ابراهيم مطر: عن الردة للهمجية .. كيف حولت المليشيات الإخوانية دعاة الحرب لوحوش بشرية؟
ابراهيم مطر
إن شئت أن ترسم لوحة زيتية للسودان اليوم على نهج المدرسة السيريالية، فأنت بلا شك ستجد نفسك ترسم شيئاً شبيهاً بلوحة (وجه الحرب)، للفنان الأسباني سلفادور دالي، والتي رسمها في العام 1940.
وتصور اللوحة رأساً بشرياً بلا جسد، بوجه ذابل يعاني من الجفاف تحيط به ثعابين مفتوحة الأفواه، وهو ملقىً في صحراء قاحلة، بينما تظهر في منطقة الفم وفجوتي العينين وجوه أخرى، في عيونها وأفواهها جماجم صغيرة، في دلالة على استمرارية المآساة بلا نهاية، حيث تولد الجماجم من رحم جماجم أخرى.
وتظهر اللوحة احتجاج دالي على الحرب الأهلية الإسبانية التي شارفت على النهاية حينها، بينما توشك الحرب العالمية الثانية على الاندلاع، كما يظهر فيها تأثره العميق بالخراب والبؤس الإنساني والخسائر الناتجة عنها، وما أسماه الفلاسفة وعلماء النفس بـ(الانحطاط المرتد)، حينما ينتقل الإنسان أو المجتمع من التمثل بالقيم الأخلاقية العالية، إلى حالة من من الهمجية البدائية في ظل غياب القانون، فيصبح أكثر وحشية من ضواري الغابات. قال الفرزدق: (عَوَى ذِئْبٌ فَأَنِسْتُ بِالذِّئْبِ إِذْ عَوَى .. وَصَوَّتَ إِنْسَانٌ فَكِدْتُ أَطِيرُ).
لكن الناظر لحرب السودان الأهلية يجد أن أهوالها والجرائم المرتكبة خلالها تتجاوز كل ما يمكن أن تصنعه الحروب بالنفوس نزولاً إلى الهمجية، وإن في الأمر شيئاً من منهج مدروس، وخطط موضوعة لتوطين التوحش في بلاد تتالت عليها الحروب، دون أن يصل أصحابها لذلك الدرك السحيق.
تحول القتل، والتعذيب، والتمثيل بالجثث، وجز الرؤوس وتصويرها، إلى طقوس سياسية عند عناصر الحركة الإسلامية التي أشعلت الحرب، تُمارسها في العلن وبدم بارد، لإعادة إنتاج سلطة شمولية دُفنت بشرعية الثورة، فقرر أصحابها إحراق الوطن بأكمله من أجل العودة للسلطة على الأشلاء والجماجم.
انسلخت الضمائر وتلاشت قشرة الزيف الأيديولوجي لتكشف عن توحش ممنهج تقوده “الحركة الإسلامية” السودانية عبر تحالفها مع قيادة الجيش، فذبحوا المدنيين في ولايتي الخرطوم والجزيرة، وألقوا شاباً في النيل قبل أن يمطروه بالرصاص دون أن يعرف تهمته أحد، وأعدموا أحدهم على قارعة الطريق بتهمة (أختو متزوجا دعامي)، كما أعدموا آخر رمياً بالرصاص أمام أطفاله في أمدرمان بتهمة (بتك قالت انت دعامي)، وكانوا يشيرون إلى طفلته التي تقف بجوارهم، ولم يتجاوز عمرها الأربع سنوات. هلل البعض لهذه الفيديوهات الصامة، وعدوها ضرباً من النصر المبين.
وفي أبريل من العام 2024، نشر جنود من الجيش السوداني فيديو يظهرون فيه برفقة ضابط، وهم يذبحون مدنيين تم إنزالهم من حافلة “دفار” كانوا يستقلونها كوسيلة مواصلات وسط صيحات التهليل والتكبير.
وفي يوم الخميس السادس والعشرين من سبتمبر للعام 2024، وفور عبور قوات الجيش ومليشيا البراء بن مالك المتحالفة معها جسر الحلفايا من أم درمان باتجاه الخرطوم بحري، انخرطت في حملات مداهمة استمرت لعدة أيام تم فيها قتلت خلالها 120 متطوعاً في التكايا، قبل أن تظهر مقاطع الفيديو التي توثق المجزرة في الثالث من أكتوبر، لتصدم الرأي العام المحلي والعالمي، لكن بعض مناصري الجيش ذهبوا لإنكارالحادثة، قبل أن يتهموا الضحايا بالتعاون مع العدو، وفي النهاية تواطأوا بالصمت على كل ما أريق من دماء.
وفي يناير من العام الماضي ذبح الجيش السوداني مدير التعليم بمحلية أم روابة “الطيب عبيد الله”، بعد أن ورد اسمه في قائمة موت أعدتها مليشيا “البراء بن مالك”، ولم تعدم الساحة التي قتل فيها المتفرجين والتكبيرات.
ولعل القارئ يذكر تداول الغرف الإعلامية الإخوانية بشكل واسع مقطع فيديو يعرض تصفية شابين ذبحاً، وفصل رأسيهما، والتمثيل بجثتيهما وسط التهليل والتكبير، ليتبين لاحقاً أن الضحيتين كانا من المدنيين الذين تم الاشتباه بهما وقتلهما بناءً على السحنة والقبلية، على الرغم من أنهما كانا قادمين لتوهما من خارج البلاد.
نقل الإخوان الحرب الأهلية السودانية لمستوى آخر من التوحش لا يدع معه مجالاً للتفكير سوى بالانتقام، وأدخلوا البلاد في دائرة عنف شريرة تستهدف إمكانية تجاوز السودانيين لأوجاعهم للحفاظ على ما تبقى من أرواح والذهاب باتجاه المستقبل، ولم يوفروا جهداً في سبيل تدمير النسيج الاجتماعي للسودانيين.
نحن الآن أشبه ما يكون بلوحة (وجه الحرب) والتي رسمها (سلفادور دالي) في أربعينات الفرن الماضي، إذ لا يعني الارتهان لأجندة مشعلي الحرب وداعميها سوى استمرار المأساة، وهي ذات الرؤوس المقطوعة بوجه جاف يمتلئ فمه وعيونه بالوجوه التي تمتلئ عيونها وأفواهها بالجماجم، ملقاة على صحراء تكاثرت فيها المعارك والثعابين والعظام البشرية، والموت الزؤام.
إن ما يحدث في السودان يضع الضمير الإنساني والعدالة الدولية أمام مرآة قاسية، إذ إن صمت المجتمع الدولي وتأخر آليات المساءلة يغذي وحش الإخوان المتعاظم، ويزيده شراسة ونهماً للدماء.
كما إن إنقاذ السودان لن يتحقق بصفقات سياسية تعيد إنتاج مسببي الأزمة، بل يبدأ بوقف فوري للحرب، ومحاكمة المتورطين في هذه الفظاعات غير المبررة، والذهاب لحوار ذو مصداقية يهدف لإحقاق الحق ورد المظالم، ويضع الجماعة الإرهابية المتطرفة في موقعها الصحيح من التاريخ، كأسوأ ما حل بالسودان من مصاب.
