مجدي محمد مصطفى ماكن “دبر عنزاي”: مخاض التأسيس ومرآة الذات الصادقة .. تحديات بناء السودان الجديد!

1
makn

مجدي محمد مصطفى ماكن

لم تكن تضحيات شعوب الهامش السوداني عبر العقود مجرد أرقام في سجلات النزاع، بل كانت فاتورة وجودية دُفعت من دماء الأبرياء، ورماد القرى المحروقة، وصرخات الأمهات في معسكرات النزوح واللجوء. كان ذلك هو الثمن الباهظ لكسر طوق «الاستعمار الداخلي» وتفكيك بنية الدولة الأحادية التي تأسست عام 1956، والتي احتكرت السلطة والثروة والرمزية الوطنية لصالح نخب مركزية محددة.

واليوم، ونحن نقف أمام منعطف تاريخي حاسم يرفع راية تأسيس «السودان الجديد»، فإن هذه التضحيات تفرض التزاماً أخلاقياً صارماً واستثنائياً على أي تحالف يتصدى لقيادة مسار التغيير، التزاماً يقتضي أولاً وقبل كل شيء شجاعة مواجهة الذات.

تحدي الوعي بالذات وتشخيص العِلل

إن الامتحان الأول والأخطر أمام التحالف الساعي لبناء السودان الجديد ليس هزيمة الخصوم في الميدان أو تفكيك تركة الماضي فحسب، بل هو أن “يعرف التحالف قدره ومقداره”؛ أن يدرك بدقة متناهية مكامن قوته ونقاط ضعفه، ويشخص بجرأة أمراضه البنيوية.

الحقيقة المرة التي لا مناص من الاعتراف بها هي أن المجموعات السياسية والعسكرية في السودان تمثل في كثير من جوانبها انعكاساً مشوهاً لواقع الدولة المأزوم نفسه. فمعظم الحركات المسلحة والأحزاب والكيانات المناهضة للمركز القديم نشأت كاستجابة لظلم جهوي أو إثني، فانتهى بها المطاف إلى حمل “بصمة إثنية وعشائرية ضيقة” تحاكي ذات النمط الإقصائي لدولة 56، وإن اختلفت اللافتات والشعارات.

“فاقد الشيء لا يعطيه”

إن محاربة عرقية المركز بأدوات عرقية جهوية لا تؤسس لدولة مواطنة، بل تستبدل هيمنة نخبة بهيمنة أخرى. وبدون الإقرار الصريح بهذه المعضلة ومعالجتها بشفافية جذرية، سيفقد التحالف ركيزته الأخلاقية الصلبة ويفقد ثقة الجماهير التواقة للحرية والانعتاق.

تجارب الأمم: وحدة الرؤية وذوبان العصبيات

التاريخ المعاصر يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن حركات التحرر التي أخفقت في تجاوز انقساماتها الفرعية أعادت إنتاج المأساة ذاتها:

التجربة الأنغولية والأفغانية: تحولت الثورات إلى اقتتال أهلي مدمر بمجرد سقوط النظام القديم، لأن الفصائل ظلت رهينة الولاءات القبلية والشخصية، مما جعلها لقمة سائغة للاختراق الإقليمي والدولي.

المؤتمر الوطني الأفريقي (ANC) في جنوب أفريقيا: أدرك مبكراً أن إسقاط نظام الفصل العنصري (الأبارتهايد) يتطلب بناء حركة جامعة تذوب فيها الهويات الإثنية (الزولو، الخوسا، وغيرهم) تحت مظلة الهوية الوطنية والمواطنة المتساوية، ما مكنه من قيادة التحول التاريخي بنجاح.

الجبهة الوطنية الرواندية (RPF): استطاعت انتشال بلد ممزق بالإبادة الجماعية عبر حظر الاستقطاب الإثني في العمل السياسي وبناء مؤسسة عسكرية ومدنية قومية موحدة لا تعترف بالتصنيفات القبلية.

الضرورة الحتمية: الاندماج الكامل وإنهاء عهد «شراء الذمم»

إن شعب الهامش الذي خبر ألاعيب النخب يدرك تماماً أن أخطر ما دمر السودان القديم هو سياسة “الحكم بشراء الذمم” (Patronage System)، وتفتيت القوى الوطنية عبر إغراء قادة الفصائل بالمناصب والامتيازات الفردية. هذه السياسة لم تكن لتنجح لولا وجود كيانات هشة تعتمد على العصبية وتفتقر للمؤسسية الصلبة.

التحصين الحقيقي ضد الاختراق، والتآمر، وتجارة المواقف يمر عبر خطوات راديكالية واضحة:

1. إطلاق حوارات هيكلية عاجلة بين كافة مكونات تحالف تأسيس لنقد الذات وتفكيك المركزيات الجهوية داخل الأجسام الثورية ذاتها.

2. الانتقال بالتحالف إلى “الاندماج العضوي”: دمج المجموعات المسلحة والكيانات السياسية في “تنظيم موحد بهيكل واحد وقيادة موحدة” وبرنامج سياسي وطني عابر للقبائل والجغرافيا.

3. التجرد وبناء القيادة البديلة: تقديم قيادات وطنية متجردة تفكر خارج الصندوق القديم، وتستمد شرعيتها من خدمة مشروع السودان الجديد لا من وزنها العشائري.

إن هذه الصرخة “دبر عنزاي” ليست مجرد شعار نرفعه، بل هي محطة للفرز التاريخي والوعي العميق؛ فإما أن ترتفع قيادات التحالف إلى مستوى تضحيات الشهداء والجرحى والنازحين وتقدم نموذجاً وحدوياً حقيقياً، أو تظل تدور في حلقة المأزق السوداني المفرغة.

إن بناء السودان الجديد يبدأ أولاً من تحرير عقولنا وهياكلنا من رواسب السودان القديم.

What do you feel about this?