أحمد عثمان جبريل: حرب السودان تتجه للإقليمية.. من يشعل الإقليم؟

3
ahmed

أحمد عثمان جبريل:

❝حين تعبر الحرب حدودها.. لا تعود ملكاً لمن أشعلها، ولا تعرف النار وطناً حين تجد حطباً جديداً.❞

تقول الحكاية التي ترويها كتب التاريخ:” إن أوروبا عاشت في القرن السابع عشر حرباً بدأت شرارتها من صراع ديني وسياسي في بوهيميا، ثم خرجت النار من موقدها الأول، ودخلت فيها ممالك وإمبراطوريات، لكل واحدة حساباتها ومصالحها وتحالفاتها. ومع كل طرف جديد، اتسعت الحرب، وتبدلت أسبابها، حتى صار الصراع الذي بدأ محلياً حرباً أوروبية طويلة، وأصبح إطفاء النار أصعب من إشعالها”.

تلك ليست حكاية أوروبا وحدها.. إنها حكاية الحرب حين تغادر حدودها.

(1)

السودان يقف اليوم أمام لحظة لا يجوز المرور عليها كخبر عابر. فبحسب الرواية التشادية، قصفت طائرات ومسيّرات مرتبطة بالجيش السوداني رتلاً داخل الأراضي التشادية في إقليم إنيدي الشرقي، على عمق يتجاوز مئة كيلومتر من الحدود. ويقول السودان إن ما استُهدف كان إمدادات وتحركات للدعم السريع.. وبين الروايتين تقف الحقيقة الأخطر:” الحرب السودانية لامست أرض دولة أخرى، والاتحاد الأفريقي حذّر من أن يمتد النزاع خارج حدود السودان”.

(2)

هنا السؤال الذي يجب ألا يضيع في دخان المعركة: “إذا كان الجيش السوداني قد رصد خطوط إمداد للدعم السريع قادمة من تشاد، فلماذا لم ينتظر عبورها إلى الأراضي السودانية ليضربها هناك؟ لماذا اختار أن يضربها داخل أراضي دولة أخرى؟”.. نحن لا نملك جواباً قاطعاً، ولا ندّعي معرفة النيات.. لكن السؤال حق جوهري في التحليل. فاستهداف الإمداد داخل السودان يبقي الحرب في مسرحها، أما ضربه خارج الحدود فيحوّل العملية العسكرية إلى أزمة سيادة، ويمنح الدولة المستهدفة مبرراً للرد، ويفتح الباب أمام تدخلات جديدة.. وهنا مكمن الخطر.

(3)

ومن هنا يولد السؤال الأشد إلحاحاً:” من يفكر للجيش السوداني؟ هل القرار العسكري جزء من استراتيجية لإنهاء الحرب، أم أن الحرب نفسها بدأت تتحول إلى استراتيجية؟”.. لا نقول إن هناك قراراً مكتوباً لإشعال الإقليم؛ فلا دليل يثبت ذلك..

لكن من حقنا أن نختبر الفرضية بالوقائع:” ماذا لو كان اتساع الحرب يخدم من يخشى نهايتها؟ ماذا لو أصبح نقل الضغط إلى الخارج جزءاً من تصور يرى في الحرب طريقاً للبقاء في السلطة؟

(4)

فالحركة الإسلامية، التي يربط خصومها بينها وبين نفوذ متزايد داخل مؤسسات الدولة والحرب، تواجه معادلة لا تخفى:”نهاية الحرب تعيد السياسة إلى الواجهة، والسياسة تعيد سؤال السلطة والمحاسبة والمستقبل”.. أما استمرارها فيجعل الأمن يتقدم على السياسة، ويمنح خطاب التعبئة والحماية مساحة أوسع.. وإذا اتسعت الحرب إلى الخارج، صار السلام أكثر تعقيداً، وأصبح الخروج من المشهد أصعب.. هنا لا نقدم اتهاماً نهائياً.. وإنما نضع أمام الوقائع فرضية تستحق السؤال:” هل إطالة الحرب غاية، وهل تمددها الإقليمي يصبح وسيلة؟”.

