deresa

نجم الدين دريسة

ثمة لحظات ينكشف فيها السياسي أمام تاريخه أكثر مما ينكشف أمام خصومه وحين يصبح الماضي شاهدا على الحاضر لا يعود تغيير المواقع كافيا لمحو التناقض ولا تبديل المواقع قادرا على إعادة صياغة الذاكرة العامة وفي هذه المنطقة تحديدا يقف مالك عقار اليوم أمام مأزق سياسي بالغ الوضوح مأزق لا تصنعه المعارضة ولا تفتعله الخصومة وإنما تصنعه الفجوة الواسعة بين ما قاله بالأمس وما يردده اليوم

قبل نحو شهر ونصف خرج عقار بمبادرة سياسية قدمها بوصفها محاولة لفتح نافذة في جدار الحرب وصياغة مخرج للأزمة السودانية وكان يفترض بمن يطرح مثل هذه المبادرة أن يدافع عنها أو يشرح أسباب التخلي عنها أو يعلن بوضوح أن الوقائع قد تغيرت وأن الموقف السابق لم يعد صالحا لكن الرجل اختار الطريق الأسهل انتقل من لغة المبادرة إلى لغة الحسم وكأن السياسة عنده ليست التزاما فكريا ولا مسؤولية أمام الرأي العام وإنما مجرد عبارات تتبدل بتبدل اللحظة ومقتضيات الموقع

المشكلة هنا ليست أن يغير السياسي موقفه فالتغيير في السياسة ليس عيبا حين يكون ثمرة قراءة جديدة للوقائع وإنما العيب أن يتغير الموقف دون تفسير وأن تهدم الفكرة القديمة دون الاعتراف بأنها كانت مطروحة وأن يتحول صاحب المبادرة إلى أحد أكثر المتحمسين للحسم دون أن يقدم للسودانيين إجابة واحدة مقنعة عن السؤال البسيط ماذا حدث بين المبادرة والحسم

الأكثر إثارة أن عقار يتحدث اليوم بلهجة الوصي على الدولة ووحدتها ومؤسساتها وكأن الدولة اكتشاف حديث في تجربته السياسية بينما التاريخ لا يمنح أحدا رفاهية انتقاء صفحاته والرجل الذي حمل السلاح في مواجهة الدولة لسنوات طويلة لا يملك أن يطلب من السودانيين محو تلك المرحلة من الذاكرة لمجرد أنه انتقل من موقع المعارضة المسلحة إلى مقعد في السلطة

ليست المشكلة في أن يراجع الإنسان مواقفه السابقة بل إن المراجعة فضيلة سياسية وأخلاقية ولكن المراجعة الحقيقية تبدأ بالاعتراف وتنتهي بالتفسير أما أن يتحول التاريخ إلى عبء لا يذكر إلا حين يخدم الخطاب الجديد فذلك ليس مراجعة وإنما إعادة تدوير للمواقف وفق مقتضيات السلطة

ثم تأتي نغمة الحسم العسكري لتكشف هشاشة الخطاب أكثر مما تكشف قوة الموقف فالحروب لا تنتصر عليها اللغة العالية ولا تحسمها الرغبات السياسية ولا تتغير خرائط النفوذ بمجرد إعلان الانتصار مسبقا والواقع السوداني أكثر تعقيدا من أن يختزل في خطاب تعبوي أو وعد عسكري فالميدان متحرك والوقائع تتبدل وموازين القوة ليست نصا ثابتا يمكن قراءته بالطريقة نفسها كل يوم

والأشد دلالة أن قوات تأسيس تحقق اختراقات واسعة وتوسع حضورها في مناطق متعددة من النيل الأزرق بينما يأتي خطاب عقار محملا بيقين سياسي لا يبدو أن الوقائع تسنده وهنا تصبح الفجوة بين الخطاب والحقيقة أكبر من أن تغطيها البلاغة فحين يتحدث السياسي عن واقع لا يطابق ما يجري على الأرض تتحول اللغة من أداة لفهم الواقع إلى وسيلة للهروب منه

وهذه واحدة من أقدم علل السياسة السودانية حين تتراجع القدرة على تقديم الإنجاز ترتفع جرعة الخطاب وحين تضيق مساحة الفعل تتسع مساحة الادعاء وحين تعجز السلطة عن إنتاج إجابات حقيقية تنتج بدلا منها شعارات أكثر صخبا ولذلك فإن لغة الحسم التي تتردد اليوم لا تبدو في جوهرها تعبيرا عن فائض ثقة بقدر ما تبدو محاولة لتعويض عجز سياسي متراكم

عقار الذي يفترض أن يكون صاحب رؤية مستقلة يبدو في كثير من تصريحاته وكأنه يكرر الصدى الرسمي أكثر مما ينتج موقفا خاصا به وكأن المسافة بينه وبين خطاب البرهان قد ضاقت إلى الحد الذي لم يعد معه ممكنا التمييز بين صاحب الموقف ومن يردد الموقف

وهنا تحديدا يبرز المثل السوداني الأطرش في الزفة لا باعتباره مجرد سخرية شعبية وإنما بوصفه توصيفا سياسيا لحالة رجل يتحرك في اتجاه بينما يتقدم الواقع في اتجاه آخر ثم يصر على أن صوته هو الحقيقة

