ميرغني أبشر: الفخ الأخير للإخوان!!

129
krty

 ميرغني أبشر

في أعقاب التحولات المتسارعة التي شهدتها حربهم العبثية، ومع انتقالها من صراع عسكري يروح ضحيته مدنيون بغفلة  ظاهرياً إلى استهداف مباشر لتجمعات المدنيين والنخب السياسية الداعمة لميثاق تأسيس، أخذ المشهد السوداني منعطفاً أكثر قتامةً وتعقيداً. فقد أسهم التمدد الميداني الواسع لرقعة العمليات، الممتدة من دارفور حتى النيل الأزرق، في كشف اختلال موازين القوة على الأرض، حيث بدا التراجع الميداني لقوات حكومة الأمر الواقع ومسانديها أمراً لا تخطئه الباصرة.

وسط هذا التراجع، جاء رد جيش حكومة الأمر الواقع محمولاً بروح الانتقام بقتلهم أحد القيادات الشابة المنتمية إلى تأسيس، ليتبع ذلك رد سريع من قوات الدعم السريع على هذا الاستهداف، فاهتز ليل الخرطوم وتخومها بسلسلة ضربات مسيّرة اتسمت بعنف مفرط ودقة قاتلة، وامتدت آثارها حتى مدن شمالي العاصمة. وقد تحدث مراقبون عن كلفة باهظة دفعت في المعدات والأرواح النوعية، بما يعكس انتقال الصراع من حسابات السيطرة إلى منطق الإيلام المتبادل وإعادة فرض الهيبة، وهي معادلة يدفع ثمنها المواطن المغلوب على أمره.

وفي موازاة ذلك، سعت عناصر الحركة الإسلامية المصنفة، وفق نهجها المألوف، إلى تغبيش الواقع عبر نفي الوقائع وتنسيبها إلى حوادث كذوبة تُدرج ضمن عوارض الحرب، بما يضمن استمرار المقتلة وتعويد الناس عليها حتى تغدو مألوفةً في الوعي الجمعي. وتزامن  كل ذلك مع تغييرات في المواقع السياسية والعسكرية أجراها الفريق عبد الفتاح البرهان، رآها بعض المتابعين القريبين انعكاساً لتدخل مباشر من التنظيم المصنف، خاصةً مع تصاعد خطاب صادر عن أحبار شباب التنظيم من الصفين الثاني والثالث، وهم وإن افتقروا إلى تاريخ في الكتابة الألمعية أو عمق معرفي سياسي، فقد ظلوا أصواتاً موثوقةً تعكس توجهات دهاقنة التنظيم من رجالات الصف الأول.

ومن بين تلك الدعوات، برزت أصوات تحض الفريق ياسر العطا، صاحب مقولة «القوة المميتة» والداعي إلى استخدام الأسلحة المحظورة، على إعادة إنتاج التجربة السابقة التي استُخدمت خلالها تلك الأسلحة في عدة جبهات ضد قوات الدعم السريع، الأمر الذي أدى حينها إلى انسحابها من الخرطوم والجزيرة. وقد ارتفعت وتيرة هذه الأصوات عقب تسلمه منصبه الجديد رئيساً لهيئة الأركان، مما أنعش أملاً لديهم في رهان واضح على قدرته في وقف تقدم قوات تأسيس ميدانياً.

غير أن هذا الهدف يظل فرعاً من غاية أعمق وأكثر خطورةً، تتمثل في محاولة توريط البرهان وداعميه ومنظومة العسكر بأكملها في مصيدة استخدام الأسلحة المحرمة دولياً، بما يفضي إلى عزلهم دولياً وربط مصيرهم النهائي بمصير الجماعة نفسها. فالإخوان وواجهاتهم السياسية لم يعودوا يثقون في البرهان بعد شروعه، ولو شكلياً، في الابتعاد عنهم وفتح خطوط اتصال مع المنظمة الدولية وقنوات مرتبطة بإنفاذ خارطة الرباعية المطورة من الاتفاق الإطاري، وهي خارطة تستبعد الجماعة تماماً من العملية السياسية حاضراً ومستقبلاً، وقد تعزز ذلك عقب تصنيف الإدارة الأمريكية لهم جماعةً إرهابيةً.

إن ما تريده الجماعة، بدافع الهلع السياسي، يتمثل في استمرار الحرب بأي ثمن وتحقيق انتصار ميداني حاسم يفرض سلطانها واقعاً غشيماً، دون اكتراث بحال البلاد أو مصير شعبها. ويتجلى ذلك بوضوح في تعاطيها العقيم مع قضايا التعليم، وكان آخرها التصريحات الصادمة الصادرة عن دبلوماسيي السفارة السودانية في القاهرة حول تيسير انعقاد امتحانات الشهادة السودانية للطلاب المحتجزين في السجون المصرية، وكأن استمرار المأساة تفصيل عابر في حساباتهم.

وقبل ذلك، ظهرت الجراح ذاتها في أزمة رواتب أساتذة الجامعات والتلويح بإحلال بدائل لشغل وظائفهم، في ممارسة تكشف فلسفة القهر الممنهج التي تُدفع بها المجتمعات إلى حافة الإنهاك حتى تصبح الحرب قدراً يومياً لا يُقاوَم.

هكذا تُدار المأساة، حربٌ تُستدام لتكون درعاً واقياً من الملاحقة، وتأجيلاً دائماً للحظة الحساب، ومحاولةً يائسةً لتأخير ما أصبح أقرب إلى الحتم التاريخي: اجتثاث المشروع الذي أنهك السودان عقوداً طويلةً، تلك النبوءة التي لمح إليها الأستاذ محمود محمد طه قبل أن يُغتالوه باكراً، حين أبصر أن عنف الإخوان سيتحول لاحقاً إلى عقيدة حكم، وعندها تأتي نهايتهم من داخلهم قبل أن تأتي من خصومهم.

What do you feel about this?