نجم الدين دريسة: السودان بين جيش مختطف ووصاية لا تنتهي .. مصر والسعودية في قلب المعادلة!!
نجم الدين دريسة
«أخطر الجيوش ليس أضعفها سلاحاً بل أسهلها اختراقاً وأسرعها اختطافاً»
لم يعد الموقف السعودي والمصري من السودان مجرد اختلاف في الرؤية أو تباين في الحسابات الإقليمية بل أصبح تقاطع المصالح بين العاصمتين أكثر وضوحا من أي وقت مضى فالدولتان تتحدثان عن السلام ووحدة السودان واستقرار مؤسساتهما بينما تتحركان سياسيا في اتجاه إبقاء المؤسسة العسكرية داخل قلب الدولة وهذا التناقض يكشف أن القضية ليست حماية السودان بقدر ما هي حماية منظومة مصالح تريد بقاء السودان ضمن مجال نفوذها
السعودية ومصر لا تريدان جيشا سودانيا قويا بالمعنى الوطني ولا مؤسسة مهنية خاضعة للسلطة المدنية ولا جيشا مغلقا أمام التسييس والاختراق الخارجي وإنما مصلحتهما تكمن في جيش سهل الاختراق والاختطاف يمكن النفاذ إلى دوائره والتأثير في قراراته واستخدامه بوصفه بوابة نفوذ داخل الدولة السودانية فالجيش الذي يبقى فوق السياسة ويظل مفتوحا على الولاءات الخارجية يصبح مخلبا جاهزا لحشر النفوذ الإقليمي في الشأن السوداني
بالنسبة إلى القاهرة يمثل الجيش السوداني قناة اتصال استراتيجية تسمح لها بالتأثير في ملفات النيل والحدود والأمن الإقليمي وبالنسبة إلى الرياض يمثل الجيش مؤسسة يمكن التعامل معها لحماية المصالح المرتبطة بالبحر الأحمر والموانئ والاستثمار والأمن البحري وهكذا تتعدد الحسابات لكن النتيجة واحدة وهي إبقاء المؤسسة العسكرية بوصفها مركز الثقل القادر على حفظ نافذة النفوذ الخارجي داخل السودان ومنع القرار الوطني من الانفلات الكامل من حسابات الجوار
مصر تنظر إلى السودان باعتباره عمقا لأمنها القومي ولذلك يصعب فصل سياستها السودانية عن هواجس النيل والحدود والتحولات الإقليمية وقد وثقت مصادر أوروبية الروابط الوثيقة بين المؤسستين العسكريتين المصرية والسودانية وأشارت إلى اتهامات بتقديم القاهرة دعما للجيش مع استمرارها في نفي الدعم العسكري المباشر كما أعلن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي استمرار دعم بلاده للجيش السوداني وهو ما يعكس وضوح الرهان المصري
أما السعودية فتتحرك من زاوية البحر الأحمر والأمن الإقليمي والموانئ والاستثمار لكنها تلتقي مع القاهرة في الحفاظ على مؤسسة عسكرية مركزية تستطيع التعامل معها بصورة مباشرة فالسودان المقابل للساحل السعودي ليس مجرد دولة شقيقة بل مساحة استراتيجية ذات موقع بالغ الحساسية ولذلك فإن قيام دولة سودانية مدنية مستقلة تعيد تعريف علاقاتها الخارجية وفق مصالح شعبها قد يحد من قدرة الرياض على إدارة ملفاتها عبر مراكز القوة التقليدية
وتزداد دلالة هذا التقاطع حين نضع الموقفين المصري والسعودي إلى جوار الخطاب المعلن ففي سبتمبر عام 2025 شاركت الدولتان في بيان رباعي أكد رفض سيطرة الجماعات المرتبطة بالإخوان المسلمين على مستقبل السودان ودعا إلى انتقال مدني شامل كما أكد أن الدعم العسكري الخارجي يطيل الحرب لكن المفارقة أن التعامل العملي مع السلطة العسكرية ظل قائما بما يجعل السؤال مشروعا حول الفارق بين الموقف المعلن والسياسة الفعلية
