نجم الدين دريسة: «حين تفشل الدولة في إدارة الاختلاف يتحول التنوع من ثروة إلى صراع»

1
deresa

نجم الدين دريسة

هناك حقائق لا تحتاج إلى لجنة تحقيق ولا إلى مؤتمر دولي ولا إلى خطبة سياسية كي تثبت وجودها والحقيقة السودانية تقف أمامنا اليوم عارية كالشمس تقول إن الحرب ليست قدرا مكتوبا على هذا الشعب وإن المأساة لم تولد يوم اندلعت المعارك وإنما ولدت يوم فشلت الدولة في أن تكون دولة للجميع ويوم تحول التنوع من ثروة وطنية إلى ذريعة للهيمنة والإقصاء والصراع

المشكلة السودانية أعمق من أسماء الذين يحملون السلاح وأكبر من حدود المعركة الراهنة فالحرب الحالية ليست سوى الانفجار الأعنف لتراكم تاريخي من اختلال السلطة والثروة ومن مركزية خانقة ومن عجز سياسي مزمن عن إدارة التعدد ومن تحويل الدولة إلى غنيمة تتنافس عليها النخب بينما بقيت قطاعات واسعة من السودانيين خارج دائرة التأثير الحقيقي وكأن المواطنة امتياز يمنح ولا حق يولد مع الإنسان

لقد ظل السودان يبدل الحكومات ولا يبدل القاعدة التي تنتج الحكومات ويغير الوجوه ولا يغير الطريقة التي تصنع بها السلطة ويخرج من انقلاب ليدخل في أزمة ثم من أزمة إلى انقلاب وكأن التاريخ يدور في دائرة مغلقة ولذلك فإن السؤال الذي يجب أن يسبق كل الأسئلة ليس من يحكم السودان وإنما كيف يحكم السودان لأن تغيير الحاكم دون تغيير قواعد الحكم ليس سوى تأجيل جديد للانفجار

السودان ليس دولة بسيطة يمكن أن تدار بعقلية المركز الواحد ولا مجتمعا متجانسا يمكن أن تفرض عليه رؤية واحدة فهو وطن بالغ التعقيد متعدد القوميات والثقافات واللغات والأديان والذاكرات والجغرافيا وهذا التنوع ليس عيبا في بنية الدولة وإنما هو جوهرها الحقيقي لكن المأساة أننا تعاملنا مع الاختلاف باعتباره تهديدا بينما كان يمكن أن نجعله أعظم مصدر للقوة والتكامل والثراء الحضاري والاقتصادي

حين يشعر إقليم بأن ثروته لا تعود إليه وحين يشعر مجتمع بأن صوته لا يصل إلى مركز القرار وحين يعتقد مواطن أن مستقبله تحدده هويته الجغرافية أو الإثنية فإن الوحدة الوطنية تصبح شعارا بلا مضمون والوطن يتحول من مساحة مشتركة إلى ساحة تنازع ولذلك فإن العدالة ليست ترفا سياسيا ولا مطلبا أخلاقيا مؤجلا وإنما هي البنية التحتية الحقيقية لوحدة السودان واستقراره وسلامه

من هنا يصبح تأسيس نظام فدرالي ديمقراطي قائما على دستور دائم ضرورة تستحق أعمق نقاش وطني لا باعتباره وصفة أجنبية ولا تقليدا لتجارب الآخرين وإنما باعتباره محاولة لإدارة الحقيقة السودانية كما هي فالأقاليم تحتاج إلى سلطة حقيقية وموارد حقيقية ومسؤوليات حقيقية بينما تحتاج الدولة القومية إلى مؤسسات قوية تحفظ السيادة والدستور والحقوق والمصالح المشتركة دون أن تبتلع الأقاليم أو تصادر إرادتها

الفدرالية التي نحتاجها ليست مجرد تغيير أسماء الولايات ولا توزيع بعض المكاتب الحكومية خارج العاصمة وإنما إعادة صياغة كاملة لعلاقة المركز بالأقاليم ولعلاقة المواطن بالدولة بحيث تصبح التنمية حقا لا منحة والسلطة شراكة لا امتيازا والثروة ملكا عاما لا غنيمة سياسية ويصبح المواطن في دارفور وكردفان والشرق والشمال والوسط شريكا في صناعة السودان لا متلقيا لقرارات تصنع بعيدا عنه

