حسام الدين حيدر: الإلهاء والتضليل .. مابين مدينة الدلنج وشاب أمدرمان ذو العلاقة العاطفية العابرة .

46
الدلنج

حسام الدين حيدر

في الوقت الذي تتواتر فيه انباء عن سيطرة قوات الدعم السريع على مدينة الدلنج الاستراتيجية بولاية جنوب كردفان

مواقع إلكترونية واخبارية معروفة بتوجهها في دعم ” حرب الكرامة ” تنشر خبراً عن شاب حاول الانتحار بسبب زواجه من فتاة وتسبب في قطع الكهرباء بأمدرمان ، ليبرز سؤال عند كل صحفي ذو خبرةٍ مهنية في غرف الأخبار ،أو بصورة عامة أيهما أكثر أهمية؟ نشر الخبر في وقتٍ متزامن أشبه بالحملة المنظمة لإلهاء الرأي العام عن موضوع الدلنج والذي تتناقله أيضاً منصات ومواقع وأخبار متناثرة من طرف قوات الدعم السريع.

وسط  سياقات الحرب والاضطرابات، لا تكون  قيمة الخبر بمدى إثارة عناوينه أو مدى انتشاره فقط ، بل بقيمته  ووزنه في معادلة “المصلحة العامة”، ما حدث من نشرٍ  واسع لخبر محاولة انتحار شاب في أم درمان، مقابل تراجع تغطية أنباء سيطرة قوات الدعم السريع على مدينة الدلنج، يكشف بوضوح خللاً مهنياً يمكن تفسيره عبر عدد من النظريات الإعلامية .

نظرية “وضع الأجندة” تتحدث عن أن وسائل الإعلام لا تخبر الجمهور بما يفكر فيه فقط، بل بما يجب أن يفكر فيه، ويجب أن يبني عليه آرائه لحظياً وعلى المدى القصير أو  الطويل ،عندما يتم تضخيم خبر فردي  إنساني بطابع درامي ، وتهميش حدث عسكري استراتيجي يمس أمن المدنيين، فإن الوسيلة هنا تعيد ترتيب أولويات الجمهور بشكل مضلل  والأمر لا  يحدث صدفة، بل  ضمن سياق انحياز تحريري أو اصطفاف سياسي.

نظرية “التأطير الإعلامي ، توضح كيف يتم تقديم الخبر بطريقة تؤثر على تفسيره  خبر الشاب صيغ بأسلوب بصري درامي “بالصور” مع عناصر تشويق، بينما تم تغييب أو إضعاف سردية حدث الدلنج، رغم خطورته. هذا الاختلال في التأطير يخلق واقعاً مشوهاً، حيث يبدو الحدث الأقل أهمية أكثر حضوراً وتأثيراً مع ملاحظة أن خبر الشاب لم يتحدث عن تفاصيل مهمة مثل مهنته وعمره والأسباب والبحث فيها بل التركيز على انقطاع التيار الكهربائي واسم حبيبته هذه ، أليس غريباً ؟

نظرية  “حارس البوابة” ، إذا  ما حللنا بها  تُظهر أن هناك قراراً تحريرياً واعياً بتمرير خبر وإقصاء آخر.

السؤال الملح  ليس: ما الذي حدث؟ بل: لماذا اختير هذا الحدث تحديداً ليكون في الواجهة؟ في بيئات النزاع، تتحول هذه العملية على الدوام  إلى أداة تضليل ناعم، تهدف إلى صرف الانتباه عن تطورات ميدانية حساسة.

ومن ناحية مهنية وأخلاقية لا يمكن المقارنة: خبر سيطرة قوة عسكرية على مدينة استراتيجية مثل الدلنج يتقدم بوضوح، لأنه مرتبط بحياة الناس وسلامتهم وتحركاتهم. أما حادثة فردية، رغم بعدها الإنساني، فهي خبر ثانوي في هذا السياق.

بصورةٍ عامة  ما جرى ليس مجرد سوء تقدير إخباري، بل نموذج واضح للإلهاء الإعلامي، فيه  تُستخدم القصص الجانبية لتغطية أو تخفيف وقع أخبار أكثر حساسية. وفي زمن الحرب اللعينة هذه ، لا يعد ذلك خطأ بسيط، بل كلفةً يدفعها المدنيون من وعيهم وأمنهم.

What do you feel about this?