دار السلام وداعة: في رهيد البردي: يجدون وقتاً لتقسيم الأرض ولا يجدون وقتاً لإنقاذ المستشفى!

1
dar

دار السلام وداعة

في رهيد البردي هناك موضوع لا ينبغي أن يمر علينا مرور الكرام.

نحن نعيش في ظروف صعبة جداً. حرب ونزوح وفقر وخدمات شبه منهارة. والمستشفى الريفي في رهيد البردي خرج عن الخدمة. والنساء يدفعن ثمن هذا الوضع وقد دفعت نساء حياتهن ثمناً لغياب الرعاية الصحية اللازمة.

وفي وسط كل هذا نجد وقتاً وجهداً للتخطيط للأراضي وتقسيم بعض المساحات العامة وتحويلها إلى استخدامات سكنية أو استثمارية.

وهنا السؤال البسيط الذي يجب أن يطرحه كل مواطن في رهيد البردي: إذا وجدوا الوقت لتقسيم الأرض فلماذا لم يجدوا الوقت لإنقاذ المستشفى؟

هذه ليست دعوة ضد التنمية ولا ضد حصول المواطن على قطعة أرض.

نحن نريد التنمية ونريد الأسواق المنظمة ونريد السكن والاستثمار ونريد أن تتوسع المدينة. لكن التنمية لا تعني أن تصبح أراضي الناس مجالاً مفتوحاً للتصرف دون أن يعرف المواطن من قرر وكيف قرر ولصالح من.

هناك مساحات يعرفها أهل رهيد البردي كساحات وميادين ومواقع عامة ومرافق تخدم المجتمع. والآن يدور حديث واسع عن تغيير استخدام بعض هذه المساحات وتحويلها إلى قطع سكنية أو استثمارية.

طيب السؤال هنا واضح:

من الذي قرر تغيير استخدام هذه الأراضي؟ ومن الذي أعطاه الحق؟ ومن المستفيد؟ وإذا تم بيع أو تخصيص هذه الأراضي مقابل أموال فأين ذهبت هذه الأموال؟

هذه ليست أسئلة معقدة. هذه حقوق مواطن.

الأرض العامة ليست ملكاً لرئيس إدارة ولا للجنة ولا لأي مسؤول. الأرض ملك للمجتمع.

والذي يتولى إدارة شؤون الناس لا يصبح بسبب منصبه مالكاً لأرض الناس.

ولا يمكن أن يأتي أحد ويقول إن كل من يعترض على بيع أو تحويل المساحات العامة هو ضد التنمية. هذا الكلام يجب أن ينتهي.

نحن مع التنمية.

لكننا نريد تنمية حقيقية تعود فائدتها على المواطن.

إذا كانت هناك أرض ستباع من أجل التنمية فليعرف الناس بكم بيعت وأين ذهبت الأموال.

إذا كان بيعها سيبني مدرسة فليعرف الناس أين المدرسة.

إذا كان سيعيد تشغيل المستشفى فليعرف الناس أين ذهبت الأموال.

إذا كان سيحسن المياه أو الطرق فليظهر ذلك أمام الناس.

أما أن تذهب الأرض ولا يرى المواطن تنمية ولا يعرف أين ذهبت الأموال فهنا من حقه أن يسأل.

وهنا نعود إلى النقطة الأكثر إيلاماً.

المستشفى الريفي في رهيد البردي خارج الخدمة. والناس تحتاج إلى العلاج. والنساء تحتاج إلى الرعاية أثناء الولادة. والأسر تضطر إلى البحث عن العلاج بعيداً عن المنطقة.

وقد دفعت نساء حياتهن ثمناً لهذا الوضع.

ثم نتحدث عن التنمية.