لكن الدولة لا تنهار بالسلاح وحده وإنما تنهار أيضا بالكلمات التي تسبق السلاح فخطاب الكراهية حين يصور جماعة سودانية باعتبارها أقل قيمة أو أقل وطنية أو أكثر خطرا من غيرها فإنه لا ينتج مجرد خصومة لفظية وإنما يصنع المناخ النفسي الذي يجعل العنف مقبولا ويحول الإنسان المختلف إلى هدف ولذلك فإن مقاومة العنصرية ليست معركة أخلاقية فقط وإنما معركة مباشرة ضد أسباب الحرب

لمصلحة من يموت السودانيون ولمصلحة من يتحول اختلافنا إلى كراهية ولمصلحة من تتحول القبيلة إلى متراس والجغرافيا إلى تهمة واللون إلى قضية والهوية إلى سلاح ولمصلحة من تنزف البلاد بينما يجلس آخرون بعيدين عن الموت يحسبون مكاسبهم من رماد الوطن إن هذه الأسئلة ليست بلاغة سياسية وإنما هي أسئلة وجودية ينبغي أن تطارد الضمير السوداني حتى يصبح استمرار الحرب أكثر كلفة من إنهائها

السودان واحد من أكثر البلدان امتلاكا لمقومات النهوض من الأرض الزراعية الواسعة إلى المياه والمراعي والثروة الحيوانية والمعادن والطاقة والموقع الجغرافي والثروة البشرية ومع ذلك يعيش الملايين الفقر والمرض والجوع والنزوح وهذه ليست مفارقة طبيعية وإنما فضيحة سياسية واقتصادية كاملة لقد أصيب السودان بما يمكن تسميته لعنة الموارد حيث أصبحت الثروة سببا للصراع بدلا من أن تكون طريقا إلى بناء الإنسان والدولة والمستقبل

المأساة ليست أن السودان يفتقر إلى الموارد وإنما أنه افتقر إلى الدولة التي تحول الموارد إلى حياة ولذلك فإن سودان ما بعد الحرب لا ينبغي أن يكون مجرد سودان أقل عنفا وإنما سودان أكثر إنتاجا وعدالة ومعرفة نحتاج إلى زراعة حديثة وثروة حيوانية تدخل الصناعة ونظام تعليمي يصنع العقول وجامعات تنتج المعرفة ومراكز أبحاث تمول بسخاء وبنية تحتية تبنى بعقل الأجيال لا بعقل الصفقات

وفي هذا السياق ينبغي النظر إلى تجربة رواندا بعين الباحث لا بعين المقلد فالدرس ليس في نسخ تجربة بلد آخر وإنما في إدراك أن المجتمعات الخارجة من الكوارث تستطيع أن تعيد بناء الدولة حين تمتلك الإرادة السياسية وتضع المصالحة والعدالة والانضباط المؤسسي وإعادة بناء الثقة في قلب مشروعها الوطني والسودان يستطيع أن يصنع تجربته الخاصة إذا امتلك شجاعة التعلم من الآخرين دون أن يفقد خصوصيته وسيادته

السلام الذي يحتاجه السودان ليس مجرد اتفاق يوقف إطلاق النار ثم يترك الأسباب التي أشعلته قائمة تحت الرماد فالسلام الحقيقي هو الذي يعيد تعريف علاقة المواطن بالدولة ويضع حدا لعسكرة السياسة ويمنع احتكار السلطة ويؤسس للعدالة ويغلق أبواب التمييز ويمنح الأقاليم حقها ويعيد بناء المؤسسات على قاعدة المواطنة وحدها وعندها فقط يصبح الصمت الذي يلي الحرب بداية للحياة لا مجرد استراحة بين حربين

