نجم الدين دريسة: حزب الأمة بين قداسة التاريخ وجرأة المستقبل

3
deresa

نجم الدين دريسة

وردتني عقب نشر مقالي السابق حول حزب الأمة بين ذاكرة النضال وأسئلة السودان الجديد ردود عديدة ومداخلات ثرية من أحباب ورفاق وكوادر من أجيال مختلفة وكلها جديرة بأن أشاركها معكم لا لأنها جاءت مؤيدة لما كتبت فحسب وإنما لأنها كشفت أن المقال طرق بابا ظل مواربا زمنا طويلا وأن الأسئلة التي أثارها ليست هواجس كاتب أو مجموعة محدودة وإنما أسئلة حقيقية تتردد داخل قطاعات واسعة من أبناء حزب الأمة وقواعده وكوادره وتنتظر نقاشا شجاعا يخرج بها من دائرة الهمس إلى فضاء الحوار العام

ومن بين هذه المداخلات ما كتبه الحبيب جمعة حراز من مدينة الضعين وما أثاره الحبيبان مزمل رابح وعماد جدو وما أضافه الحبيب عمسيب عوض إلى جانب مداخلات أخرى عديدة لا يتسع المجال لذكرها جميعا وقد اختلفت زوايا النظر وتنوعت القراءات لكن اللافت أنها التقت عند حقيقة واحدة وهي أن حزب الأمة أمام أسئلة أكبر من مجرد استعادة الماضي وأن ذاكرة النضال ينبغي أن تكون مدخلا لإعادة بناء المستقبل لا ملاذا للهروب منه

ولعل مداخلة الحبيب جمعة حراز من أكثر المداخلات دلالة حين اقترح تحويل الحديث عن الحركة الطلابية الأنصارية في تسعينيات القرن الماضي إلى مشروع توثيق متكامل يجمع شهادات أبناء تلك المرحلة ويوثق أسماء القيادات والكوادر والندوات والمواقف والأحداث ويحفظ الصحف والمنشورات والصور والتسجيلات والوثائق بل ويستوعب الشهادات النقدية والمخالفة وهذا اقتراح يتجاوز التوثيق بمعناه التقليدي إلى تأسيس ذاكرة مؤسسية للحزب لأن التاريخ الذي لا يوثق يصبح ملكا للرواية الفردية وقد تتحول الوقائع مع مرور الزمن إلى أساطير متنافسة بينما التاريخ الموثق يظل ملكا للأجيال

أما مزمل رابح وعماد جدو فقد دفعا النقاش إلى مساحة أخرى مهمة حين أكدا أن تجربة النضال لم تكن ملكا حصريا لجيل التسعينيات وأن أجيال الألفية وما بعدها واصلت المقاومة داخل الجامعات وخارجها وتحملت الاعتقالات والفصل والملاحقة والتضييق وحافظت على جذوة العمل السياسي حتى وصلت إلى ثورة ديسمبر وهذه الإضافة في غاية الأهمية لأنها تضع حدا لمحاولة تحويل التاريخ إلى منصة لتتويج جيل وإسقاط أجيال أخرى فالتاريخ السياسي الحقيقي ليس بطولة فردية ولا ملكية حصرية لجماعة وإنما سلسلة متصلة من التضحيات تتوارثها الأجيال وتضيف إليها وتتعلم من أخطائها

وجاءت مداخلة الحبيب عمسيب عوض لتؤكد أن قراءة مسيرة حزب الأمة لا ينبغي أن تتوقف عند التسعينيات وإنما يجب أن تمتد إلى السنوات اللاحقة بما شهدته من نضالات طلابية وشبابية واستمرار للعمل في ظروف بالغة التعقيد وأحيانا وسط ضعف الإمكانات وغياب الإسناد التنظيمي والمعنوي وهذه الشهادة تفتح الباب أمام سؤال أكثر عمقا هل نحن بحاجة إلى إعادة كتابة تاريخ الحزب أم إلى إعادة قراءته وفي تقديري نحن بحاجة إلى الاثنين معا لأن بعض الصفحات لم توثق بما يكفي وبعض الصفحات الأخرى تحتاج إلى قراءة نقدية لا تخضع لسطوة التقديس أو الانتقاء

