فاطمة لقاوة: الحارث إدريس .. وأزمة الدولة السودانية..!!
فاطمة لقاوة
ليست قصة السفير الحارث إدريس، بما حملته من إنتقالات في الموقف والخطاب، مجرد حكاية دبلوماسي غيّر موقعه السياسي، ولا مجرد خلاف حول شخص أو وظيفة، الأهم فيها أنها تكشف واحدة من أعمق أزمات السودان وتطرح سؤالاً مهم يحتاج لإجابة بعد تفكير عميق،السؤال: متى تصبح السلطة هي الدولة، ومتى يتحول الدفاع عن السلطة إلى إدعاء الدفاع عن الوطن؟هنا تكمن المعضلة السودانية الحقيقية، فالحرب لم تبدأ بالبندقية وحدها، ولم تستمر بسبب العسكر وحدهم؛ بل غذّتها أزمة أقدم، تتمثل في عجز النُخب عن بناء دولة تقف فوق الأحزاب والجماعات والمراكز العسكرية والأيديولوجية، دولة تكون مؤسساتها ملكاً للشعب لا غنيمةً لمن يسيطر على مركز القرار.
تكتسب تجربة الحارث إدريس دلالتها من التناقض الذي يبدو في مساره السياسي والدبلوماسي؛ فمن موقع ينتقد التمكين ويدافع عن إستقلال الدبلوماسية، إلى موقع يُقرأ فيه خطابه بإعتباره دفاعاً عن عصابة السُلطة القائمة في بورتسودان،فتحول الحارث إدريس من مربع نقد التمكين إلى بوق ينعق من أجل السلطة.
المسألة هنا ليست محاكمة شخص، وإنما مساءلة المبدأ:هل إستقلال المؤسسات موقف ثابت، أم موقف يتبدل بتبدل موقع صاحبه؟ الدبلوماسية الوطنية لا ينبغي أن تكون لساناً للحكومة أياً كانت، بل صوتاً للدولة ومصالح شعبها، وعندما تصبح الوظيفة الدبلوماسية مرتبطة بالدفاع عن رواية السلطة، يفقد الدبلوماسي المسافة الضرورية بين الدولة والحكومة، وبين المصلحة الوطنية والموقف السياسي الآني، وهذه هي النقطة التي ينبغي أن يتوقف عندها السودانيون طويلاً:المشكلة ليست في أن يغيّر الفرد رأيه، وإنما في أن تتحول المؤسسات العامة إلى أدوات لتبرير خيارات السلطة.
أخطر ما أنتجته الأزمة السودانية هو إختزال الدولة في المكان الذي توجد فيه الحكومة، أو في القيادة التي تملك السلاح، أو في المجموعة التي تسيطر على مؤسساتها الرسمية،الدولة أوسع من ذلك كله.
الدولة هي المواطن في لقاوة، والنازح في دارفور، والمزارع في كردفان، واللاجئ على الحدود، والموظف الذي ينتظر راتبه، والطفل الذي حُرم من مدرسته، والمرأة التي فقدت بيتها وأمانها.
لذلك فإن الدفاع عن الدولة لا يعني تلقائياً الدفاع عن الحكومة التي تدّعي تمثيلها. وقد تكون الدولة نفسها هي الضحية حين تُختطف مؤسساتها لصالح سلطة مؤقتة.
هذه التفرقة البسيطة غابت طويلاً عن الخطاب السياسي السوداني، فصار إسقاط الحكومة يُقدَّم بإعتباره إسقاطاً للدولة، وأصبح نقد المؤسسة الحاكمة يُصوَّر كخيانة للوطن، وكأن الوطن ملك حصري لمن يجلسون في مقاعد السلطة،و الحارث لم يستوعب بعد أن الدولة ليست بورتسودان.
الجيش مؤسسة وطنية، والدبلوماسية مؤسسة وطنية، والخدمة المدنية مؤسسة وطنية، لكن هذه المؤسسات تفقد معناها عندما تصبح مرتبطة بمشروع سياسي أو أيديولوجي محدد،وقد تحولت المؤسسات في السودان إلى جبهات سياسية، فقد عانى السودان طويلاً من ظاهرة تسييس الدولة: تمكين حزبي، وإقصاء سياسي، وتطهير مؤسسي، ثم إعادة إنتاج النمط نفسه بأسماء وشعارات مختلفة، و هكذا تدور البلاد في حلقة مفرغة: تأتي سلطة فتعتبر مؤسسات الدولة ملكاً لها، ثم تأتي أخرى فتفعل الشيء ذاته، بينما يبقى المواطن خارج المعادلة،فالمشكلة إذن ليست فقط: من يحكم؟بل السؤال الأعمق هو: كيف نُحكم؟ ولصالح من؟ وتحت أي قواعد؟اوهنا يظهر إشكال الأيديولوجيا عندما ترتدي البدلة الرسمية،فيزداد المشهد تعقيداً بعد ما تدخلت الجماعات الأيديولوجية إلى قلب الصراع، فتحولت الحرب من تنافس على السُلطة إلى معركة وجود بين مشاريع سياسية متصارعة،عندها أصبح الخطاب الديني أو الأيديولوجي أداة تعبئة، وتحولت المؤسسات الرسمية إلى منصات لإعادة إنتاج الإستقطاب، و أصبح المجتمع نفسه ساحة لتقسيم الناس إلى “وطنيين” و”خونة”، و”أهل دولة” و”أعداء دولة”، لكن الدولة الحديثة لا تُبنى بهذه الثنائية.
