مهدي عبدالله: في بريد تأسيس “العدل أساس الحكم” فلا مجال لهامش آخر وجلابة جدد.

47
mahadi

مهدي عبدالله

من رحِم الجراح القَيِح المُثخنة، ومن عيونٍ غشاها دمع التهميش طويلاً ولكنهُ لم يكسر بصيرتها، فإنني اليوم، لا أكتب بالحبر، بل بمداد الدم المسفوح على أرصفة النسيان، انطلاقًا من أوجاع الذين ينظرون من ركنٍ قصيٍ بقلوبهم الدامية التي تذوقت فظاعة القتل والقهر والإذلال، وارتكازًا على طول صبرهم الذي نفد، لأكتب عن أصدق واقع نابع من صميم قلب الذين يعيشون الآن حياة البؤس والحرمان والمعأناة، فهم الذين نُفوا قسرًا إلي ما وراء “هامش الهامش نفسه” فأسمحوا لي بتوظيف هذه السانحة، لأن السُّودان اليوم لا يقف أمام ترتيبات تشكيل حكومة فقط، بل يقف أمام لحظة تجلٍّ تاريخية، فإما أن نكرر “نهج السُّودان القديم” الذي لم يورثنا سوى الشتات، أو أن نضع لبنة “التأسيس العظيم” الذي يجعل من العدل أساسا لحكمكم المُرتجى.

ففي لحظات التحولات الحقيقية الكُبرى، لا تُبنى الأوطان بمجرد “رصّ الكلمات في الدساتير” بل بترميم الشروخ في أرواح البشر، لأن التاريخ السُّوداني مُثقل بوجع الإقصاء ومرارة التهميش، الأمر الذي يضع الوطن اليوم أمام مفترق طرق حاسم، فإما أن نعيد إنتاج خيبات الفشل العليلة بمسمياتٍ جديدة تحت دعاوي التأسيس، أو أن نخطَّ ميثاقًا غليظًا يُدرك أن “العدل أساس الحكم” ليس مجرد شعار يُزين الجدران، بل هو نبضٌ يُحيي القلوب الميتة، وكما إنني اليوم لا أخُاطب نخبةً تعودت الاستئثار بالسلطة والثروة، بل أتحدث إلي رفاق صادقين وحادبين على فتح الأبواب الموصدة أمام تلك المكونات المنسية والأقليات المقصية والقوميات المُبعدة تاريخيا، التي طالما نظرت إلى الخرطوم بعيونٍ مجروحة وقلوبٍ دامية فلم تجد منها غير القتل والحرق والإبادة، ولكنها منتظرةً لحظةً التأسيس الكُبرى التي سوف تنصفها بحق وحقيقة، حيثُ ان الدولة التي لا يرى فيها “المهمش” كرامته، هي دولة تقف على رمال متحركة، فمن لا يجد لنفسه مكانًا تحت ظل الوطن، سوف يتضرع لله ويلعن الظالمين إلي عدالة السماء.

وكما أن سيرورة التاريخ السُّوداني المُثقلة بالوجوه التي أدمنت الفشل، يجب أن تتوقف وتنتهي هنا عند هذا الحد، لأننا نُراهن على صيرورة التغيير الجذري التي لا تكتفي بتبديل الوجوه الفاسدة بوجوهٍ جديدة، وإنما بتبديل سياسات الإقصاء بعدالة الإنصاف للذين ينظرون للواقع الجديد “كـ مُنقذ ومخلص” وليس ” كـ جلابة جُدد”  فمهما بلغت قوتك العسكرية والاقتصادية ووصلت ذروة سطوتها وجبروتها، تظل هشة أمام دعوات ولعنات الضعفاء والبؤساء، وهذا الوضع يتوجب عليكم أن ترسموا بآلام المنسيين خارطة طريق “لـ سيرورة تاريخية جديدة” تنقذ البلاد من وهدة الضياع بإتخاذ العدل منهج ومبدأ، وليس شعارًا لدغدغة المشاعر، بل كغاية وضرورة وجودية، فإما أن يكون العدل الروح التي تسري في جسد الدولة، أو فليستعد الجميع للطوفان الذي لن يبقي ولن يذر، لقد آن الآوان أن نُدرك جميعا أن الوطن ليس مغنمًا يؤخذ بالقوة فقط، بل هو شعور مُقدس بالإنتماء، فلا يستقيم إلا حين يتحول المظلومين من رقم مهمل إلي ركن زاوية أساسية في صرح النهضة والبناء بالمشاركة.

فإنكم تقفون اليوم أمام منصة التاريخ، إما “كـ منقذين ومخلصين”، أو “كـ نسخة مكررة من نخب المركز” فإن الشعوب السُّودانية التي تعيش في “هامش الهامش” تنظر إليكم كفجر للخلاص، فلا تطفئوا هذا النور بممارسات ماضي المركز، لأننا لا نُريد دولة “المنح والعطايا” بل نتطلع إلى دولة الرعاية، الدولة التي تتيح لكل سوداني، مهما كان عرقه أو جهته، المشاركة الحقيقية والعادلة في كافة مستويات الحكم الوطني، اجعلوا من “التأسيس” فعلاً حقيقيًا يفكك بنية الظلم، ويؤسس لـ سيرورة وطنية تحتفي بالتنوع وتجعل من المشاركة الواسعة صمام أمان للوطن، تذكروا أن الفرص التاريخية لا تتكرر مرتان، وأن خيبة الأمل هذه المرة قد تكون القاضية. كونوا بمستوى أحلام هؤلاء البُسطاء، وحولوا شعورهم بالظلم إلى طاقة للبناء تجاه مستقبل مشرقٍ وضاء.

 

What do you feel about this?