د.احمد التبجاني: كيف نوقف الحرب ونستعيد مسار المدنية في السودان

80
احمد التجاني

د.احمد التبجاني سيد احمد

تبقى المسألة الجوهرية في المشهد السوداني هي كيفية إيقاف الحرب واستعادة مسار المدنية، بعد أن تحوّل الصراع إلى دوامةٍ تستنزف الوطن وتبدّد ما تبقى من مؤسسات الدولة.

لقد أصبح واضحًا أن الحركة الإسلامية لا تنوي القبول بأي حلٍّ سلمي حقيقي. فبعض قادتها صرّحوا علنًا أو ضمنًا بأنهم يفضّلون استمرار القتال وزعزعة الاستقرار إلى أجلٍ غير مسمّى، أملاً في استعادة السلطة التي فقدوها.

في المقابل، أبدت بعض الفصائل المدنية — ولا سيما المنبثقة من الأحزاب التقليدية، باستثناء الشيوعيين — استعدادًا للتعاون من خلال إنشاء حواضن سياسية لقوات الدعم السريع وعددٍ من رموز اتفاق جوبا للسلام. كما انضمت مجموعات أخرى، من بينها فصيل عبد العزيز الحلو في كاودا وبعض الحركات في شرق السودان، إلى هذا المسار.

وفي الجهة المقابلة، كانت الحركات المسلحة الموقّعة على اتفاق جوبا للسلام، أو تلك التي انفصلت عن القوى المؤيدة لانقلاب جوبا، قد بدأت عملية مراجعة عميقة لأهدافها وتحالفاتها، وانخرطت تدريجيًا في بناء تحالف تأسيس السودان (TASIS) جنبًا إلى جنب مع قوى مدنية مستقلة وشخصيات وطنية من مختلف الأقاليم.

يضمّ تحالف تأسيس اليوم أكثر من ٢٤ كيانًا سياسيًا ومدنيًا ومجتمعيًا، ويسيطر فعليًا على ما يقارب نصف مساحة البلاد، فيما يظلّ الجيش السوداني (SAF) قوةً أيديولوجية غير قادرة على العمل المستقل من دون دعمٍ مباشر من مصر وتركيا، ويعتمد بدرجة كبيرة على ميليشيات مسلّحة تدعمها القاهرة.

لقد كشف مسار الحرب عن ضعف الجيش السوداني الموجّه أيديولوجيًا، وهو جيشٌ لم يُبنَ على أسس وطنية أو مهنية منذ عقود، بل تمّ تفكيكه وتطويعه تدريجيًا لخدمة مشروع الحركة الإسلامية. فبدلًا من أن يكون جيشًا قوميًا واحدًا، تحوّل إلى شبكة متداخلة من الأجهزة الأمنية والمليشيات الخاصة التي تموَّل وتُدار خارج الأطر النظامية، مثل قوات البراء بن مالك والقوات الخاصة والأمن الميداني وغيرها من الوحدات الموازية التي أُنشئت لحماية النظام لا الوطن.

تعتمد هذه التكوينات على الولاء العقائدي لا الانضباط العسكري، وتُدار من قبل ضباطٍ يدينون بالولاء للحركة الإسلامية، وهو ما جعل الجيش نفسه يفقد استقلاله المهني والسياسي، ويعتمد على المليشيات في عملياته الميدانية وعلى الدعم الخارجي المصري والتركي في التسليح والتخطيط.

ولم يعد سرًا أن الجيش السوداني يخضع اليوم مباشرةً لقيادة فلول الحركة الإسلامية (الكيزانية)، التي أعادت إحكام قبضتها على مفاصل القيادة والتحكم المالي والاستخباري، في محاولةٍ لإطالة أمد الحرب وضمان بقاء نفوذها داخل الدولة حتى بعد انهيارها الميداني. إن هذا الواقع يؤكد أن معركة السودان لم تعد بين جيشٍ وشعب، بل بين دولةٍ تسعى إلى النهوض، وتنظيمٍ أيديولوجيٍّ يسعى إلى البقاء.

وقد أدّى انشقاق ثلاثة من موقّعي اتفاق جوبا وانضمامهم إلى الجيش باسم «القوات المشتركة» إلى زيادة المشهد تعقيدًا، وإلى اتساع الفجوة بين قوى الحرب والسلام، حيث تحوّل الاتفاق الذي كان يُفترض أن يكون جسرًا للسلام إلى أداةٍ لإعادة التموضع العسكري والسياسي.

