د. جودات لشريف حامد: السودان والدولة المؤجلة (1)
السودان والدولة المؤجلة (1)
سلسلة في التأسيس والدولة والسياسة والمواطنة
السودان: هل أزمتنا أزمة حكومات أم أزمة دولة؟
د. جودات لشريف حامد
تفتح هذه المقالة مساراً متسلسلاً من الكتابة في أسئلة الدولة السودانية: كيف تشكّلت أزمتها، وما الذي ظل غائباً في تأسيسها، وما نوع السياسة والمؤسسات التي تحتاجها الدولة السودانية إذا أرادت الخروج من دائرتها الخبيثة “إعادة إنتاج أزماتها”. ليس غايتنا ان نقدم إجابات جاهزة للحل، لكن هي محاولة جادة للعودة إلى الأسئلة الأولى؛ فقد لا تكون مشكلتنا دائماً في عجزنا عن الإجابة، بل لأننا مبدئاً إخطرنا السؤال الخطأ.
لو كان تغيير الحكومات كافياً لبناء الدول، لكان السودان اليوم من أكثر دول المنطقة استقراراً عربياً وأفريقياً. فقد جرّب السوان، منذ استقلاله، من أنظمة الحكم والتحالفات والائتلافات والشعارات الإيدلوجية ما يكفي لاختبار أكثر من طريق. ثم تعاقبت حكومات مدنية وعسكرية انتقالية، واندلعت ثورات، ووقعت انقلابات، وكُتبت دساتير ومواثيق، ووقعت اتفاقيات سلام، وتشكلت تحالفات ثم انهارت، وفي كل منعطف تقريباً يحدو السودانيون الأمل بأن بلادهم قد وصلت أخيراً إلى بداية مختلفة.
ومع ذلك، ظلت أسئلة بعينها تعود إلينا جيلاً بعد جيل، كأنها لم تكن سبباً لأدواء الحكومة التي رحلت. فظل السؤال الذي استهلك جانباً كبيراً من طاقتنا السياسية – من يحكم السودان؟ – يحجب عنا سؤالاً أسبق وأعمق منه وأكثر خطورة: ما الدولة التي نحاول حكمها؟
فالفرق بين السؤالين ليس لغوياً. إنه الفرق بين تغيير الحكومة وتأسيس الدولة. الحكومة تدير السلطة لفترة محددة، أما الدولة فهي مجموعة القواعد والمؤسسات والعلاقات التي ينبغي أن تبقى حين تتغير الحكومة: كيف تُكتسب السلطة، وكيف تمارس، وما حدودها؛ كيف يتساوى المواطنون أمام القانون؛ كيف توزع الموارد والفرص؛ كيف تدار الأقاليم والولايات والمحليات والوحدات؛ كيف نحسم اختلافاتنا من دون عنف؛ وكيف يُمنع المنتصر السياسي من أن يتحول إلى مالك للدولة. فحينما تكون هذه القواعد نفسها غير مستقرة وغير متفق عليها، فإن تغيير من يجلسون في قمة السلطة قد يغير فقط الوجوه، دون تغيير هذا المسار المشوه.