(5)

والخطر أن السودان لا يعيش في فراغ.. تشاد غرباً، وأفريقيا الوسطى جنوب غرب، وليبيا شمال غرب، ومصر شمالاً.. وكل واحدة تحمل هشاشتها وحساباتها ومصالحها.. وتشاد نفسها ليست جزيرة معزولة؛ ففرنسا انسحبت عسكرياً منها، لكن مصالحها في الساحل لم تختفِ، وأفريقيا الوسطى تقع بدورها في شبكة تنافس إقليمي ودولي.. وفي ليبيا، حيث الانقسام والسلاح والحدود الرخوة، يمكن أن يتحول اضطراب السودان إلى امتداد جديد للفوضى.

(6)

أما مصر، فلا تستطيع أن تنظر إلى السودان كحريق بعيد.. القاهرة تؤكد أن وحدة السودان وسيادته واستقراره من صميم أمنها، وتتحرك دبلوماسياً مع واشنطن بشأن السودان وليبيا ومنع اتساع الصراع. ثم هناك الإنسان الذي لا يظهر في خرائط الجيوش(اللاجئ السوداني) الذي فر من النار إلى تشاد، فإذا بالنار تقترب من ملجئه.. إلى أين يفر بعد ذلك؟ تشاد مضطربة، ليبيا منقسمة، وجنوب السودان هش.. وقد تصبح مصر آخر أبواب النجاة، وأثقلها كلفة.

(7)

وهنا تعود بنا حكاية أوروبا القديمة. لتبقى حاضرة غي هذا الواقع.. لم تصبح حرب الثلاثين عاماً أوروبية في يوم واحد؛ دخلتها القوى واحدة بعد أخرى، وكل قوة جاءت بمبررها ومصلحتها، حتى صار لكل طرف سبب للبقاء، وصار التراجع أصعب من التقدم. والتاريخ لا يعيد نفسه، لكنه يترك إشاراته لمن يريد أن يقرأ: شرارة داخلية، ثم حدود، ثم حلفاء، ثم خصوم جدد، ثم حرب أكبر من أصحابها.

فهل نحن أمام الطريق ذاته؟..

إذا كانت حرب السودان قد عجزت عن حسم السودان، فهل بدأت تبحث عن حسم خارج السودان؟ وإذا كان ضرب الإمداد هو الهدف، فلماذا لم يكن داخل أرض الحرب؟ ليعود السؤال تأكيده.. من يفكر للجيش، ومن يرسم له حدود المعركة؟ ..

ثم من يضمن ألا تصبح تشاد جبهة، وليبيا ممراً، وأفريقيا الوسطى ساحة، ومصر خط دفاع؟

لذا نقول : أخطر ما في الأمر أن كل طرف قد يدخل الحرب بحجته.. ثم تصبح حجة الرد وقوداً لرد آخر، حتى يجد الإقليم نفسه في حرب لم يختر بدايتها.

 

كذبة الدفاع عن الحرمين” تنتهي بسرقة ملايين الدولارات

دخل السودان حرب اليمن في مارس 2015، عندما انضم إلى التحالف الذي قادته المملكة العربية السعودية ضد جماعة الحوثيين، ضمن عملية «عاصفة الحزم». وقدّم نظام المخلوع عمر البشير هذه المشاركة باعتبارها استجابة لطلب سعودي ووقوفًا إلى جانب الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا وحمايةً للأمن العربي، بينما ارتبط الخطاب السياسي والإعلامي داخل السودان بأكثر المفردات حساسية في الوجدان الشعبي، وهي الدفاع عن المملكة العربية السعودية والحرمين الشريفين. وأرسل السودان قوات برية إلى اليمن على دفعات. وجاءت هذه الخطوة في سياق إعادة ترتيب واسعة لعلاقات نظام البشير الإقليمية.

في 13 ديسمبر 2022 نُشرت رواية عن جلسة بمحكمة الخرطوم الجزئية برئاسة القاضي طارق عبد اللطيف، ولم تكتفِ المادة المنشورة بالقول إن دعوى رُفعت ضد ضد المستشار المالي لمكتب القائد العام للقوات المسلحة محمد الفاتح الفكي، بل نسبت إليه نفسه المثول أمام المحكمة.