السعودية شاركت في جهود الوساطة واستضافت منبر جدة وقدمت نفسها باعتبارها راعية للحل السياسي وحماية المدنيين لكن الوساطة تفقد معناها عندما تتحول العلاقة مع سلطة بورتسودان إلى تعاون مؤسسي متصاعد وفي أغسطس عام 2026 جرى الاتفاق على إنشاء مجلس للتنسيق السعودي السوداني وهذا التطور لا يعني بذاته دعما للحرب لكنه يكشف اتجاها نحو تعميق العلاقة مع السلطة القائمة بدلا من ربط النفوذ السعودي بتحول مدني حقيقي
والأدق في قراءة ملف التسليح ألا تتحول الادعاءات إلى حقائق فقد تحدثت تقارير عن صفقة باكستانية للسودان بقيمة تقارب مليار ونصف المليار دولار شملت طائرات ومسي رات وأنظمة دفاع جوي وقيل إن للسعودية دورا في تمويلها أو تمريرها لكن تقارير لاحقة أفادت بأن الصفقة وضعت قيد التعليق بعد اعتراض سعودي ولذلك لا يصح الجزم بأن الرياض مولت تلك الصفقة وإنما يصح مساءلة مسار علاقتها بالمعسكر العسكري
لكن النفوذ لا يحتاج دائما إلى شحنة سلاح حتى يصبح مؤثرا فالغطاء السياسي والاستقبال الرسمي والتعاون الاقتصادي وبناء المجالس المشتركة وفتح قنوات الاستثمار تمنح السلطة العسكرية مساحة للمناورة وتبعث رسالة بأنها ليست معزولة إقليميا وكلما شعرت سلطة الحرب بأن علاقاتها الخارجية تتوسع تراجعت حاجتها إلى تقديم تنازلات مؤلمة في التفاوض ولذلك يصبح النفوذ السياسي والاقتصادي أحيانا أكثر تأثيرا من السلاح في إطالة عمر المعادلة القائمة
التقييم البريطاني للوضع الأمني في السودان خلال يوليو 2026 أشار إلى اصطفاف السعودية مع القوات المسلحة السودانية إلى جانب مصر وإيران وباكستان وتركيا في الوقت الذي كانت فيه الرياض تشارك في جهود الوساطة وهذه المفارقة لا تثبت وحدها وجود خطة لإطالة الحرب لكنها تكشف تعارضا سياسيا يستحق المساءلة لأن الوسيط الذي يمتلك نفوذا على أحد أطراف النزاع يفترض أن يستخدمه لدفعه نحو التسوية لا لتثبيت موقعه
المشكلة المصرية السعودية لا تتعلق بالجيش وحده وإنما بالدولة التي يريدان بقاءها فالسودان الذي ورث بنية مركزية من الحقبة الاستعمارية ظل يعاني احتكار المركز للقرار وتهميش الأقاليم وتضخم دور المؤسسة العسكرية وتراكم الامتيازات داخل النخب وقد جاءت الحرب لتكشف فشل هذه الصيغة كاملة ولذلك فإن إعادة إنتاج المؤسسات القديمة دون إعادة تأسيس علاقتها بالمجتمع والسلطة والثروة تعني إعادة إنتاج الأسباب التي صنعت الانفجار
الدولة ليست الجيش والجيش ليس الدولة والحفاظ على مؤسسات الدولة لا يعني الحفاظ على كل مؤسسة بالشكل الذي ورثناه فالجيش الذي يتدخل في السياسة ويصبح طرفا في الصراع ويتداخل داخله النفوذ الأيديولوجي وتتشابك حوله المصالح الإقليمية يحتاج إلى إصلاح جذري لا إلى إعادة تقديسه باسم الوطنية والمشكلة ليست في وجود الجيش وإنما في تحويله إلى مركز للسلطة وبوابة للتأثير الخارجي ومظلة لتحالفات سياسية متصارعة