أي تنمية هذه التي لا تستطيع أن تنقذ حياة امرأة؟

إذا كانت هناك قدرة على تحريك ملفات الأراضي والمخططات فلماذا لا توجد القدرة نفسها لإعادة تشغيل المستشفى؟

إذا كانت هناك موارد فلماذا لا تكون صحة الناس هي الأولوية؟

نحن لا نريد أن نرى أرضاً جديدة تباع بينما المستشفى مغلق.

نريد أن نرى المواطن أولاً.

وأقولها بوضوح لكل من يظن أن الناس لن تنتبه:

الثوار صاحون.

وشباب رهيد البردي ليسوا غافلين عما يحدث.

لن نقبل أن تتحول الحرب إلى فرصة للالتفاف على الحق العام. ولن نقبل أن تكون الظروف الاستثنائية مبرراً للتصرف في موارد الناس دون وضوح.

وأي محاولة للالتفاف على الحق العام أو تمرير أمر تحت أي مسمى لن تمر دون أن يواجهها المجتمع بالرفض والمساءلة.

لأن الشباب اليوم يسألون.

والمجتمع يرى.

والناس لم تعد تقبل أن يقال لها فقط:

ثقوا بنا.

بل تريد أن ترى وتعرف وتسأل.

وفي الوقت نفسه لا أريد أن تتحول القضية إلى تصفية حسابات أو معركة بين أبناء رهيد البردي. القضية ليست ضد شخص بعينه.

نحن نريد شيئاً واحداً:

الشفافية.

افتحوا الملفات.

أظهروا المخططات.

وضحوا للناس وضع كل مساحة.

من قرر؟

وبأي حق؟

ومن استفاد؟

وكم دُفع؟

وأين ذهبت الأموال؟

إذا كانت الإجراءات سليمة وقانونية فلا يوجد سبب للخوف من هذه الأسئلة.

أما إذا كان هناك تجاوز فليأخذ القانون مجراه.

وهناك أمر آخر يجب أن نقوله بصراحة:

أفسحوا المجال للشباب الثوار.

الشباب الذين خرجوا في الثورة ليس دورهم أن يهتفوا فقط ثم يعودوا إلى بيوتهم بينما يقرر الآخرون مستقبل مدينتهم.

نريد الشباب في الإدارة.

نريدهم في العمل العام.

نريدهم في مواقع اتخاذ القرار.

دعواهم يخوضوا التجربة.

قد يخطئون نعم.

لكنهم سيتعلمون.

فالسياسة والإدارة ليستا حكراً على جيل واحد.

وإذا كنا نريد تغييراً حقيقياً فلا بد أن نعطي هذا الجيل فرصته.

رهيد البردي تستحق مستشفى يعمل.

وتستحق مدارس أفضل.

وتستحق المياه والطرق والخدمات.

وتستحق أسواقاً منظمة.

وتستحق أن تكون أراضيها العامة محمية.

والأهم أنها تستحق إدارة تضع الإنسان قبل الأرض.

نريد أن نرى المستشفى يعمل قبل أن نرى مخططاً جديداً.

نريد أن نرى مدرسة قبل أن نسمع عن قطعة استثمارية.

نريد أن نرى المياه تصل إلى الناس قبل أن نسمع عن بيع مساحة جديدة.

لأن الأرض التي تذهب اليوم يصعب استردادها غداً.

إلى كل من يظن أن المواطن منشغل بالحرب ولن ينتبه:

المواطن منتبه.

إلى كل من يظن أن الشباب سيسكتون:

الثوار صاحون.

وإلى كل من يريد فعلاً أن يخدم رهيد البردي:

ابدأوا بالإنسان.

أعيدوا تشغيل المستشفى.

احموا المدارس.

وفروا المياه.

نظموا الأسواق.

احموا الأرض العامة.

وافتحوا الطريق أمام الشباب.

أما أرض الناس فلا ينبغي أن تتحول إلى غنيمة.

رهيد البردي ليست للبيع.

والتنمية لا تبدأ بتقسيم الأرض.

التنمية تبدأ بإنقاذ الإنسان.

What do you feel about this?