وبحسب هذه الرواية، تتعلق القضية بمستحقات الكتيبة الرابعة التي شاركت في حرب اليمن خلال عامي 2017 و2018، وتحدثت المادة عن 267 ضابطًا وفردًا ذكر عدد منهم أن المبلغ المفترض أن يحصل عليه الفرد هو 9 آلاف دولار، بينما لم يُسلَّم لهم سوى 5100 دولار.

معلومات تظهر لاحقاً

بعد تصاعد القضية ظهرت روايات عن صدور قرار من عبد الفتاح البرهان بصرف مستحقات المشاركين في حرب اليمن، ولم يقتصر هذا القرار على أصحاب الدعوى الأصلية، بل شمل بحسب الروايات المنشورة 1184 ضابطًا وعسكريًا من الكتيبة الرابعة والكتيبة الخامسة وسرية الهندسة. وهذا التطور يوسّع القضية بصورة هائلة، لأن الملف لم يعد متعلقًا بـ267 فردًا فقط، فإذا كان هناك 1184 عسكريًا لهم مستحقات فإن القضية تتحول إلى ملف مالي واسع يستوجب مراجعة كاملة لمجموع المبالغ المستحقة، وما تم صرفه فعليًا منها، وتوقيت الصرف والجهة المستفيدة والعملة والحساب الذي جرى منه التحويل والجهة التي وقّعت عليه.

إذا كانت رواية الـ9000 دولار صحيحة، وإذا كان 267 فردًا قد استلموا 5100 دولار فقط، فإن الحساب يقول إن الاستحقاق الكلي كان 2,403,000 دولار (9000 × 267)، بينما بلغ ما دُفع فعليًا 1,361,700 دولار (5100 × 267)، ليكون الفارق 1,041,300 دولار.  وبثبوت هذه الأرقام فلا بد من تفسير محاسبي للفارق، فإما أن يكون قد دُفع لاحقًا، أو أن يكون هناك خطأ في تحديد قيمة الاستحقاق أصلًا، أو أن مبلغ الـ9000 دولار لم يكن هو الاستحقاق الحقيقي من البداية، أو أن هناك خصومات قانونية أو مصروفات مثبتة، أو أن الأموال ذهبت إلى جهة أخرى، أو أن هناك عجزًا ماليًا حقيقيًا. ولا يمكن معرفة أي من هذه الاحتمالات هو الصحيح إلا بكشف الحساب الكامل.

وبما أن الملف اتسع لاحقًا إلى 1184 ضابطًا وعسكريًا، فإن الحساب النظري بمتوسط استحقاق قدره 9000 دولار يبلغ 10,656,000 دولار، أي أكثر من 10.6 مليون دولار. وهذا لا يعني أن هذا المبلغ دُفع فعلًا لكل المشاركين، ولا أن الرقم 9000 ينطبق على جميع الفئات، لكنه يوضح حجم الملف المحتمل إذا كان هذا الاستحقاق ينطبق على المجموعة كاملة، ولهذا يظل نشر القرار وكشف المستفيدين وقيمة الاستحقاق لكل فئة أمرًا لا غنى عنه.

كم اختُلس من الكتائب الأخرى؟

كل ما سبق من أرقام وتناقضات لم يظهر إلا لأن جنودًا من الكتيبة الرابعة تحديدًا تجرأوا و رفعوا دعوى قضائية، ووصلت روايتهم إلى محكمة ثم إلى الإعلام. وهذا يطرح سؤالًا أكثر إلحاحًا مما طُرح حتى الآن، إذا كان الفارق الذي اكتُشف في كتيبة واحدة، بفضل جرأة أفرادها على المطالبة، قد بلغ أكثر من مليون دولار، فما مصير الكتائب والسرايا الأخرى التي شاركت في نفس الحرب طوال سنوات امتدت من 2015 حتى ما بعد 2018 وما بعدها، ولم يرفع أفرادها دعوى مماثلة؟ غياب الدعوى القضائية لا يعني بالضرورة غياب الفارق المالي، فقد يعني ببساطة أن جنود تلك الكتائب لم يعرفوا أصلًا بوجود فارق بين ما استُحق لهم وما وصلهم، أو أنهم لم يجدوا من يمثلهم قانونيًا، أو أنهم خشوا تبعات المطالبة. فإذا كانت كتيبة واحدة من أصل عدة كتائب وسرايا شاركت في هذه الحرب قد كشفت عن فارق يتجاوز المليون دولار، فإن حجم الأموال التي ربما اختُلست أو ضاعت من بقية الوحدات، عبر سنوات المشاركة كاملة، قد يكون – وهو المرجح – أضعاف ما كُشف حتى الآن. وهذا وحده يكفي لتبرير مراجعة مالية شاملة لا تقتصر على الكتيبة الرابعة، بل تمتد إلى كل وحدة سودانية شاركت في اليمن منذ اليوم الأول للحرب.

