محمد علي مهلة: عِدّة شُغل التيار الانفصالي في سلطة بورتسودان
محمد علي مهلة
لديّ ادّعاء بأن جزءا كبيرا من الأفعال المنسوبة لبعض المواطنين في مناطق سلطة بورتسودان هو عمل منظم، وكذلك السياسات والإجراءات والقرارات التي تُتخذ في ولاية الخرطوم وبعض الولايات الأخرى.
في العام 2005، عندما تم توقيع اتفاقية السلام الشامل (نيفاشا) بين حكومة المؤتمر الوطني والحركة الشعبية لتحرير السودان، كانت بعض بروتوكولاتها تُشكّل نواة لتفكيك بنية الدولة المختلة الموروثة من الاستعمار. من بينها ما ورد في بروتوكول الترتيبات الأمنية، حيث اتفق الطرفان على تشكيل قوات مشتركة مناصفة بين جيش الإنقاذ والجيش الشعبي، بلغ عددها 39 ألف. كانت هذه القوات ستكون نواة للجيش الوطني الجديد في حال صوت الجنوبيون للوحدة عند استفتائهم على تقرير مصيرهم، وكذلك لمعالجة اختلالات الجيش والقوات النظامية الأخرى لصالح جميع السودانيين ولصالح الانتقال والتحول الديمقراطي. وهذه المسألة (معالجة الاختلالات) دونها خرط القتاد بالنسبة لحراس الدولة القديمة، لأن الجيش يتحكم في الاقتصاد عبر شركاته، ويستحوذ على أكثر من 80% من ميزانية الدولة، والأهم من ذلك أنه حامٍ لنمط الاقتصاد الطفيلي الاستهلاكي السائد. ووفقًا لذلك، قرر المؤتمر الوطني فصل جنوب السودان، وكذلك تطبيقًا لبنود اتفاقية نيفاشا التي تنص على تمثيل الجنوبيين بنسبة 30% في الوظائف القيادية العليا بالخدمة المدنية وفقًا لنسبة سكان إقليم الجنوب حينها. أي أن الاتفاقية أقرت معايير لإصلاح بنية الخدمة المدنية، وهو مؤشر آخر دفع المؤتمر الوطني إلى اتخاذ قرار فصل جنوب السودان. وقد أدار المؤتمر الوطني عملية الوصول إلى الهدف النهائي الذي خطط له عبر عدة أذرع، منها رعايته لما سُمّي “منبر السلام العادل”، وصحيفة “الإنتباهة”، وهما جزء من أدوات خطاب الكراهية والدعاية الانفصالية، كما سخّر لهذه الخطة منابر إعلام الدولة.
بعد حراك ثورة ديسمبر 2018، والتسوية السياسية بين جزء من قوى الحرية والتغيير (2019)، واتفاقية جوبا للسلام (2020)، كل ذلك خلق واقعًا جديدًا، كانت من مآلاته هيكلة الدولة السودانية لصالح الجميع. وحينها بدأ التيار الأصولي والعنصري الذي تتزعمه الحركة الإسلامية في تنظيم نفسه لقطع طريق الانتقال، فنفذ انقلاب أكتوبر 2021. وعندما تمت محاصرتهم شعبياً وسياسياً عبر الاتفاق الإطاري، أشعلوا حرب 15 أبريل 2023 لتمهيد عودتهم الكاملة إلى السلطة. وعندما غلبتهم عملية حسم الحرب عسكرياً، اتخذوا قرار تقسيم السودان. وعُدّة شُغلهم هذه المرة هي “مجموعة النهر والبحر”، والحراك والخطاب المُتحكم فيهما عبر أذرع لأجهزة الدولة، سواء كان حراك الطيب الإمام، أو حراك بعض مواطني محلية دقلو، أو الإجراءات التي استهدفت أكثر من 50 كمبو بولاية الجزيرة، وتكسير وتهجير آلاف المواطنين في أطراف بحري، مثل أحياء أبو كرشولا، وبنتبة، والعزبة، والكدور، ثم الخيرات، وشمبات، والمرسي، والجنائن، وفي الخرطوم: جزء من مناطق سوبا الأراضي، وسوبا الحلة، ومايو، وقلب الأسد، وفلب، وماندلا، والشجرة البحر، ودار السلام، وفي مدينة أم درمان: كل من أمبدة، وكرور، ودار السلام، والفتح وغيرها. كما عملوا على تفعيل خطاب الكراهية بمواقع التواصل الاجتماعي وتوجيهه بأن الخلاص يكمن في التقسيم والانفصال.
لذلك فإن خطاب الكراهية الموجه عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وقرارات الاستهداف والتهجير لبعض المواطنين والمجتمعات، وترتيب الأوضاع التراتبية في الجيش، ومشاركة منصات قنوات فضائية في كل ذلك، ما هي إلا عِدّة شُغل لتهيئة الواقع للذهاب نحو التقسيم. أضف إلى ذلك الممارسات المرتبطة بقانون “الوجوه الغريبة”، وسياسات حرمان مواطني أقاليم دارفور وكردفان والفونج الجديد من الاستفادة من مدخراتهم الاقتصادية، وذلك بالتغيير الجزئي للعملة، وحرمانهم من امتحانات الشهادة السودانية ورفض كل الحلول لهذا الأمر، وكذلك حرمان البعض من أوراقهم الثبوتية، وخطاب التغريب، ونزع حق المواطنة والانتماء من بعض المجموعات، ورفض مبادارت السلام، كل ذلك هو عِدّة شُغل موجهة لهدف استراتيجي وهو تقسيم السودان.
ولكن هل يسير الواقع وفق ما يخططون؟ وإجابتي: لا فكل المؤشرات تذهب نحو تغيير بنية وتوجه الدولة السودانية لتسع الجميع.