والحقيقة التي كشفتها هذه المداخلات جميعا أن أزمة حزب الأمة لا يمكن اختزالها في أزمة أجيال ولا في خلاف حول أشخاص ولا في استعادة ذكرى مرحلة بعينها الأزمة أعمق من ذلك إنها أزمة مؤسسة وآليات قرار وترتيب أولويات وإدارة للطاقات فالحزب لا يفتقر إلى الشباب لكنه يحتاج إلى تمكينهم ولا يفتقر إلى الكفاءات لكنه يحتاج إلى فتح الطريق أمامها ولا يفتقر إلى الجماهير لكنه يحتاج إلى تحويل هذه الجماهير إلى قوة سياسية منظمة قادرة على التأثير وصناعة القرار

وهنا ينبغي أن نكون أكثر صراحة إذا كان الحزب يملك طاقات هائلة ثم لا يستطيع تحويلها إلى فعل سياسي فالمشكلة ليست في الطاقات وإنما في الطريقة التي تدار بها وإذا كانت الأجيال الجديدة تقف خارج دوائر التأثير بينما تستمر دوائر القرار مغلقة أو ضيقة فإن الخلل ليس في الشباب وإنما في المؤسسة التي لم تجد بعد الصيغة المناسبة لدمجهم وإذا كانت الكفاءات موجودة ثم لا تجد طريقها إلى مواقع صناعة القرار فإن السؤال الحقيقي ليس أين ذهبت الكفاءات بل لماذا لم تجد المؤسسة طريقا إليها

ليس المطلوب أن يحل جيل محل جيل ولا أن يتحول التجديد إلى معركة إقصاء وإنما المطلوب بناء معادلة جديدة تتكامل فيها الخبرة مع الطاقة والتجربة مع الجرأة والحكمة مع الطموح والتاريخ مع المستقبل فالخبرة ينبغي أن تكون مرشدا لا وصيا والشباب ينبغي أن يكونوا شركاء لا مجرد جنود والقيادة ينبغي أن تكون مسؤولية لا امتيازا أبديا والمؤسسة ينبغي أن تكون أقوى من الأشخاص

وهنا تكمن واحدة من أخطر القضايا التي ينبغي ألا نهرب منها إن الشرعية التاريخية مهما عظمت لا تكفي وحدها لصناعة المستقبل تاريخ حزب الأمة رصيد ضخم لا خلاف عليه وإرثه الوطني والأنصاري والنضالي جزء أصيل من الذاكرة السودانية لكن التاريخ لا يمنح شيكا مفتوحا للأبد كل جيل مطالب بأن يثبت قدرته على الإضافة وكل مؤسسة مطالبة بأن تجدد شرعيتها بالإنجاز وكل قيادة مطالبة بأن تجعل من موقعها جسرا للمستقبل لا حاجزا أمامه

إنني لا أرى في الدعوة إلى التجديد انتقاصا من جيل سابق كما لا أرى في النقد خيانة للتاريخ العكس هو الصحيح أخطر ما يمكن أن نفعله بتاريخ حزب الأمة هو أن نحوله إلى شيء مقدس لا يجوز الاقتراب منه التاريخ العظيم لا يخاف النقد والمؤسسات الواثقة لا تخشى الأسئلة والقيادات التي تؤمن بالمستقبل لا ترى في الشباب منافسين وإنما تراهم امتدادا طبيعيا لتجربتها

ومن هنا فإن الربط بين الموروث والحاضر يصبح مسألة مركزية حزب الأمة لا يحتاج إلى أن يتخلى عن إرثه الأنصاري أو تاريخه الوطني حتى يصبح حديثا كما لا يحتاج إلى أن يظل أسير مفردات الماضي حتى يثبت أصالته المطلوب هو الجمع بين الأصالة والحداثة أن نحفظ الجذور دون أن نحولها إلى قيود وأن نستوعب العصر دون أن نفقد هويتنا فالأصالة التي لا تتجدد تتحول إلى جمود والحداثة التي بلا جذور تتحول إلى اغتراب

وفي هذا السياق فإن ما أشار إليه بعض الأحباب حول مشاركة أبناء من حزب الأمة في تحالف تأسيس وما ارتبط بذلك من مساهمة في صياغة ميثاق التأسيس والدستور السوداني لسنة 2025 يستحق أن يكون جزءا من النقاش الفكري والسياسي الواسع حول مستقبل الحزب يمكن أن نختلف حول التجربة أو نتفق معها لكن لا ينبغي تجاهلها لأن السياسة الحية لا تخاف من التجارب الجديدة وإنما تدرسها وتناقشها وتستخلص منها ما يمكن أن يفيد مشروع الدولة السودانية