لقد نال السودان استقلاله في الأول من يناير 1956، وكانت تلك لحظة يحسبها الكثيرون حدثاً وطنياً عظيماً بنقله السيادة من الحكم الاستعماري إلى السودانيين. لكن انتقال السيادة لوحده لا يعني تلقائياً اكتمال تأسيس الدولة الوطنية. فالاستقلال يجيب عن سؤال: من يحكم البلاد؟ أما تأسيس الدولة فيحتاج إلى إجابات مستقرة عن أسئلة أخرى أكثر أهمية: من هي شعوب هذه الدولة؟ وعلى أي أساس يتساوون فيها؟ كيف تدار دولة واسعة ومتعددة البيئات والثقافات والمجتمعات كالسودان؟ كيف توزع السلطة والثروة؟ ما العلاقة بين المركز والأقاليم؟ كيف تدار الاختلافات الدينية والثقافية والإثنية؟ وما موقع المؤسسات العسكرية والأمنية من السياسة؟ كيف تعمل الخدمة المدنية والقضاء ومؤسسات الدولة بعيداً عن تقلب الحكومات؟ وما القواعد التي تجعل خسارة السلطة أمراً سياسياً عادياً، وليس معركة وجود؟
هذه الأسئلة ليست جديدة أفرزتها أو أنتجتها حرب الخامس عشر من أبريل2023. لكنها أسئلة، وبصور مختلفة، رافقت الدولة السودانية ناقصة التأسيس منذ سنواتها الأولى. وعليه قد يكون من الأدق أن نقول إن السودان استكمل استقلاله القانوني والسياسي، لكنه ظل يؤجل حسم بعض أسئلة تأسيس الدولة المشتركة. وهنا يبدأ معنى عبارة «الدولة المؤجلة». وهي عبارة لا تعني بالضرورة أن السودان لم يعرف دولة، أو مؤسسات، أو إدارة، أو قانوناً، بل تعني أن بعضاً شروط الدولة الوطنية المكتملة المستقرة -كالعقد الاجتماعي، والمواطنة المتساوية، وعلاقة المركز بالأطراف، وحدود السلطة، وقواعد تداول السلطة سلمياً، والفصل بين الدولة ومن يسيطر مؤسساتها – ظلت مصدر مشكلات بلا تسوية وطنية منصفة وقادرة على الصمود أمام الأزمات اللاحقة.
في الدولة الراسخة، تختلف الأحزاب والاتجاهات حول من يدير الدولة وكيف يديرها، لكن هناك حداً أدنى من الاتفاق على أن الدولة نفسها ليست جائزة للفائز بإدارة حكومتها. أما عندما تكون مؤسسات الدولة قابلة للامتلاك السياسي، تصبح المنافسة على الحكم قضية أكبر من منافسة البرامج الحزبية. فمن يخسر السلطة قد تستغشاه خشية أن يخسر معها النفوذ، والوظيفة، والوصول إلى الموارد، بل وربما الحماية نفسها. ومن يفوز بالسلطة يتصرف كما لو أن فوزه قد منحه حق مطلق لإعادة تشكيل مؤسسات الدولة وفق مصالحه ومزاجه السياسي. وهنا تتآكل وتتراجع الفوارق شيئاً فشيئاً بين الدولة والحكومة، ثم بين الحكومة والحزب، ثم بين المؤسسة والشخص.
وفي هذا النوع من بيئات الممارسة السياسية يصبح الوصول إلى الحكم أعلى قيمة من بناء القواعد التي تنظم الحكم ذاته. ويصبح السؤال السياسي: من يتحكم في مؤسسات الدولة؟ بدلاً من: كيف نجعل الدولة قادرة على خدمة الجميع بغض النظر عمن يدير حكومتها؟ هذه ليست أزمة أخلاق أفراد فحسب. إنها أزمة تصميم مؤسسي أيضاً. فالسياسي الطموح موجود في كل المجتمعات الانسانية، والمصالح موجودة في كل الدول، والإغراء الذي تصنعه “صولجنات” السلطة ليس ظاهرة سودانية خالصة. لكن العبرة هو أن المؤسسات القوية تكبح قدرة أي فرد أو جماعة على تحويل الطموح الشخصي أو التنظيمي إلى مصير لدولة كاملة.
