مهدي عبدالله حامد : مرافعة الخلاص الوطني، تحويل وجع الحروب والمعاناة إلي وعي بناء.
مهدي عبدالله حامد
الحكمة تقول “عندما تهب الريح، البعض يبني جدران حماية والبعض الآخر يبني طواحين هواء” ونحن سنبني طواحين الأمل التي تطحن غطرسة المركز وتصنع خبز الحرية لكل سوداني وسودانية، أو كما يُقال “الخريف اللي ما بتسوي ضُرا، ما بتسوي خضرا” وهذا يعني أن المطر الذي لا يسبقه رعدٌ وبرق يحمي الأرض ويُنذر بقدوم الخير، لن ينبت زرعًا مستدامًا، واليوم، والسودان يمر بمخاض هو الأعنف في تاريخه المعاصر، لم تعد الحرب مجرد صِدام عسكري فقط، بل تحولت إلى “جراحة قيصرية” مؤلمة لاستئصال ورم “المركز” الذي طال أمد استبداده، فإن ما نعيشه اليوم من تضحيات جسام، وفاتورة باهظة دفعها المواطن من دمه وعرضه واستقراره، ليست سوى الثمن الحتمي لإنهاء “دورة النزييف” السياسية التي استمرت لعقود، لقد كانت الحرب في بدايتها وجعًا يمزق الأحشاء، لكنها بمرور الأيام واستطالة أمدها، تحولت إلى “وعي” كاشف لم يترك مجالاً للمداراة؛ وعيٌ أسقط القناع عن مركزٍ أدمن الأنانية، واقتات على تهميش الأطراف، وظن واهمًا أن جدران “الخرطوم” العالية ستحميه من غضبة الشعوب السُّودانية أو ارتدادات ظلمه لهم.
تخيلوا معي، كيف أن هذه المنظومة التي صدّعت رؤوسنا بـ “هيبة الدولة” وتماسك المؤسسات، تهاوت بنيتها العسكرية والاستخباراتية عند أول اختبار حقيقي، لتكشف عن هشاشة مخيفة وعورة سياسية لا يسترها منطق، وكما إن المشهد الحالي يضعنا أمام الحقيقة العارية، فهذا المركز لم يعد مؤهلاً للقيادة، ليس فقط أخلاقيًا بفعل سلوكه الجبان وتخليه عن حماية مواطنيه، بل وعمليًا بفعل عجزه البنيوي عن استشراف المخاطر أو إدارة التنوع، إذ ان هذا الانهيار هو “الفرصة الأخيرة” ليس للترميم، بل للتأسيس الجديد، لأن البناء على الرمال المتحركة لن ينتج إلا مزيدًا من السقوط، وهنا تكمن ضرورة المرحلة في الانتقال من خانة “الاحتجاج” إلى خانة “البناء البديل” عبر مشروع “تأسيس” الذي لا يرتهن للأدوات القديمة التي أثبتت فشلها الذريع.
إن الدرس الأول والمحوري الذي يجب أن يستوعبه “تأسيس” ككتلة تاريخية تعبر عن طموحات الإنسان السوداني البسيط، هو أن القوة لا تكمن في كثرة العتاد بل في “عدالة القضية” و”ذكاء التنظيم” وكما تقول الحكمة الأفريقية: “إذا لم يكن هناك عدو في الداخل، فإن العدو في الخارج لا يمكن أن يؤذيك” والعدو الداخلي هنا هو التشرذم والارتهان لعقليات الماضي، ولقد أثبتت الحرب أن “المركز” يعاني من فقر في “الخيال السياسي” وعجز في “السيادة المعلوماتية” حيث عجزت مخابراته عن قراءة واقعٍ كانت تظن أنها تتحكم في خيوطه، لذا، فإن ضرورة المرحلة تقتضي بناء “عقل جمعي” للإنسان السوداني يتجاوز رد الفعل الغاضب إلى الفعل الاستراتيجي المنظم، وكما يجب أن يكون “تأسيس” هو المظلة التي تعيد تعريف الدولة السودانية من منظور “القاعدة إلى القمة” وليس العكس، وكما إن انكشاف البنية العسكرية للمركز يعني بالضرورة سقوط أسطورة “الحارس الوحيد” وهو ما يفتح الباب أمام ضرورة خلق توازن قوى جديد، ليس بالضرورة أن يكون قائما على فكرة “عسكرة المجتمع” بل على فكرة “مواطنة القوة” أي أن تمتلك الشعوب السُّودانية أدوات حماية خياراتها السياسية والاقتصادية بوعي مؤسسي يتفوق على ارتجالية المركز المنهار.
فإن المرحلة تتطلب صياغة “عقيدة أمنية شاملة” لا ترتكز على حماية “الكرسي” أو “النخبة” بل ترتكز على “تأمين الإنسان” في حواكيره وقراه ومدنه، لجهة هزيمة أجهزة أمن النظام البائد التي أظهرت عن وجهها الكالح كأداة للقتل والاعتقالات العنصرية بدلا من جمع المعلومات وتحليلها لحماية الأمن القومي، ومن هنا، يجب على مشروع “تأسيس” أن يتبنى بناء “منظومات رصد مجتمعية” تعتمد على التكنولوجيا والارتباط العضوي بالأرض، وكما أن الخيار العملي للخلاص يكمن في “توطين القوة” أي جعل الأقاليم والولايات هي المسؤولة عن أمنها الذاتي ضمن إطار تنسيقي وطني جديد، ينهي للأبد احتكار المركز للسلاح واستخدامه كعصا غليظة لقهر “الشعوب السُّودانية” مرة أخرى.
“آخر الدواء الكي” وقد كان الكي هو هذه الحرب التي أحرقت أوهام النخبة، لتفسح المجال أمام “تأسيس” لبناء سودانٍ يحترم إنسانية الفرد، ويقدس تراب الوطن، ويضع حدًا لمتاهات الظلم والمطبات التاريخية، ليكون البلسم الذي يشفي جسد الوطن، وينقله من ضيق “الأنانية المركزية” إلى رحابة “العدالة التأسيسية” فهل نحن مستعدون لالتقاط هذه “الفرصة الأخيرة” وبناء الدولة التي تليق بتضحياتنا لنجعل من هذه الحرب آخر حروب السُّودان للأبد.
ولنعلم جميعا ان دماء الشهداء وأنين المشردين ليسوا قرابين مجانية، بل هم وقود محرك لقطار التغيير الذي لن يتوقف، وعليه فإن مرافعة الخلاص اليوم تتلخص في تحويل هذا الوجع الوطني المقيم إلى “وعي تنظيمي” قادر على فرض واقع جديد، فلن نقبل بعد اليوم بأن نكون “حطباً” لحروب المركز العبثية، بل سنكون “بناة” لمستقبلنا، إنها الفرصة الأخيرة، إما أن نؤسس لوطن يسع الجميع بكرامة، أو أن نترك التاريخ يطوي صفحة دولة لم تعرف كيف تحترم تنوعها، فلقد انكشفت العورات، وسقطت الأقنعة، ولم يبقَ إلا الفعل الشجاع.