إن السودان الذي خرج من الحرب ليس هو السودان الذي دخلها والسودانيون الذين عاشوا هذه السنوات القاسية ليسوا هم ذات المجتمع الذي كانت تخاطبه الأحزاب التقليدية قبل عقود تبدلت الأسئلة وتغيرت الأولويات وبرزت أجيال جديدة وأصبحت قضايا الهوية والعدالة التاريخية والمواطنة واللامركزية والسلام وإعادة بناء الدولة والحوكمة الرشيدة في قلب المشهد ولذلك فإن حزب الأمة يحتاج إلى خطاب سياسي جديد لا يقطع مع تاريخه لكنه يخاطب السودان الذي يتشكل الآن

ولهذا أعتقد أن الردود التي وصلتني بعد المقال صنعت شيئا أكبر من مجرد نقاش حول مقال لقد أكدت أن هناك عطشا حقيقيا للحوار وأن هناك كوادر تريد أن تتحدث وتراجع وتقترح وأن هناك أجيالا لا تطلب إسقاط التاريخ وإنما تطلب حقها في المشاركة في صناعة المستقبل وهذه رسالة لا ينبغي أن تمر بلا استجابة

لذلك سأواصل الطرق على هذا الباب لا رغبة في خصومة مع أحد ولا سعيا إلى تصفية حسابات مع جيل أو قيادة وإنما لأنني أعتقد أن حزب الأمة يستحق أكثر مما هو عليه الآن وأن جماهيره العريضة تستحق مؤسسة سياسية تليق بتاريخها وتضحياتها وأحلامها إن الغاية ليست هدم الحزب وإنما تحرير طاقاته وليست محو الذاكرة وإنما تحويلها إلى قوة وليست مصادرة أدوار السابقين وإنما فتح الطريق أمام اللاحقين

لقد آن الأوان أن ننتقل من سؤال من صنع الماضي إلى سؤال من سيصنع المستقبل ومن سؤال من يستحق الموقع إلى سؤال أي مؤسسة نريد ومن حماية المواقع إلى حماية الحزب ومن إدارة الأجيال إلى دمجها ومن الاحتفاء بالتاريخ إلى إنتاج تاريخ جديد

إن حزب الأمة لن يخسر من النقد الصادق ولن يضعف من الحوار الجاد ولن يفقد هيبته إذا راجع تجربته الذي يمكن أن يخسره حقا هو أن يظل صامتا بينما يتغير السودان من حوله وأن يكتفي بشرعية الماضي بينما يبحث المجتمع عن قوى سياسية تمتلك إجابات للمستقبل

إن الوفاء لتاريخ حزب الأمة لا يكون بتحنيطه وإنما بإعادة إنتاج قدرته على الفعل واحترام الأجيال السابقة لا يعني مصادرة حق الأجيال الجديدة والحفاظ على الحزب لا يعني الحفاظ على كل شيء فيه فهناك ما ينبغي أن نحفظه لأنه عظيم وهناك ما ينبغي أن نراجعه لأن الزمن تجاوزه وهناك ما ينبغي أن نغادره بشجاعة إذا أصبح عائقا أمام المستقبل

وهذه ليست دعوة لهدم حزب الأمة وإنما دعوة لإنقاذ إمكاناته من الجمود وليست دعوة لمحو الذاكرة وإنما لتحويلها إلى مشروع وليست معركة بين الشيوخ والشباب وإنما معركة من أجل مؤسسة يتسع فيها المكان للجميع

لقد بدأت المداخلات نقاشا أراه أكبر من مقال وأعمق من خلاف عابر وأهم من سجال بين أجيال وأحسب أن من واجبنا أن نستمر في هذا النقاش حتى يبلغ مداه لأن السودان نفسه يقف أمام إعادة تشكيل تاريخية وحزب الأمة إذا أراد أن يكون جزءا من صناعة هذا المستقبل فعليه أن يعيد بناء أدواته وخطابه ومؤسساته

فالمطلوب ليس حزب أمة يعيش على ما كان وإنما حزب أمة يعرف ماذا يريد أن يكون حزب قومي جامع يستوعب كل شعوب السودان وتنوعها وديمقراطي حديث يستند إلى إرثه ولا يسجن نفسه داخله ومؤسسي يجعل الكفاءة معيارا والانتخاب طريقا والمساءلة قاعدة وقادر على حمل راية السلام والعدالة والديمقراطية والهوية الوطنية الجامعة

ذلك هو الرهان الحقيقي

What do you feel about this?