الحرب أظهرت تمدد قوى إسلاموية داخل المعسكر المؤيد للجيش وأصبح من الصعب تجاهل أن استمرار القتال وفر مساحة لإعادة تنظيم قوى مرتبطة بالنظام السابق وتوسيع حضورها العسكري والسياسي وهذا يضع الموقف السعودي أمام تناقض صريح فالرياض تقول إنها لا تريد سيطرة الجماعات المرتبطة بالإخوان المسلمين على مستقبل السودان لكن حماية البيئة العسكرية التي تسمح لهذه القوى بالتمدد دون اشتراط تفكيك نفوذها تجعل الخطاب أقل إقناعا
أما مصر فتتداخل حساباتها مع بنية الجيش بصورة أعمق بحكم التاريخ والعلاقات الأمنية والجغرافية وهي ترى في المؤسسة العسكرية طرفا يمكن التفاهم معه بشأن الحدود والنيل والأمن ولهذا فإن انتقال السودان إلى دولة مدنية جديدة تعيد توزيع السلطة والثروة وتمنح الأقاليم وزنا حقيقيا وتعيد صياغة العلاقات الخارجية على أساس الندية قد يفتح أمام القاهرة واقعا سودانيا مختلفا لا تستطيع إدارته بالأدوات التقليدية التي اعتادت استخدامها
والسعودية بدورها لا تريد بالضرورة سودانا منهارا لكنها تريد سودانا لا يتحول إلى مصدر تهديد لمصالحها في البحر الأحمر ولا إلى لاعب مستقل يعيد صياغة ترتيبات الموانئ والاستثمار والأمن البحري وفق إرادته وحدها وهذه مصالح مشروعة من حيث الأصل لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح حماية تلك المصالح مرتبطة ببقاء بنية سياسية وعسكرية تجعل السودان أكثر قابلية للتأثير الخارجي وأقل قدرة على امتلاك قراره الوطني
لهذا فإن الحديث عن تآمر مصر والسعودية على السودان يجب أن يفهم باعتباره وصفا لتقاطع مصالح وسياسات يمكن أن تنتج أثرا تآمريا حتى دون وجود غرفة سرية تجمع العاصمتين فحين تتلاقى المواقف حول إبقاء الجيش في مركز الدولة وحين يصبح الدعم السياسي له أولوية وحين تخشى العاصمتان من قيام دولة سودانية أكثر استقلالا فإن النتيجة العملية تكون حماية منظومة النفوذ القديمة ولو اختلفت الأدوات والتبريرات
السودان المستقل سيقول لمصر إن علاقة النيل علاقة ندية وسيقول للسعودية إن البحر الأحمر مجال تعاون لا مجال وصاية وسيقول لتركيا وقطر والإمارات وإيران وسائر القوى إن المصالح مرحب بها ولكن القرار سوداني وحده وهذا هو السودان الذي لا تستطيع منظومة النفوذ التقليدية التحكم فيه بسهولة ولذلك فإن أخطر ما يهدد المصالح القديمة ليس سودان الحرب وإنما سودان السلام حين يصبح مستقرا وقادرا على التفاوض من موقع الندية
إن بقاء الجيش في مركز الدولة يخدم القاهرة والرياض لأنه يوفر قناة مباشرة للتأثير في القرار السوداني أما الجيش المهني القومي الخاضع للسلطة المدنية والمنضبط دستوريا فيغلق كثيرا من منافذ الاختراق الخارجي ولذلك فإن المعركة ليست بين جيش قوي وجيش ضعيف وإنما بين مؤسسة وطنية يصعب اختطافها ومؤسسة سياسية عسكرية يمكن اختراقها وتوظيفها فالجيش سهل الاختراق والاختطاف هو أخطر بوابة للوصاية لأنه يمنح الخارج نفوذا بأدوات سودانية
