صباح محمد الحسن “أطياف”: رحلة البحث
صباح محمد الحسن
طيف أول:
لن ينال هذا الليل من ضوء الصباح،
ولا بأس أن يتكور الوقت من جديد
لينجب قلق الاحتمالات،
فليس الصوت وحده الذي يمسك
بمفاتيح الكلام.
وعندما تم تعيين رئيس مجلس الوزراء كامل إدريس، تحدثنا منذ اليوم الأول قبل أدائه للقسم أن حكومته ستكون من أفشل الحكومات التي مرت على السودان، وأن حديث كامل إدريس عن أنها ستكون حكومة أمل هو حديث شاعري لا يغني الشعب من جوعه، ولن يكفيه شر هذا البؤس والعوز. وأن هذه الحكومة حرفيًا حكومة ألم. وقتها خرج الإعلام الكيزاني يحدثنا عن أن الرفض لها يتعارض مع مبدأ المطالبة المستمرة بالحكومة المدنية، ولكن ذات الإعلام بدأ يوجّه النقد لهذه الحكومة.
فعندما تحدثنا عن فشل هذه الحكومة، لم ننتقد إدريس في شخصه، بل تحدثنا عن الأساس الذي تُبنى عليه، والذي سيكون سبب التصدع. فلا يمكن أن تأتي حكومة مدنية وعلى هرم السلطة يجلس البرهان، ولا يمكن أن تستطيع حكومة توفير الرفاهية للمواطن السوداني ولا حتى العيش البسيط في ظل حربٍ نيرانها تأكل الأخضر واليابس.
ولكن إدريس كان واحدة من محاولات البرهان للوصول إلى الحكم بغطاء مدني وشراء الوقت، لذلك أصبح شريكًا في معاناة هذا الشعب، لأنه منح البرهان زمنًا إضافيًا استمرت فيه الحرب التي قتلت وشردت المئات منذ أن تسلم مقاليد هذا المنصب منزوع السلطة والقرار حتى يومنا هذا.
والآن يطرح البرهان فكرة تشكيل حكومة بعد ما يسميه “الحوار السوداني”. إذن السؤال الذي يتبادر إلى الذهن:
ما هو موقع حكومة كامل إدريس الآن التي لا تملك موقعًا رسميًا داخل العملية السياسية، باعتبارها غير معترف بها، ليس من الخارج الذي لا يراها ويتعامل مع واقع سياسي يتحكم فيه قائد الجيش، بل من الداخل؛ فالسلطة الانقلابية في ظل مدّ يدها للخصوم السياسيين والمعارضة تقرّ بفشل القوى المدنية الموالية، وتغضّ الطرف عن حكومة إدريس. وهذا ما يجب أن ينتبه له وزير الإعلام خالد الأعيسر الذي أعياه الدفاع الأعمى عن السلطة التي تبحث الآن عن شخصيات مدنية لتخوض بها مرحلة جديدة.
وهذا ما يؤكد أن معارك البقاء والحفاظ عليه ليست بطول اللسان، وإنما بالعمل وبالمقدرة على تغيير ملامح المشهد. لكن أن يتخطاك المشهد ليغيّر ملامحك في ظل وجودك، فهذه سابقة سياسية تجعل تاريخك السياسي يتوقف عند نقطة الاستغناء؛ فالوجود بلا قيمة، المغادرة أكرم منه بكثير.
لذلك فإن بحث البرهان الآن عن غطاءٍ مدني يؤكد فشل الغطاء السابق (حكومة كامل إدريس) في منحه الشرعية. فالمسألة لم تكن يومًا انتقالًا حقيقيًا نحو الحكم المدني، بل كانت محاولة لإعادة إنتاج السلطة العسكرية بواجهة مدنية قابلة للتبديل. إن بحث البرهان عن “مدني جديد” بعد أن استنفد كامل إدريس، يكشف أن الأزمة ليست في الأشخاص، بل في غياب الإرادة السياسية للانتقال من حكم القوة إلى حكم المؤسسات.