ولا يمكن للسودان أن يبني مستقبله بعقلية الاعتماد على الآخرين فالمجتمع الدولي يستطيع أن يساعد ويمكن للأصدقاء أن يدعموا ويمكن للدول أن تستثمر لكن لا أحد يستطيع أن يبني وطنا نيابة عن أهله وكلما ازداد اعتماد الدولة على الخارج في تحديد خياراتها تراجعت قدرتها على صناعة مستقبلها المطلوب علاقات دولية متوازنة تحفظ المصالح الوطنية وتستفيد من العالم دون أن تتحول إلى ارتهان فكري أو اقتصادي

إن أخطر خطأ يمكن أن يرتكبه السودانيون بعد كل هذا الدم هو أن يعيدوا بناء السودان بالعقل الذي أنتج أزماته فإذا خرجنا من الحرب إلى المركزية نفسها والعنصرية نفسها وعسكرة السياسة نفسها واحتكار الثروة نفسه وخطاب الكراهية نفسه فإننا لم نخرج من الحرب وإنما نقلناها من الميدان إلى المستقبل ولهذا فإن معركة ما بعد الحرب يجب أن تكون معركة تغيير القواعد التي جعلت الحرب ممكنة في الأصل

السودان لا يحتاج إلى بطل جديد يفرض نفسه على الجميع ولا إلى زعيم آخر يختصر الدولة في شخصه ولا إلى نخبة جديدة تتوارث امتيازات النخب القديمة السودان يحتاج إلى عقد وطني يجعل المواطنة أساس الحقوق والديمقراطية أساس الشرعية والفدرالية أساس إدارة التنوع والقانون فوق الجميع والجيش مؤسسة وطنية تحمي الدولة ولا تحكمها والثروة وسيلة لبناء المجتمع والعلم طريقا إلى القوة والاختلاف حقا لا جريمة

لقد حمل السودانيون الماء فوق ظهورهم ثم ماتوا عطشا وامتلكوا الأرض ثم فقدوا الأمن وامتلكوا الموارد ثم عاشوا الفقر وامتلكوا التنوع ثم حولوه إلى خصومة وامتلكوا وطنا قادرا على النهوض ثم سمحوا لصراعات السلطة أن تستنزفه وهذه ليست لعنة قدرية وإنما نتيجة خيارات بشرية ويمكن للخيارات البشرية نفسها أن تصنع طريقا آخر إذا امتلك السودانيون أخيرا شجاعة الاعتراف بأن استمرار الخطأ ليس قدرا

آن الأوان أن نتوقف عن السؤال عمن سينتصر في الحرب وأن نبدأ السؤال الأصعب عمن سينتصر على أسبابها لأن انتصار طرف على طرف لن يمنح السودان مستقبلا آمنا إذا بقيت جذور الأزمة حية أما الانتصار الحقيقي فهو أن نبني دولة لا يحتاج فيها المواطن إلى قبيلته كي تحميه ولا إلى بندقية كي تسمع صوته ولا إلى مركز كي تعترف الدولة بوجوده دولة يشعر فيها الجميع أن السودان وطنهم وأن الوطن ليس ملكا لأحد

الحق أبلج كالشمس والسودان يعرف الحقيقة لكنه ظل يخاف من نتائج الاعتراف بها والحقيقة أن لا جماعة تستطيع ابتلاع السودان ولا إقليم يستطيع بناء مستقبله وحده ولا بندقية تستطيع صناعة دولة مستقرة ولا كراهية تستطيع إنتاج وطن موحد الطريق الوحيد هو دولة جديدة تتسع للجميع وتمنح الجميع نصيبهم العادل من السلطة والثروة والكرامة وتفتح الباب أمام جيل لا يرث حروبنا بل يرث وطنا يستحق أن يعيش فيه

ذلك هو الرهان الحقيقي للسودان أن يتحول من بلد يملك كل أسباب الحياة ثم يقتل أبناءه بعضهم بعضا إلى دولة تستثمر مواردها في الإنسان ومن مجتمع أنهكته الكراهية إلى مجتمع يجعل التنوع قوة ومن دولة استهلكتها الصراعات إلى دولة تصنع المعرفة والإنتاج ومن وطن ظل يبحث عن مخرج من أزماته إلى وطن يصنع مستقبله بيديه وعندها فقط نستطيع أن نقول إن الحرب انتهت لأن السودان نفسه يكون قد بدأ من جديد.

What do you feel about this?