فاطمة لقاوة: السافنا من سرير الهند إلى مزبلة بورتسودان.

1
lagawa

فاطمة لقاوة

لم تحتاج مسرحية “السافنا” الأخيرة إلى كثير ذكاء لفهم حبكتها الدِرامية الركيكة؛ فالرجل الذي خرج بالأمس من الهند متقمصاً دور “التائب الزاهد” وأعلن إنعزاله من الدعم السريع رافضاً الإنتماء الى معسكر بورتسودان، عاد بعد أيام فقط ليقف أمام كاميرات ذات العصابة التي أقسم بأنه لن يكون منها، متلعثماً بنص مكتوب بمداد الإرتزاق، وكأن ذاكرة الناس مثقوبة أو أن السودانيين فقدوا القدرة على التمييز بين الرجال و”الكومبارس”.

ما حدث اليوم  لم يكن “تحولاً سياسياً” كما حاولت أبواق بورتسودان تسويقه، بل كان حفلة تعرية علنية لرجل إحترف تبديل الجلود بحسب إتجاه الريح، حتى بات أشبه بلافتة إعلانية متنقلة تُرفع حيث يُدفع أكثر. فمن يقسم بالأمس أنه لن يقترب من معسكر البرهان، ثم يظهر اليوم في أحضان ذات العصابة، لا يمكن وصفه بمناضل أو صاحب قضية؛ بل مجرد “مقاول مواقف” يعمل بنظام اليومية،و عصابة بورتسودان نفسها لم تجد ما تسد به فراغها السياسي والعسكري سوى إعادة تدوير النفايات البشرية التي لفظتها الميادين، مرة بـ”كيكل”، وأُخرى بـ”القبة”، واليوم بـ”السافنا”، وكأن مشروعهم كله قائم على جمع المتساقطين أخلاقياً وتقديمهم للجمهور باعتبارهم “رموزاً وطنية”، بينما الحقيقة أنهم مجرد أدوات صدئة في ورشة الخراب الكبير.

الأكثر إثارة للسخرية أن هذا “السافنا” حاول التحدث عن الشهداء-(الجنرال جلحة،الجنرال عبدالله حسين،المستشار حامد)- وكأنه كان يوماً بينهم أو يشبههم، ذكر أسماء رجال ثبتوا حتى الموت، بينما هو لم يثبت حتى على تصريح فيديو أطلقه في أيام معدودة،هنا الفرق شاسع بين من يواجه الموت واقفاً، ومن يبدل ولاءه أسرع من تبديل ثياب السفر بين الهند وبورتسودان.

لقد ظنت عصابة البرهان أن صناعة “أبطال من ورق” يمكن أن تعوض به الإنهيار الأخلاقي والسياسي الذي تعيشه، لكنها لم تدرك أن الجماهير باتت ترى المسرحية كاملة: المُخرج واحد، والمُمول واحد، والمًمثلون مجرد وجوه باهتة يُعاد إستخدامها بعد كل سقوط.

المفارقة التي تكشف معدن الرجال حقاً، أن القيادة العليا للدعم السريع هي  التي فتحت للسافنا  الباب للعلاج والعبور الإنساني، و.كانت تعرف تماماً نوعية هذا الشخص، لكنها تعاملت معه بأخلاق الفرسان، بينما إختار هو أن يرد المعروف بالخيانة، والكرم بالنباح الإعلامي الرخيص،و هنا يظهر الفرق بين من يحمل مشروعاً متكاملاً يسعى لتثبيته، ومن يحمل حقيبة يبحث بها عن أقرب مزاد.

هروب الإنتهازيين إلى بورتسودان ليس خسارة كما يتوهم البعض، بل عملية تنظيف طبيعية لجسد المعركة،

فالثورات الحقيقية لا تتضرر بخروج المتسلقين، بل تزداد نقاءً وصلابة، أما الذين باعوا أنفسهم لعصابة الخراب، فسوف يكتشفون متأخرين أنهم لم يشتروا مجداً، بل أستأجروا مقاعد مؤقتة في مزبلة التاريخ،

أما “السافنا”، فسيبقى مجرد عنوان صغير في دفتر الخيبات؛ رجل بدأ رحلته بالصراخ، وأنهاها كأداة رخيصة في سيرك بورتسودان الكبير.

ولنا عودة بإذن الله.

What do you feel about this?