السودان لا يحتاج بعد هذه الحرب إلى إعادة تدوير دولة ما بعد الاستعمار ولا إلى استعادة مركز قديم بواجهات جديدة ولا إلى جيش يعود حاكما باسم حماية الدولة ولا إلى نخب تستمد شرعيتها من الخارج بل يحتاج إلى تأسيس دولة مواطنة تعيد توزيع السلطة والثروة وتمنح الأقاليم حقوقها وتبني جيشا مهنيا لا يملك السياسة ولا يخضع لتنظيم أيديولوجي ولا يتحول إلى مخلب لأي دولة مهما كانت علاقتها بالسودان
ومن هنا فإن المطلوب من القاهرة والرياض ليس الانسحاب من السودان فالعلاقات بين الدول طبيعية والمصالح المتبادلة مشروعة وإنما المطلوب أن تتوقفا عن التعامل مع السودان باعتباره مجالا أمنيا تابعا وأن تدعما قيام دولة مستقلة لا تخضع للجيش ولا للنخب ولا للعواصم الخارجية فإذا كانت مصر تريد أمن حدودها والسعودية تريد أمن البحر الأحمر فليكن الطريق دولة سودانية مستقرة ومستقلة لا دولة ضعيفة سهلة الاختراق والاختطاف
لقد آن للسودانيين أن يفرقوا بين الدولة التي تحمي مصالح شعبها والدولة التي تحمي مصالح الآخرين داخلها فاستقرار السودان لا يعني استقرار النفوذ المصري والسعودي داخله واستقلال السودان لا يعني فقط رفع العلم في المؤسسات وإنما امتلاك القرار في الحرب والسلام والثروة والجيش والعلاقات الخارجية وإذا بقيت مفاتيح هذه الملفات رهينة لمؤسسة عسكرية قابلة للاختراق فإن الاستقلال سيظل ناقصا مهما تبدلت الحكومات والوجوه
المعركة الحقيقية إذن ليست فقط حول من ينتصر في الحرب وإنما حول شكل السودان الذي سيخرج منها فإما أن يعاد إنتاج الدولة القديمة بجيش مختطف ومركز متضخم ونخب مرتبطة بالخارج وإما أن يولد سودان جديد تكون فيه المؤسسة العسكرية للشعب والدولة للشعب والثروة للشعب والقرار للشعب وهذا هو الاستقلال السياسي الذي لم يكتمل والذي تخشاه منظومة الوصاية لأنه ينهي قدرة الخارج على إدارة السودان من خلال أدوات سودانية
فمصر ليست صاحبة السودان والسعودية ليست صاحبة السودان والجيش ليس صاحب السودان والإسلاميون ليسوا أصحاب السودان وأي قوة خارجية أو داخلية لا تملك حق اختطاف وطن كامل وإذا كانت القاهرة تريد أمنها والسعودية تريد مصالحها فليبحثا عنها عبر دولة سودانية مستقلة لا عبر مؤسسة عسكرية سهل اختراقها واختطافها لأن السودان الذي يحمي مصالح شعبه لن يكون مخلبا لأحد ولن يسمح بتحويل سيادته إلى امتياز إقليمي
لقد انتهى زمن الوصاية التي تتخفى خلف عبارات الأخوة والاستقرار ووحدة الدولة فالسودانيون الذين دفعوا ثمن الحرب والنزوح والدمار لا يحتاجون إلى عواصم تقرر لهم شكل مستقبلهم ولا إلى مؤسسة عسكرية تعيد إنتاج سلطتها ولا إلى نخب تستدعي الخارج لحماية امتيازاتها إن السودان الجديد يجب أن يكون دولة مستقلة كاملة السيادة تتعامل مع مصر والسعودية بندية وتحفظ مصالحهما المشروعة دون أن تبيع لهما قرارها الوطني
