نجم الدين دريسة: مأزق الإسلام السياسي
نجم الدين دريسة
لم تكن أزمة الإسلام السياسي في جوهرها أزمة صناديق اقتراع ولا عثرة عابرة في طريق جماعة صعدت إلى الحكم ثم غادرته وإنما هي أزمة أعمق تتصل ببنية عقل سياسي حمل تصوراً مغلقاً للإنسان والدولة والمجتمع وتعامل مع السياسة بوصفها امتداداً للعقيدة لا مجالاً مفتوحاً للاجتهاد والمراجعة والتجربة ولذلك كلما اصطدم هذا العقل بواقع متنوع ومعقد انكشف عجزه عن إنتاج حلول تتناسب مع تعدد المصالح واختلاف البشر
المشكلة تبدأ حين تتحول الفكرة الدينية من مصدر للقيم إلى أداة لاحتكار الحقيقة السياسية فتصبح الجماعة حارسة للحق والخصوم أسرى للباطل وحينها يفقد المجال العام معناه الطبيعي لأن الاختلاف لا يعود اختلافاً في البرامج والرؤى وإنما يتحول إلى امتحان في الإيمان والانتماء ومن هذه النقطة ينشأ الاستعلاء الذي يجعل صاحبه أقل استعداداً لسماع المجتمع وأكثر ميلاً إلى تأويل الواقع بما يوافق تصوراته المسبقة
لقد كشفت تجارب الحكم المتعددة أن الانتقال من موقع المعارضة إلى موقع الدولة يعرّي الفجوة بين الخطاب والممارسة فالدولة ليست منبراً للوعظ ولا جماعة مغلقة ولا جهازاً لتنفيذ تصور واحد بل شبكة مصالح ومؤسسات وقوانين وتوازنات ومواطنين مختلفين في معتقداتهم ومطالبهم وعندما يدخل العقل الإسلاموي هذه المساحة محملاً بمنطق التمكين يكتشف أن الدولة أعقد من أن تدار بمنهج الجماعة وأكثر اتساعاً من أن تختزل في مشروعها
ومن هنا تظهر معضلة الحاكمية حين تتحول من معنى أخلاقي إلى صيغة سياسية تزعم امتلاك الإجابة النهائية عن كيفية تنظيم الحياة العامة فالنصوص الدينية مهما عظمت مكانتها لا تقدم وحدها برنامجاً تفصيلياً لإدارة الاقتصاد والتعليم والقضاء والعلاقات الدولية وتوزيع السلطة ولذلك فإن سد الفجوة بين المقدس والواقع يحتاج إلى عقل اجتهادي يعترف بتغير الأحوال ويقبل بأن السياسة صناعة بشرية قابلة للخطأ والتصحيح وليست حكماً نهائياً منزلاً
أما مفهوم التمكين فقد كشف بدوره عن خلل بنيوي حين جرى النظر إلى الدولة باعتبارها غنيمة تنظيمية يمكن إحلال الموالين فيها محل المختلفين فبدلاً من بناء مؤسسات محايدة جرى في تجارب مختلفة توسيع نفوذ الجماعة داخل أجهزة الدولة وربط الكفاءة بالولاء حتى أصبحت المؤسسة العامة ميداناً للصراع على النفوذ ومع تآكل استقلالها تآكلت الدولة نفسها لأن الدولة القوية لا تقوم على الولاء وإنما على القانون والمؤسسة والمواطنة
ولا يقل عن ذلك خطراً منطق الولاء والبراء حين يغادر مجاله الديني والأخلاقي إلى المجال السياسي فيصبح القرب من الجماعة معياراً للثقة وتصبح المخالفة قرينة على الشبهة ويضيق بذلك مفهوم الوطن حتى يبدو كأنه ملكية معنوية لفئة محددة وهذا المنطق لا يستطيع إنتاج مواطنة متساوية لأنه يقسم الناس إلى دوائر متفاوتة في الشرعية السياسية بينما الدولة الحديثة تقوم على مساواة الحقوق والواجبات لا على درجات القرب العقائدي والتنظيمي