إن السياسي الذي لا يراجع خطابه حين تتغير الوقائع يتحول مع الوقت إلى أسير لخطابه والسياسي الذي لا يفسر انتقاله من المبادرة إلى الحسم يفقد ثقة الناس والسياسي الذي يختزل الدولة في سلطة قائمة لا يكون قد فهم الدولة وإنما فهم السلطة فقط

فالدولة التي يتحدث عنها عقار ليست قصرا ولا مجلسا سياديا ولا موقعا تنفيذيا ولا سلطة عسكرية الدولة أوسع من الأشخاص وأبقى من الحكومات وأعمق من المواقع الدولة قانون ومؤسسات ومواطنة وعدالة وجيش مهني وسلطة مدنية وانتخابات ومحاسبة ومن يختزل الدولة في أدوات القوة إنما يحول مفهوم الدولة إلى غطاء سياسي للسلطة القائمة

ومن هنا فإن السؤال الذي يجب أن يواجه عقار نفسه قبل أن يواجه به الآخرين هو ماذا بقي من مبادرته السياسية وما الذي جعله ينتقل بهذه السرعة من خطاب البحث عن مخرج سياسي إلى خطاب الحسم العسكري وهل تغيرت طبيعة الحرب أم تغير موقعه داخل السلطة وهل تغيرت قناعاته أم تغيرت حاجته إلى الخطاب

هذه ليست أسئلة خصوم وإنما أسئلة سياسية مشروعة لا يستطيع رجل يشغل موقعا بهذا الحجم أن يتجاوزها

والأخطر من ذلك أن الحديث عن الحسم لا ينتهي عند سؤال كيف تنتهي الحرب بل يبدأ منه سؤال اليوم التالي من يحكم السودان بعد الحسم وبأي شرعية وكيف يعاد بناء الدولة وكيف تعاد المؤسسات إلى دورها الطبيعي وكيف يعاد الجيش إلى مهنيته وكيف تمنع البلاد من إنتاج حرب جديدة بعد أن تنتهي الحرب الحالية

فالحسم العسكري مهما كان شكله لا يصبح مشروعا سياسيا بمجرد إعلانه والانتصار في معركة لا يعني بالضرورة الانتصار في معركة بناء الدولة وقد تكون أعقد معارك السودان هي تلك التي تبدأ بعد توقف البنادق

ولعل ما طرحه أحمد علي في نقد النخب السودانية يلامس جانبا مهما من هذه المعضلة فالمشكلة ليست فقط في تبدل الوجوه وإنما في استمرار العقلية التي ترى الوطن من نافذة الموقع السياسي وحين يصبح الكرسي هو مركز التفكير تتحول الدولة إلى ملحق بالسلطة ويتحول الشعب إلى جمهور ينتظر خطابات جديدة من أشخاص قديمة

السودان لا يحتاج إلى سياسي يبدل مواقفه أسرع مما تتبدل الوقائع ولا إلى خطاب يستمد قوته من ارتفاع النبرة ولا إلى شعارات وطنية تستخدم لتغطية عجز سياسي السودان يحتاج إلى رجال دولة يعرفون أن الاعتراف بالواقع شجاعة وأن الحوار ليس ضعفا وأن السلام ليس هزيمة وأن التراجع عن الخطأ فضيلة وأن الموقف السياسي مسؤولية لا جملة عابرة

عقار بحاجة اليوم إلى مراجعة أعمق من مجرد إطلاق تصريحات جديدة بحاجة إلى أن يواجه الأسئلة التي تركتها مبادرته السابقة وأن يفسر للسودانيين لماذا انتقل منها إلى خطاب الحسم وأن يقدم رؤية لما بعد الحرب لا مجرد أمنية لانتصار عسكري

أما أن يواصل إطلاق الأحاديث بلا عواهنها عبر قناة الجزيرة وأن ينتقل من خطاب إلى خطاب ومن مبادرة إلى نقيضها دون تفسير ودون مراجعة ودون مشروع واضح فهذا لا يصنع رجل دولة وإنما يصنع صورة أخرى من صور الأزمة السياسية التي أرهقت السودان

لقد سئم السودانيون من السياسي الذي يتحدث عن الدولة حين تكون الدولة مقعدا ومن الوطن حين يكون الوطن سلطة ومن الحسم حين يصبح الحسم شعارا ومن السلام حين يكون السلام وسيلة للخطاب

والحقيقة التي ينبغي أن يدركها عقار قبل غيره أن الجعجعة لا تهزم الوقائع وأن الصراخ لا يصنع مشروعا وأن كثرة الحديث لا تمنح صاحبه بالضرورة قوة سياسية

السياسة في لحظات الأزمات الكبرى ليست مسابقة في رفع الصوت وإنما امتحان في الشجاعة والوضوح والقدرة على مواجهة الحقيقة

وحين ينهار الموقف لا تنقذه البلاغة وحين تضيق الرؤية لا توسعها كثرة التصريحات وحين يصبح السياسي عاجزا عن تفسير انتقالاته فإن أكثر ما يحتاج إليه ليس خطابا جديدا وإنما مراجعة صادقة لموقفه كله.

What do you feel about this?