من السؤال السياسي إلى التحقيق المالي

لعل هذه هي النقطة المهمة التي ينبغي أن يتحول عندها أي متابعة لهذا الملف من سجال سياسي إلى تحقيق مالي بحت، إذ لا يكفي معرفة من وقّع الورقة، بل المهم معرفة مسار المال بدقة: من دفعه، ومن استلمه، وفي أي بنك وأي حساب دخل، ومتى دخل، ومن أصدر أمر التحويل ووقّع عليه، ومن أعدّ كشوف المشاركين واعتمدها، ومن صرف الأموال وراجعها، ومن أغلق الملف في نهاية المطاف.

هذه السلسلة تمثل خط المسؤولية المالية الكامل، وإذا ظهر أن شخصًا واحدًا كان حاضرًا في جميع حلقاتها، فإن مسؤوليته تصبح مسألة تستحق تحقيقًا مباشرًا.

تجدر الإشارة إلى أن هناك جانبًا آخر من ملف اليمن لم يحظَ بالشفافية الكافية، وهو طريقة اختيار القوات التي شاركت في المهمة، فكلما ارتبطت المهمة الخارجية بمزايا مالية أصبحت آلية اختيار المشاركين مسألة حساسة بذاتها. فمن غير الواضح ما إذا كانت الاختيارات قد جرت وفق الأقدمية والكفاءة، أو كانت الوحدات ترشح أفرادها بقوائم محددة مسبقًا، أو كانت المشاركة مفتوحة لجميع الوحدات، أو حصل ضباط بعينهم على فرص متكررة نتيجة محاباة أو وساطات أو اعتبارات تنظيمية. هذه الأسئلة لا يجوز تحويلها إلى اتهامات شخصية دون كشوف رسمية، لكنها تظل جزءًا أساسيًا من أي تحقيق مالي جاد، إذ إن إرسال جندي إلى اليمن كان يعني عمليًا حصوله على آلاف الدولارات، ما يجعل من يملك سلطة اختيار الجندي صاحب سلطة ذات قيمة مالية حقيقية، وتتحول عملية التعيين نفسها إلى جزء من منظومة مكافحة الفساد. لذا ينبغي أن يشمل التحقيق فيها معرفة من رشّح الكتيبة الرابعة تحديدًا، ومن رشّح ضباطها وجنودها، وهل خضع ذلك لمعايير معلنة أم بقي محكومًا بقوائم تنظيمية غير شفافة، وهل حصل أشخاص بعينهم على فرصة المشاركة أكثر من مرة، على اعتبار أن هذا التكرار في حد ذاته يستحق كشوفات الخدمة لتفسيره.

كانت أوروبا تحترق ذات يوم لأن النار خرجت من بوهيميا، ثم وجدت في القارة كلها أبواباً مفتوحة.. واليوم يقف السودان أمام باب جديد.. فهل سنغلقه قبل أن تتحول الحرب من مأساة سودانية إلى حريق إقليمي؟

ومضة:

❝لا يخيفنا أن تبدأ الحرب.. بقدر ما يخيفنا أن تجد، بعد بدايتها، من يفتح لها الأبواب.❞

التوقيع ..

أفق يترفق باتساعه ليقول: نكتب ما تقوله الوقائع.. وإذا عجزت الوقائع عن الإجابة، نترك للسؤال أن يقول ما يجب أن يُقال.

إنا لله ياخ .. الله غالب.

What do you feel about this?