ashraf

أشرف عبدالعزيز

تضع التصريحات الأخيرة لوزير الدفاع السوداني، الفريق حسن كبرون، الوعي السياسي للرأي العام أمام سلسلة من التناقضات الهيكلية التي تحاول إعادة صياغة التاريخ القريب للبلاد بصورة تتنصل من المسؤولية المباشرة للمؤسسة العسكرية.

ينطلق الوزير في حديثه من مقولة إن قوات الدعم السريع هي مجرد مليشيا أنشأها حزب المؤتمر الوطني، متبنيًا منطقًا يتغافل بوضوح عن طبيعة الدولة العميقة وهيكلية السلطة التي كان هو شخصيًا جزءًا من تراتبيتها العسكرية.

إن الحديث عن الدعم السريع كمنتج حزبي معزول يُغفل حقيقة أن رئيس الجمهورية آنذاك، المشير عمر البشير، كان يحمل صفة القائد العام للجيش ورئيس اللجنة الأمنية، وهو من منح هذه القوات غطاءها الشرعي ووصفها صراحة بـ”المخزون الاستراتيجي”. علاوة على ذلك، فإن مرحلة ما بعد إسقاط البشير شهدت تمددًا غير مسبوق لهذه القوات برعاية مباشرة وتنسيق كامل مع قيادة الجيش الحالية، وهي الشراكة التي وثقتها تصريحات متكررة للقيادة العسكرية أشادت بأهمية الدعم السريع ودوره الحيوي قبل أن تنقلب التوازنات وتندلع الحرب.

تتجلى هذه المفارقة بشكل أكبر عند إسقاط نفس هذا المنطق على الوضع الميداني الراهن وتشكيل “كتيبة البراء بن مالك” والمجموعات الجهادية الأخرى مثل “البرق الخاطف” و”البنيان المرصوص”، وكتيبة العمل الخاص. فإذا كانت هذه الكتائب قد أُنشئت ورُعيت لوجستيًا وسياسيًا من قبل عناصر المؤتمر الوطني، فإنها اليوم تعمل ميدانيًا تحت مظلة “المقاومة الشعبية” وبإشراف مباشر وميداني من الجيش السوداني.

إن فرض العقوبات الدولية على هذه التشكيلات يضع المؤسسة العسكرية أمام نفس المأزق التاريخي؛ فهل سيخرج الخطاب الرسمي مستقبلًا ليتنصل منها بحجة أنها وليدة المؤتمر الوطني، أم سيعترف بشرعيتها كمقاومة شعبية حليفة؟

إن محاولة الفصل بين العسكري والسياسي في هذه التحالفات الميدانية تبدو تكتيكًا مؤقتًا لتفادي الضغوط، لكنه يفتقر إلى الاتساق المنطقي.

وعلى الصعيد السياسي والتفاوضي، ينطوي وصف التعامل مع الدعم السريع كطرف متكافئ بأنه “ألعاب سياسية” على القفز فوق واقع المباحثات الرسمية التي خاضها الجيش نفسه. أين كان هذا الموقف الحاسم خلال جولات مفاوضات جدة واجتماعات المنامة التي جرت بين الطرفين بتمثيل عسكري رفيع؟

إن الجلوس على طاولة المفاوضات والتوقيع على إعلان المبادئ يمثل إقرارًا واقعيًا وسياسيًا بطرفية النزاع، ومحاولة إنكار ذلك اليوم تُظهر الخطاب السياسي للجيش وكأنه يعيد إنتاج موقفه وفقًا للظروف الميدانية والضغط الإعلامي، وليس بناءً على استراتيجية تفاوضية ثابتة.

أما عن حديث الوزير بثقة عن إمكانية تعديل “اتفاق جوبا للسلام”، فهو يعكس تجاهلًا للمآلات التاريخية التي أدت إليها محاولات المساس بالاتفاقيات المبرمة في السودان. فلقد أثبتت التجربة السياسية السودانية أن النقض المنفرد أو التعديل غير التوافقي لمواثيق السلام كان دومًا الشعلة التي تعيد إشعال الحروب الأهلية وتزيد من تمزيق النسيج الوطني.

ومع ذلك، ينكشف القصد الأساسي من تصريحات الوزير في كشف التأييد الضمني لمخرجات “الحوار السوداني ـ السوداني” المرتقب، وتحديد أطر شكل الحكم القادم. بل إن الحديث عن عدم رفض الجيش للديمقراطية، بشرط ألا تتجاوز الأحزاب أربعة تنظيمات، يمثل تدخلًا صريحًا في هندسة الحياة السياسية وتحديد شكل الممارسة الديمقراطية، وهو ما يتناقض مع فكرة التحول المدني الحر، ويتجاوز الدور المهني المفترض للمؤسسة العسكرية في حماية الحدود والدستور، لا صياغة القوانين الحزبية.

What do you feel about this?