وفي الوقت ذاته، انضمت عشرات الهيئات والتنظيمات والكيانات القبلية إلى صفوف الجيش، بعضها مدفوعٌ بخطابٍ ديني أو بمصالح جهوية محددة، مما جعل المشهد العسكري شبكةً متداخلة من الولاءات. بل إن هناك من يدعون صراحةً إلى إقامة حكمٍ مدنيٍ شكلي تحت سلطة الجيش الخاضع للحركة الإسلامية، في محاولةٍ لإعادة إنتاج النظام القديم بوسائل جديدة.

رغم اقتناع تحالف تأسيس بأولوية الحلّ السلمي، إلا أنه من غير الممكن إسكات بندقيته أو إيقافها عن السعي لردع الحركة الإسلامية وتفكيك قدراتها العسكرية — فوجود قوة فعلية ميدانية يراها كثيرون شرطًا لا غنى عنه لتحقيق شروط أمنية تسمح بالتحول المدني الحقيقي.

تأتي أمام كل هذا أولويات إنسانية عاجلة لا تحتمل التأجيل: تأمين المدنيين وإعادتهم واستقرارهم، عبر توفير الحماية الفعلية، ونقاط إيواء آمنة، وإمدادات الغذاء الطارئة، والرعاية الصحية، و إعادة التعليم الي ١٥ مليون طفل وتلميذ، وتعزيز وصول المساعدات الإنسانية إلى النازحين والمهجّرين والعايدين المحتملين. يجب أن يكون تأمين الناس وحفظ كرامتهم أولويةً قبل أي اعتبار آخر في أي جدول تحوّلي.

في ضوء هذا الواقع، يبدو واضحًا أن لا الجيش ولا تحالف تأسيس قادران على تحقيق نصرٍ عسكريٍ حاسم، وأن تدخل الأمم المتحدة تحت الفصل السابع ليس خيارًا واقعيًا في الظروف الراهنة.

ومع ذلك، يظلّ الأمل قائمًا في أن تتوحّد القوى المدنية والعسكرية التي تؤمن بالتحول الديمقراطي حول مشروع وطني جامع، يضمن بقاء السودان موحّدًا ومتعدّدًا. فالطريق إلى السلام يبدأ بالاعتراف بأن لا حلّ عسكريًا للأزمة، وأن الحوار السياسي الشامل هو السبيل الوحيد لإنهاء الحرب واستعادة الدولة المدنية.

لقد أثبتت التجارب أن الإسلاميين والعروبيين لا يمانعون في تقسيم البلاد إذا كان ذلك يضمن لهم استمرار النفوذ، كما عبّر عن ذلك عبد الرحيم حمدي في أطروحته المعروفة (مثلث حمدي) ، أو كما يروّج له بعض الدوائر اليوم تحت شعارات جديدة.

إن وقف الحرب لا يتحقق بمجرد الدعوة إلى الهدنة، بل يتطلب تحوّلًا جذريًا في بنية السلطة والفكر السياسي، وتأسيس عقد اجتماعي جديد يستند إلى المواطنة لا إلى الأيديولوجيا أو السلاح.

وإذا لم يتبنَّ السودانيون مشروعًا جامعًا للسلام والعدالة، فستظل الحرب تدور في حلقاتٍ مغلقة، ويتحوّل الوطن إلى ساحةٍ لتصفية الحسابات الإقليمية والدينية.

إن إيقاف الحرب واستعادة المدنية ليسا خيارًا نخبويًا، بل ضرورة وجودية لبقاء السودان نفسه، ولميلاد دولةٍ حديثةٍ تستعيد كرامة الإنسان السوداني وتؤسس لمستقبلٍ يقوم على العدل والمواطنة والسلام.

وأرى أن نهاية هذه الحرب لن تتحقق إلا بعد تفكيك الحركة الإسلامية سياسيًا وأمنيًا، وتشييد جيشٍ وطنيٍّ موحّدٍ يكون هدفه حماية الشعب والأرض، لا حماية حزبٍ أو أيديولوجيا.

 

د. أحمد التيجاني سيد أحمد

قيادي وًموسس في تحالف تأسيس

 

٨ أكتوبر ٢٠٢٥ – روما، إيطاليا

About The Author

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com