البرهان يعيد هندسة الجيش السوداني: إقصاء الكباشي وتمهيد الطريق لسلطة فردية مطلقة

41
brhan

“جاءت هذه الخطوة بعد ضغوط طويلة أفضت إلى ترتيبات سياسية ومالية محدودة، مقابل إفساح المجال كاملًا أمام قائد الجيش للسيطرة على مفاصل القرار العسكري والسياسي”، عبارة تلخص تحوّلًا عميقًا في بنية السلطة داخل السودان، حيث تتقاطع إعادة هيكلة الجيش مع طموحات سياسية تتجاوز المؤسسة العسكرية نحو إعادة تشكيل الحكم.

وكالات – بلو نيوز

كشفت تطورات متسارعة داخل المؤسسة العسكرية السودانية عن ملامح إعادة تشكيل عميقة في هرم السلطة، عقب قرار قائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان إعفاء نائبه الفريق أول شمس الدين الكباشي من منصبه، في خطوة وُصفت بأنها ليست مجرد تعديل إداري، بل تحوّل استراتيجي لإعادة توزيع النفوذ داخل الجيش والدولة.

وبحسب مصادر أمنية مطلعة في بورتسودان، فإن القرار جاء نتيجة مسار طويل من الضغوط والمفاوضات المعقدة، تخللتها ترتيبات ذات طابع سياسي ومالي، انتهت بإبعاد الكباشي من موقعه المؤثر، وإفساح المجال أمام البرهان لإحكام قبضته على مفاصل القرار العسكري والسياسي، في سياق إعادة هيكلة شاملة بدأها مطلع مارس الماضي.

القرار لم يقتصر على إلغاء منصب نائب القائد العام، بل رافقه تعيين الكباشي في موقع مستحدث تحت مسمى “مساعد القائد العام لشؤون البناء والتخطيط الاستراتيجي”، وهو منصب أثار جدلًا واسعًا داخل الأوساط العسكرية، إذ أكد ضباط، بعضهم في الخدمة وآخرون متقاعدون، أن هذا الدور غير موجود في الهيكل التقليدي للجيش، واعتبروه خطوة شكلية تمثل “إبعادًا آمنًا وعزلًا تدريجيًا” لأحد أبرز القيادات.

وتشير المعطيات إلى أن هذه الخطوة جاءت ضمن صفقة سياسية معقدة، لعب فيها مدير هيئة الصناعات الدفاعية الفريق ميرغني إدريس دورًا محوريًا، عبر إدارة مفاوضات استخدمت فيها أدوات الترغيب والترهيب، وانتهت بتقديم وعود ومكاسب للكباشي، في إطار تسوية تهدف إلى إعادة ترتيب مراكز القوة داخل الجيش.

في السياق ذاته، يرى مراقبون أن القرارات الأخيرة تندرج ضمن مشروع أوسع يقوده البرهان لتعزيز سلطته الفردية، عبر تغييرات دقيقة في بنية المؤسسة العسكرية، مدعومة بواجهات سياسية ومدنية، في محاولة لإعادة إنتاج منظومة الحكم بشكل يضمن بقاء السيطرة داخل دائرة ضيقة من الحلفاء.

ولم تخل هذه التحركات من انتقادات سياسية حادة، إذ اعتبر قياديون أن ما يجري يمثل تطبيقًا لـ”وصفة خارجية” تهدف إلى تمهيد الطريق أمام البرهان لتولي رئاسة الجمهورية، مع تركيز السلطة في يد نخبة محدودة، بالتوازي مع تحالفات مع تيارات الإسلام السياسي، بما يعيد إلى الأذهان نماذج حكم سابقة ولكن بأدوات وواجهات جديدة.

من جانبهم، حذر محللون من أن هذه التغييرات قد تعمّق الانقسامات داخل المؤسسة العسكرية، بدلًا من توحيدها، مشيرين إلى أن غياب التوافق الداخلي قد يفتح الباب أمام صراعات جديدة، وربما سيناريوهات انقلابية، في ظل احتدام التنافس على النفوذ داخل الجيش.

دراسات حديثة أكدت بدورها أن إعادة هيكلة الجيش السوداني تتجاوز البعد التنظيمي، لتعكس صراعًا داخليًا على السلطة وإعادة تشكيل المؤسسة عسكريًا وسياسيًا وأيديولوجيًا، بما يشمل مفاصل حيوية من العمليات إلى الاستخبارات، في مؤشر على تحول جذري في طبيعة القيادة العسكرية. وفي المحصلة، تبدو قرارات البرهان جزءًا من مسار أوسع لإعادة صياغة المشهد السياسي في السودان، حيث تتقاطع رهانات السلطة العسكرية مع حسابات إقليمية ودولية، وسط مخاوف متزايدة من تكريس حكم عسكري طويل الأمد، قد يقوض فرص الانتقال الديمقراطي، ويعيد إنتاج السلطة بوجوه جديدة تحت مظلة قديمة.

What do you feel about this?