الدولة لا تحتاج إلى عقيدة حزبية تحميها، بل إلى دستور ومؤسسات وقانون ومواطنة متساوية، وكلما إزدادت الحاجة إلى الأيديولوجيا لإسناد الشرعية، إنكشف ضعف الشرعية السياسية نفسها.
مأساة النخبة الأساسية ظهرت حين أصبح المنصب أهم من المبدأ، و ربما تكون هذه أكثر حلقات الأزمة إيلاماً ،فالنخب السودانية كثيراً ما رفعت شعارات الحرية والديمقراطية والإستقلال المؤسسي، لكنها عندما إقتربت من مركز السُلطة وجدت نفسها أمام إغراء المنصب، فبدأت تبرر ما كانت ترفضه بالأمس، وهنا لا يعود السؤال: من قال ماذا؟بل: هل يمتلك السياسي أو الدبلوماسي الشجاعة بشقيها- الشجاعة الشخصية و الشجاعة الآدبية – لمراجعة موقفه عندما تتغير الحقائق؟
النخبة التي لا تستطيع مراجعة نفسها تتحول إلى جزء من الأزمة، مهما كانت شهاداتها وألقابها ومواقعها، فالسياسة بلا أخلاق تتحول إلى إنتهازية، والدبلوماسية بلا إستقلال تتحول إلى دعاية، والسُلطة بلا مؤسسات تتحول إلى غلبة، والدولة بلا مواطنة تتحول إلى جغرافيا متنازع عليها.
أزمة السودان لن تُحل بمجرد أن ينتصر طرفاً على طرف آخر -كما يتوهم البرهان و عصابته- لأن السؤال الذي أشعل الحروب الممتدة في السودان سيظل قائماً:أي دولة نريد؟هل نريد دولة المركز القديم؟ أم دولة النُخب المركزية ذات المصالح و الإمتيازات ون معهم من عصابة بورسودان التي سرقت إسم الجيش أم دولة الجماعات الأيديولوجية؟أم دولة النخب المغلقة؟
أم نريد دولة المواطنة المتساوية التي لا يكون فيها الإنسان أقل قيمة لأنه وُلد في دارفور أو كردفان أو الشرق أو الجنوب السابق أو أي هامش آخر؟.
السودان يحتاج إلى إعادة تعريف الدولة نفسها؛ دولة لا تُختزل في العاصمة، ولا تُقاس بقوة جيشها، ولا تُختصر في بيانات حكومتها، ولا تُختطف بواسطة جماعة سياسية أي كان نوعها،السودان لا يحتاج إلى منتصر جديد أبداً
قصة الحارث إدريس، في نهاية المطاف، ليست القضية كلها؛ إنها مرآة لأزمة أكبر: أزمة نُخبة لم تحسم بعد الفرق بين الدولة والسلطة، وبين الوطن والحكومة، وبين المؤسسة والولاء السياسي.
الدرس الأهم أن الدولة لا تُستعاد بالشعارات، ولا بالبيانات الدبلوماسية، ولا بمحاولات إحتكار صفة الوطنية.
تُستعاد الدولة عندما يصبح القانون فوق الجميع، والمؤسسة فوق الفرد، والمواطنة فوق القبيلة، والوطن فوق الحزب، والضمير فوق المنصب، أما إذا ظل كل طرف يختزل السودان في نفسه، ويختزل الدولة في سلطته، ويختزل الوطنية في الولاء له، فإن الحرب ستتوقف يوماً، لكن أزمة الدولة ستبقى مستعدة لإشعال حرب أخرى.
السودان أكبر من بورتسودان، وأكبر من أي قيادة متدثرة و سارقة للجهد العسكري، وأكبر من أي حزب أو جماعة أيديولوجية، وأكبر كذلك من الحارث إدريس وأي فرد آخر، فالوطن لا يُنقذ عندما ينتصر الأشخاص؛ الوطن يُنقذ عندما تنتصر الدولة على منطق الأشخاص.
ولنا عودة بإذن الله