قد يقول قائل إن كل ما تكتبه يعتبر ترفاً تنظيرياً، وإن مشكلة السودان ببساطة هي فساد القيادات النخبوية وصراعها على السلطة. وفي هذا القول جزء كبير طبعاً من الحقيقة. فالقيادات، والأخلاق السياسية كل له أثره في ذلك، فالفساد وسوء القرار والطموح الشخصي يمكن أن يهدم دولاً. لكن السؤال الذي ينبغي أن يتبع ذلك هو: لماذا يستطيع الشخص السيئ أن يحدث كل هذا الضرر؟
المؤسسات القوية والراسخة لا تُبنى على افتراض أن كل من سيتولى السلطة سيكون عادلاً وحكيماً ونزيهاً. بل تنطلق من افتراض أكثر واقعية: وهو أن البشر يخطئون، وأن السلطة تُغري، وأن القيادات تتفاوت قدراتهم ومصالحهم. ولهذا توجد القوانين، والرقابة، والمساءلة، والفصل بين الاختصاصات، واستقلال القضاء، والتداول، والشفافية. الدولة القوية ليست تلك التي تجد في كل حقبة رجلاً استثنائياً ينقذها، بل الدولة القوية هي التي لا تحتاج إلى رجل استثنائي لكي تعمل بصورة طبيعية. ومن هنا تبدو المفارقة واضحة: عندما تحتاج الدولة دائماً إلى شخص قوي لكي تبقى واقفة، فقد يكون ذلك دليلاً على خلل وضعف في المؤسسات أكثر من كونه دليلاً على قوة القيادة. فان قيمة القائد ليست فقط فيما يستطيع أن يفعله وهو موجود، بل أيضاً فيما يُبقِى هذه المؤسسات قادرة على الفعل بعد أن يغادر القائد.
بالنسبة إلى المواطن- الدولة ليست فقط رئاسة ووزارة وجيش وبرلمان.، الدولة من وجهة نظره تجربة يومية مُعاشة تتمثل في المدرسة التي يستطيع طفله دخولها، والمستشفى الذي يجده عندما يمرض، والمحكمة التي يلجأ إليها عندما يُظلم، والشرطي الذي يحميه لا الذي يخيفه، والوثيقة التي يحصل عليها من دون واسطة أو تصنيف جغرافي، والوظيفة التي لا تتطلب ولاءً سياسياً، والطريق الذي يصل منطقته بالآخرين، والضريبة التي يعرف لماذا يدفعها وأين تذهب، والحق الذي يستطيع الحصول عليه من دون أن يسأل أحد عن قبيلته أو حزبه أو منطقته قبل أن يعترف بأنه مواطن.
ولهذا فإن الدولة لا تصبح حقيقية في حياة المواطن عندما يسمع خطاباً عن هيبتها، لكن حين يجدها أمامه عندما يحتاج إلى إحقاق الحق. فحين تقصر الدولة في التعليم والصحة والعدالة والخدمات، ثم تظهر فقط في الجباية أو الأمن أو موسم الانتخابات، هنا تتغير طبيعة العلاقة بينها كدولة وبين المواطن- ولم يعد حينها الامر شراكة تعاقدية، بل تصبح العلاقة محاطة بالريبة المتبادلة. ومن هنا يمكننا القول أن تأسيس وبناء الدولة ليس مهمة دستورية فقط؛ إنه أيضاً إعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
والسودان بلد واسع، متعدد البيئات، متفاوت في موارده وفرص الوصول إلى الخدمات والأسواق ومراكز القرار. هذه الحقيقة الجغرافية ليست هامشاً ثانوياً في السياسة. فشكل الدولة الذي قد يعمل بكفاءة في بلد صغير شديد الترابط قد يصبح مصدر اختناق في بلد شاسع تتباعد فيه المسافات وتتفاوت فيه الاحتياجات. لذلك فالمركزية ليست فقط مسألة مكان توجد فيه الوزارات. إنها أيضاً طريقة في رؤية الدولة.
فمثلاً حين يحتاج قرار محلي بسيط إلى رحلة طويلة نحو مركز بعيد، فالمشكلة لن تكون فقط بطء البيروقراطية. وعندما لا تصبح الأطراف مرئية للمركز إلا عند الحرب، أو المجاعة، أو التمرد، أو الانتخابات، فالمشكلة ليست بعد المسافة وحده، المشكلة في تصميم يجعل المركز هو الأصل وما عداه امتداداً له. ولهذا فإن السؤال الصحيح ليس: هل نعطي الأقاليم بعض الصلاحيات؟ بل السؤال: ما المستوى الأنسب لاتخاذ كل قرار في دولة مثل السودان؟ وما الذي ينبغي أن يبقى قومياً لأنه يتعلق بوحدة الدولة؟ وما الذي ينبغي أن يقترب من المواطن لأنه يتعلق بحياته اليومية؟ وكيف ننقل الاختصاص والموارد والمساءلة معاً الي المستويات دون الإقليمية والمحلية؟ فنقل الصلاحيات من دون موارد لا ينتج حكماً محلياً حقيقياً، ونقل الموارد من دون مساءلة قد يعيد إنتاج المركزية على مستوى أصغر.