وقد أظهرت التجارب المقارنة أن التيارات التي استطاعت مراجعة علاقتها بالنص والفقه والواقع كانت أقدر على التكيف مع الدولة الحديثة لأنها أدركت أن السياسة لا يمكن أن تدار بعقل فقهي تجزيئي يلاحق الجزئيات ويهمل تعقيدات النظام العام كما أدركت أن الديمقراطية ليست مجرد وسيلة للوصول إلى السلطة ثم تعطيل شروطها وإنما منظومة كاملة تقوم على التداول والرقابة والتعدد وقبول احتمال خسارة الحكم واحترام استقلال المؤسسات
وفي المقابل فإن التيار الذي يرفض مراجعة مسلّماته يظل محكوماً بمفارقة قاسية فهو يريد دولة حديثة بأدواتها ومؤسساتها لكنه يريد في الوقت نفسه إخضاعها لمنظومة مغلقة لا تعترف بشرعية الاختلاف وحين تتعارض مقتضيات الدولة مع مقتضيات الجماعة يميل العقل المأزوم إلى إنقاذ التصور لا إلى مراجعة التصور فيحمّل الواقع مسؤولية الفشل ويبحث عن خصوم ومؤامرات بدل أن يسأل عن الخلل الكامن في الفكرة ذاتها
ولهذا فإن القول بزوال الإسلام السياسي ينبغي ألا يفهم بوصفه تنبؤاً بانقراض الدين من المجال العام فالدين باق في وجدان المجتمعات وسيظل مصدراً للقيم والمعنى وإنما المقصود هو تراجع الصيغة التي تريد احتكار الدولة باسم الدين وفرض برنامج سياسي على الجميع بسلطة المقدس فالمعركة الحقيقية ليست بين الإيمان والسياسة بل بين حرية المجتمع في الاختيار وبين تحويل الاعتقاد إلى امتياز سياسي فوق النقد والمساءلة
كما أن إخفاق تجربة تنظيمية لا يعني بالضرورة نهاية الفكرة كلها فالأفكار تستطيع إعادة تشكيل نفسها وتبديل لغتها وأدواتها وقد تعود بأسماء جديدة وواجهات مختلفة ولذلك فإن التراجع الانتخابي أو التنظيمي وحده لا يكفي للحكم على المستقبل الأهم هو تفكيك البنية التي تجعل الجماعة فوق المجتمع والمرجعية فوق النقاش والبرنامج فوق المحاسبة لأن هذه البنية هي جوهر الأزمة وليست مجرد ثوب تاريخي عابر
وتبقى المسألة في جوهرها مسألة إنسانية قبل أن تكون أيديولوجية فالإنسان المعاصر يعيش داخل عالم شديد التعقيد تتداخل فيه التكنولوجيا والاقتصاد والهجرة والهوية والبيئة والحقوق والحريات والعلاقات الدولية ولا يستطيع عقل مغلق أن يواجه هذا التشابك بإجابات جاهزة مستخرجة من سياقات تاريخية مختلفة ما لم يمتلك شجاعة الاجتهاد والاعتراف بحدود المعرفة والقدرة على تعديل مواقفه كلما تغيرت الوقائع وظهرت معطيات جديدة
إن المستقبل الديمقراطي لا يحتاج إلى إقصاء الدين ولا إلى محاربة المتدينين وإنما يحتاج إلى تحرير المجال السياسي من ادعاء القداسة حتى يصبح الإسلاميون طيفاً سياسياً بين أطياف أخرى يخضعون للقانون نفسه ويكسبون ثقة الناس بالبرنامج لا بالنسب العقائدي ويخسرون الحكم من دون أن يعدوا خسارتهم مؤامرة على الدين وعندها فقط يصبح حضور المرجعية الدينية في المجال العام جزءاً من التعدد لا ذريعة للهيمنة