فهذا المشهد السوداني المربك يظهر حاجة البرهان اليوم لغطاء مدني، وهو ما جعله في أيامٍ سابقة يتحدث بإلحاح عن “ضرورة الحكم المدني”، ويدعو القوى المدنية وغيرها إلى تقديم نفسها كواجهة سياسية، وما زالت رحلة البحث مستمرة.
لذلك، حين يبحث البرهان اليوم عن واجهة مدنية جديدة، فإنه عمليًا يطيح بحكومة كامل إدريس ووزرائها من المشهد، لأنهم فشلوا في المهمة الأساسية التي جاؤوا من أجلها: فشلوا في منحه شرعية سياسية أمام الداخل والخارج، ولم ينجحوا في تغيير صورته كقائد عسكري يقود حربًا، ولم ينجحوا تنفيذيًا في إدارة الدولة أو حتى في توفير الخدمات الأساسية للمواطن، وعلى رأسها الكهرباء. ومع هذا الفشل، استغل بعض الوزراء حالة الحرب ليصل كل واحد منهم إلى المنصب الذي كان يحلم به، دون أن يقدموا ما يثبت أنهم حكومة قادرة على إدارة دولة منهارة.
إن بحث البرهان عن واجهة مدنية جديدة اليوم ليس بحثًا عن حكم مدني، بل بحثًا عن غطاء بديل بعد أن استنفد الغطاء السابق دون أن يحقق له أي مكسب سياسي أو إداري.
حتى في التسريبات الأخيرة، كشف كامل إدريس بنفسه عن واقع مؤلم داخل حكومته، حين قال إنه أحيانًا يضطر إلى دفع رشوة حتى يستطيع تنفيذ قرار واحد، واتهم السلطة في السودان بأنها تهتم بالمال والظهور، وأن الواقع وصل حدًا من السوء. هذا الاعتراف وحده يكفي ليُظهر حجم العجز داخل الحكومة التي تعمل تحت سلطة البرهان، ويكشف أن الوزراء لم يمتلكوا أي قدرة تنفيذية حقيقية. ومع ذلك، استغل بعضهم ظروف الحرب ليصل إلى المنصب الذي كان يحلم به، دون أن يقدم شيئًا يبرر وجوده في السلطة. لذلك كان من الأفضل لهذه الحكومة أن تقدّم استقالتها، بدل أن ينتظروا اللحظة التي يخلعهم فيها البرهان ويأتي بواجهة مدنية جديدة عبر منصة الحوار، بحثًا عن غطاء آخر بعد أن استنفد الغطاء القديم دون جدوى.
وكأن الواقع اليوم دفع المنتمين لهذه السلطة إلى الجهر بفشلهم والاعتراف بأخطائهم السابقة بلا مواربة. فحين يخرج رئيس مجلس الوزراء نفسه ليقول إن “الوضع سيئ”، فهذه ليست مجرد شكوى، بل إعلان عن نهاية المأساة السياسية والإدارية التي عاشتها البلاد. فالشكوى في الدول الطبيعية تأتي من الشعب إلى الحكومة، لا من الحكومة إلى الشعب. أما أن تقف السلطة نفسها في موقع المتظلّم، فهذا يعني أنها فقدت القدرة على إدارة الدولة، وفقدت حتى الحد الأدنى من الكفاءة التي تمنحها حق البقاء.
إن اعتراف المسؤولين اليوم ليس شجاعة سياسية، بل دليل على أن هذه الحكومة وصلت إلى مرحلة العجز الكامل، وأنها لم تعد تملك ما تقدمه سوى الاعتراف المتأخر، بعد أن أرهقت البلاد وأضاعت الفرص.
طيف أخير:
لا_للحرب
من المتوقع أن يجتمع مجلس الأمن للتصويت على القرار الذي تقدمت به الولايات المتحدة الأمريكية لحظر الطيران نهاية أغسطس أو أوائل سبتمبر 2026، بالتزامن مع موعد انتهاء وتجديد قرار عقوبات السودان رقم 1591 في 12 سبتمبر 2026. فإن لم تحصل أمريكا على قرار الحظر، فقد تحصل على قرار تقييد الطيران، مع زيادة الضغط الدولي على الجيش والدعم السريع