كثيراً ما قُدِّم تنوع السودان باعتباره أحد أسباب أزمته. لكن التنوع في ذاته لا يكون مدعاة لإشعال الحروب. هناك دول أكثر تنوعاً استطاعت بدرجات مختلفة بناء استقرار سياسي، كما أن مجتمعات أكثر تجانساً شهدت حروباً وانقسامات حادة. لذلك فالسؤال الأهم الذي يقتضي طرحه بصدقية ليس: هل السودان متنوع؟ بل: ما نوع المؤسسات التي تستقبل هذا التنوع؟ يمكن للدولة أن تتعامل مع الاختلاف باعتباره تهديداً يجب إخضاعه، فتجعل الهوية أداة للفرز السياسي. ويمكنها أن تبني نظاماً يضمن الاعتراف والتكافؤ والمشاركة وتوزيع الفرص بصورة عادلة، فيصبح الاختلاف جزءاً طبيعياً من المجتمع. ولهذا فإن التنوع لا يحمل عوامل الحرب في داخله؛ المؤسسات هي التي تحدد إن كان الاختلاف سيصبح شراكة في الوطن أم صراعاً عليه. وربما لم تكن مشكلة السودان أنه أكثر تنوعاً مما ينبغي، بل أن مؤسساته لم تنجح بما يكفي في تحويل هذا التنوع إلى عقد سياسي مرضي ومستقر. وهذا فرق كبير بين أن ننظر إلى التنوع باعتباره مرضاً ينبغي علاجه، وأن ننظر إلى الدولة باعتبارها المؤسسة التي يجب أن تتعلم إدارة الاختلاف.
والحروب لها لحظات واضحة في التقويم، لكن العوامل التي تجعل الحرب ممكنة قد تتراكم لعقود. فالحرب قد تسبقها اختلالات في السلطة، وضعف في المؤسسات، وتعدد في مراكز القوة، وتراكم في المظالم تاريخياً، وتنافس على الموارد، وانهيار في الثقة، وتضاؤل في قدرة مدارس السياسة على إدارة النزاع. ولهذا يجب النظر إلى حرب 15 أبريل 2023، مع ضرورة دراسة أسبابها المباشرة ومسؤوليات من أشعلها، وأيضاً باعتبارها كانت ومازالت تمثل اختبار ضغط شديد على الدولة السودانية.
هذه الحرب الحالية لم تخلق كل أزمات السودان، لكنها كشفت كثيراً مما كان يمكن إخفاؤه في أوقات السلم والحروب السابقة. حيث تعطلت الخدمات من الوهلة الأولى، وضعفت قدرة المؤسسات المدنية، وتعددت مراكز القوة، وتعرض المجتمع لمخاطر التفكك، فإن الحرب لا تكشف فقط قوة الأطراف المتحاربة، بل تكشف أيضاً مدى رسوخ الدولة نفسها.
وهنا يصبح وقف الحرب أولوية إنسانية ووطنية عاجلة لا تحتمل مساومة رغبات الأطراف الطامحة في استمراريتها. لكن يجب ألا نتوقف عند هذا الحد. لأن وقف إطلاق النار قد يستطيع أن يوقف الموت البعثي، لكنه لا يستطيع لوحده منع الحرب التالية. أما منع العودة إلى الحرب فهذا أمر يحتاج إلى بناء القواعد التي تجعل النزاع السياسي قابلاً للحل داخل المؤسسات. فالسلام الحقيقي ليس غياب إطلاق النار فحسب. لكنه أيضاً السعي الجاد لوجود دولة تجعل العودة إلى السلاح أقل جدوى مقابل البقاء داخل البيئة السياسة السلمية.
