعوة إلى التجديد انتقاصا من جيل سابق كما لا أرى في النقد خيانة للتاريخ العكس هو الصحيح أخطر ما يمكن أن نفعله بتاريخ حزب الأمة هو أن نحوله إلى شيء مقدس لا يجوز الاقتراب منه التاريخ العظيم لا يخاف النقد والمؤسسات الواثقة لا تخشى الأسئلة والقيادات التي تؤمن بالمستقبل لا ترى في الشباب منافسين وإنما تراهم امتدادا طبيعيا لتجربتها
ومن هنا فإن الربط بين الموروث والحاضر يصبح مسألة مركزية حزب الأمة لا يحتاج إلى أن يتخلى عن إرثه الأنصاري أو تاريخه الوطني حتى يصبح حديثا كما لا يحتاج إلى أن يظل أسير مفردات الماضي حتى يثبت أصالته المطلوب هو الجمع بين الأصالة والحداثة أن نحفظ الجذور دون أن نحولها إلى قيود وأن نستوعب العصر دون أن نفقد هويتنا فالأصالة التي لا تتجدد تتحول إلى جمود والحداثة التي بلا جذور تتحول إلى اغتراب
وفي هذا السياق فإن ما أشار إليه بعض الأحباب حول مشاركة أبناء من حزب الأمة في تحالف تأسيس وما ارتبط بذلك من مساهمة في صياغة ميثاق التأسيس والدستور السوداني لسنة 2025 يستحق أن يكون جزءا من النقاش الفكري والسياسي الواسع حول مستقبل الحزب يمكن أن نختلف حول التجربة أو نتفق معها لكن لا ينبغي تجاهلها لأن السياسة الحية لا تخاف من التجارب الجديدة وإنما تدرسها وتناقشها وتستخلص منها ما يمكن أن يفيد مشروع الدولة السودانية
إن السودان الذي خرج من الحرب ليس هو السودان الذي دخلها والسودانيون الذين عاشوا هذه السنوات القاسية ليسوا هم ذات المجتمع الذي كانت تخاطبه الأحزاب التقليدية قبل عقود تبدلت الأسئلة وتغيرت الأولويات وبرزت أجيال جديدة وأصبحت قضايا الهوية والعدالة التاريخية والمواطنة واللامركزية والسلام وإعادة بناء الدولة والحوكمة الرشيدة في قلب المشهد ولذلك فإن حزب الأمة يحتاج إلى خطاب سياسي جديد لا يقطع مع تاريخه لكنه يخاطب السودان الذي يتشكل الآن
ولهذا أعتقد أن الردود التي وصلتني بعد المقال صنعت شيئا أكبر من مجرد نقاش حول مقال لقد أكدت أن هناك عطشا حقيقيا للحوار وأن هناك كوادر تريد أن تتحدث وتراجع وتقترح وأن هناك أجيالا لا تطلب إسقاط التاريخ وإنما تطلب حقها في المشاركة في صناعة المستقبل وهذه رسالة لا ينبغي أن تمر بلا استجابة
لذلك سأواصل الطرق على هذا الباب لا رغبة في خصومة مع أحد ولا سعيا إلى تصفية حسابات مع جيل أو قيادة وإنما لأنني أعتقد أن حزب الأمة يستحق أكثر مما هو عليه الآن وأن جماهيره العريضة تستحق مؤسسة سياسية تليق بتاريخها وتضحياتها وأحلامها إن الغاية ليست هدم الحزب وإنما تحرير طاقاته وليست محو الذاكرة وإنما تحويلها إلى قوة وليست مصادرة أدوار السابقين وإنما فتح الطريق أمام اللاحقين
لقد آن الأوان أن ننتقل من سؤال من صنع الماضي إلى سؤال من سيصنع المستقبل ومن سؤال من يستحق الموقع إلى سؤال أي مؤسسة نريد ومن حماية المواقع إلى حماية الحزب ومن إدارة الأجيال إلى دمجها ومن الاحتفاء بالتاريخ إلى إنتاج تاريخ جديد
إن حزب الأمة لن يخسر من النقد الصادق ولن يضعف من الحوار الجاد ولن يفقد هيبته إذا راجع تجربته الذي يمكن أن يخسره حقا هو أن يظل صامتا بينما يتغير السودان من حوله وأن يكتفي بشرعية الماضي بينما يبحث المجتمع عن قوى سياسية تمتلك إجابات للمستقبل
إن الوفاء لتاريخ حزب الأمة لا يكون بتحنيطه وإنما بإعادة إنتاج قدرته على الفعل واحترام الأجيال السابقة لا يعني مصادرة حق الأجيال الجديدة والحفاظ على الحزب لا يعني الحفاظ على كل شيء فيه فهناك ما ينبغي أن نحفظه لأنه عظيم وهناك ما ينبغي أن نراجعه لأن الزمن تجاوزه وهناك ما ينبغي أن نغادره بشجاعة إذا أصبح عائقا أمام المستقبل
وهذه ليست دعوة لهدم حزب الأمة وإنما دعوة لإنقاذ إمكاناته من الجمود وليست دعوة لمحو الذاكرة وإنما لتحويلها إلى مشروع وليست معركة بين الشيوخ والشباب وإنما معركة من أجل مؤسسة يتسع فيها المكان للجميع
لقد بدأت المداخلات نقاشا أراه أكبر من مقال وأعمق من خلاف عابر وأهم من سجال بين أجيال وأحسب أن من واجبنا أن نستمر في هذا النقاش حتى يبلغ مداه لأن السودان نفسه يقف أمام إعادة تشكيل تاريخية وحزب الأمة إذا أراد أن يكون جزءا من صناعة هذا المستقبل فعليه أن يعيد بناء أدواته وخطابه ومؤسساته
فالمطلوب ليس حزب أمة يعيش على ما كان وإنما حزب أمة يعرف ماذا يريد أن يكون حزب قومي جامع يستوعب كل شعوب السودان وتنوعها وديمقراطي حديث يستند إلى إرثه ولا يسجن نفسه داخله ومؤسسي يجعل الكفاءة معيارا والانتخاب طريقا والمساءلة قاعدة وقادر على حمل راية السلام والعدالة والديمقراطية والهوية الوطنية الجامعة
ذلك هو الرهان الحقيقي