وهنا نصل إلى واحدة من أكثر الكلمات استخداماً في خطابنا السياسي: الإصلاح. إصلاح الخدمة المدنية. إصلاح الاقتصاد. إصلاح المؤسسات. إصلاح النظام السياسي. وكلها مطالب مشروعة. لكن كلمة الإصلاح تفترض في جوهرها أن البناء الأساسي قائم، وأن الأزمة السودانية في أجزاء واسعة منها من خلال التشخيص الأمين تحتاج إلى تأسيس وبناء، ولهذا نحن جميعنا كسودانيين أمام السؤال المحوري الذي يمتد إلى طبيعة العقد السياسي، والمواطنة، وتوزيع السلطة، وعلاقة المركز بالأقاليم، وعلاقة السياسة بالسلاح، والفصل بين الدولة والحزب، وقدرة القانون على تقييد النفوذ، فان المهمة التي أمامنا-مهمة أكبر من الإصلاح.
ولا يعني التأسيس والبناء أن نهدم كل شيء أو نزعم أن تاريخ السودان يبدأ اليوم. الدول لا تبدأ من فراغ، والشعوب لا تمحو تاريخها وذاكرتها ومؤسساتها وإن مشوّهة وظالمة بجرة قلم. بل يعني التأسيس والبناء أن نتعلم من التجربة بما يكفي لكي نقول: هناك قواعد أنتجت أزمات متكررة، ولا ينبغي أن ننتقل إلى المستقبل بدون حلها جذرياً.
فالمقصود ليس تأسيس سودان بلا تاريخ، بل تأسيس قواعد وأسس جديدة لدولة تحمل تاريخ السودان، من دون أن تحمل معه آليات إعادة إنتاج أزماته.
ولا يعني هذا كتابة دستور أفضل فحسب، فالنصوص الدستورية قد تكون متقدمة وشاملة بينما تبقى الممارسة بعيدة عنها. ولا يعني إعادة تسمية الوزارات أو تغيير حدود الأقاليم والولايات أو توزيع المناصب بين الحاكمين. التأسيس الحقيقي يبدأ عندما تصبح هناك قواعد وأسس حاكمة تسبق الصراع على السلطة وتعلو عليه وتضبطه كمرجعية. أن تكون المواطنة أساس لحق كل مواطن وواجباته. وأن تستطيع أي جماعة سياسية سودانية الوصول إلى الحكومة من دون أن تحول الدولة ملكاً لها. وأن تكون المؤسسات أكبر من الأشخاص الذي يديرونها تفويضاً او مهنيةً. وأن يكون القانون قادراً على الوقوف أمام أي نفوذ وتقييده. وأن تصبح المساءلة حقاً للمؤسسات والمواطن مانح التفويض. وأن تصبح الاختلافات قضية بإمكان للدولة أن تستوعبها من دون أن تتحول إلى اتهام بالخيانة أوتجريد الهوية أو مقدمة لممارسة العنف.
ما تفضلنا به ليست مثاليات أخلاقية حالمة لكنها اشتراطات لتصميم وهندسة الدولة التي نطمح اليها. فالدولة التي لا تستطيع تقييد الحاكم ليست دولة مؤسسية ناضجة. فالدولة التي تتغير طبيعة مؤسساتها كلما تغير الحزب الحاكم، هي دولة غير مكتملة وستظل عاجزة عن الفصل بعد بين الدولة والسلطة السياسية. والدولة التي يحتاج فيها المواطن إلى واسطة للحصول على حق لن نستطيع أن تجعل المواطنة قاعدتها وأساسها العملي.
لكن التأسيس والبناء لا يمكن أن يكون مشروع نخبة صغيرة تجلس في العاصمة، تصمم وتهندس الدولة بمخيلتها القاصرة ثم تقدمها للمجتمع في وثيقة نهائية. الدولة المستدامة لا تُبنى فوق المجتمع، بل من خلال عقد اجتماعي معه. فالمواطن الذي لا يرى نفسه في الدولة لن يدافع عنها بالطريقة نفسها التي يدافع بها من يشعر بأنها دولته. والإقليم الذي تصل إليه السلطة ولا تصل إليه التنمية والخدمات قد تصله قناعة مفادها أن الدولة قوة قهر أكثر منها شراكة منصفة. والشاب الذي يسمع خطاباً عن المواطنة بينما لا يجد طريقاً عادلاً إلى التعليم والعمل والمشاركة، سيتعامل مع المفهوم بوصفه لغة سياسية استهلاكية وليست تجربة يعيشها واقعا.ً
ولهذا فإن التأسيس في جوهره العميق هو بناء العلاقة بين المواطن والمؤسسات. فالثقة هنا لا تصنعها الخطب السياسية الرنانة، لكن تصنعها التجربة والممارسة: فالثقة تؤسس عندما يحصل الإنسان على حقه دون واسطة، وعندما يعرف المسؤول أنه سيُحاسب، وعندما يعرف الإقليم ما له وما عليه، وعندما يستطيع المواطن أن يختلف مع السلطة من دون أن يفقد مكانه في الوطن، وعندما تخسر جماعة سياسية الانتخابات فتكتشف أن خروجها من الحكومة لم يعنِ خروجها من الدولة.
طوال عقود ظل السودانيون يسألون: من الأصلح للحكم؟ العسكري أم المدني؟ هذا الحزب أم ذاك؟ هذه النخبة أم تلك؟ وهي أسئلة مهمة ومشروعة. لكنها ربما تكون أسئلة من المستوى الثاني من حيث الأهمية التأسيسية- أما السؤال الأهم فهو: كيف نبني دولة لا يعتمد مصيرها كله على هوية من يجلس في قمة السلطة فيها؟،فالدولة المؤسسية لا تلغي أهمية القيادات، لكنها تجعل القيادات يعملون في إطار من القواعد والأسس الحاكمة، والدولة ولا تلغي السياسة، لكنها تمنع السياسة من ابتلاع الدولة. ولا تلغي الاختلاف، لكها تبني المساحة المريحة التي تجعل المختلفين قادرين على البقاء داخل وطن واحد يسع الجميع.
وعلى ضوء ما أسلفنا لا يحتاج السودان كدولة إلى حكومة أفضل فقط، ولا إلى جولة أخرى من الإصلاح المجتزأ. لكنه يحتاج، بعد كل ما دفعه من كلفة باهظة، إلى شعوبه للانتقال من سؤال: كيف نصلح ما لدينا؟ إلى سؤال أكثر عمقاً: ما الذي كان ينبغي أن نؤسسه ونبنيه ولم نؤسسه ونبنيه بعد؟
نخلص ونقول إن أزمة السودان ليست في الحكومات وحدها، ولا في المؤسسات وحدها، ولا في المجتمع وحده. لكن الحقيقة التي تستحق أن نضعها أمام أنفسنا هي أن هنالك أزمات أساسية استطاعت أن تعيش أطول من أي حكومة أو نظام أو جماعة حكمت السودان. وهذا وحده سبب كافٍ لكي نبحث تحت سطح السياسة اليومية. ربما كانت مشكلتنا أننا ظللنا نغيّر من يحكم السودان، قبل أن نكمل الاتفاق على الدولة التي ينبغي أن يُحكم داخلها السودان.
وهنا يبدأ سؤال -السودان والدولة المؤجلة.
ليست الدولة التي غابت تماماً، بل الدولة التي ظل جزء من تأسيسها ينتظرنا.
والسؤال الذي ينبغي أن يرافقنا من هنا ليس فقط: من سيحكم السودان؟
بل: أي سودان نريد أن نؤسس ونبني، وأي دولة يمكن أن تجعل جميع السودانيين شركاء فيها؟.
