دقلو وخطاب التحول الكبير: سقوط الدولة القديمة وبداية تشكل المشروع السوداني الجديد
“لم يكن خطاب الفريق أول محمد حمدان دقلو في عيد الأضحى مجرد كلمة مناسبة، بل بدا إعلاناً سياسياً عن ملامح مرحلة جديدة في السودان، حاول من خلالها تقديم مشروع يقوم على إعادة تأسيس الدولة وبناء جيش وطني جديد وإنهاء احتكار السلطة، في ظل صراع بات يدور حول شكل الدولة ومستقبل السودان أكثر من كونه مواجهة عسكرية تقليدية.”
متابعات – بلو نيوز
لم يكن خطاب الفريق أول محمد حمدان دقلو بمناسبة عيد الأضحى خطاباً بروتوكولياً عابراً يرتبط بطقوس المناسبات الرسمية، بل بدا أقرب إلى إعلان سياسي واسع المعاني، حمل في مضمونه محاولة واضحة لإعادة تعريف طبيعة الصراع السوداني، وتقديم تصور متكامل حول شكل الدولة التي ينبغي أن تنشأ بعد الحرب.
فالخطاب من حيث لغته وبنيته السياسية والرمزية، عكس تحوّلاً لافتاً في طبيعة الرسائل التي باتت تُقدَّم للرأي العام؛ إذ انتقل من خطاب الحرب والميدان إلى خطاب الدولة وإعادة التأسيس، ومن منطق المعركة العسكرية إلى طرح أسئلة تتعلق بمستقبل السلطة وهوية السودان وأسس بناء الدولة الوطنية.
ومنذ اللحظات الأولى، بدا أن الخطاب صيغ بعناية ليخاطب أكثر من مستوى في آن واحد؛ الداخل السوداني، والقوى السياسية، والمجتمع الإقليمي والدولي. فقد ظهرت نبرة هادئة وواثقة، مصحوبة بلغة تحاول تقديم الدعم السريع بوصفه مشروعاً سياسياً يسعى ـ بحسب الخطاب ـ إلى بناء دولة تقوم على المواطنة المتساوية والعدالة وإنهاء احتكار السلطة والثروة الذي لازم السودان لعقود طويلة.
ولم تكن الرمزية البصرية المصاحبة للخطاب منفصلة عن مضمونه السياسي. فظهور العلم السوداني، والزي الرسمي، وشعار “وطن يسع الجميع”، كلها عناصر حملت رسائل تتجاوز الشكل إلى محاولة إعادة تقديم الدعم السريع باعتباره ليس مجرد قوة عسكرية فاعلة في الحرب، وإنما طرفاً يسعى لطرح مشروع لإعادة تأسيس الدولة السودانية على أسس جديدة.
اللافت في الخطاب أيضاً كان التركيز الواضح على قضايا ظلت تشكل جوهر الأزمة السودانية منذ الاستقلال، وفي مقدمتها أزمة المركز والهامش، واحتكار السلطة، وفشل النخب التقليدية في إدارة التنوع السوداني بصورة عادلة ومتوازنة. وهي القضايا التي ظل جزء واسع من السودانيين يعتبرها السبب العميق للحروب والانقسامات والانهيارات المتكررة التي عاشتها البلاد.
وفي هذا السياق، حاول دقلو تقديم نفسه ليس فقط كقائد عسكري، بل كرجل دولة يمتلك رؤية سياسية لمرحلة ما بعد الحرب، عبر الحديث عن بناء جيش وطني جديد بعقيدة مهنية وقومية، وإعادة بناء المؤسسات العامة، وتحقيق العدالة الانتقالية، وتأسيس دولة مدنية حديثة تخضع فيها المؤسسات العسكرية للسلطة الوطنية والقانون.
كما حمل الخطاب بعداً رمزياً وسياسياً مهماً باستحضاره أسماء شخصيات ارتبطت تاريخياً بخطاب “السودان الجديد” وقضايا العدالة والتغيير، مثل جون قرنق ويوسف كوه وداود يحيى بولاد وخليل إبراهيم، في إشارة بدت وكأنها محاولة لربط المشروع المطروح اليوم بسياق تاريخي طويل من الصراع ضد التهميش وهيمنة المركز.
وفي الجانب الإنساني، حرص الخطاب على إبراز معاناة النازحين واللاجئين بوصفها أولوية وطنية وأخلاقية، مع التعهد بالعمل على إعادة الإعمار وتوفير الخدمات الأساسية وتهيئة الظروف لعودة المدنيين إلى مناطقهم، في محاولة لتقديم خطاب يتجاوز الجانب العسكري إلى مخاطبة الأبعاد الاجتماعية والإنسانية للأزمة السودانية.
لكن، ورغم القوة السياسية والرمزية التي حملها الخطاب، فإن التحدي الحقيقي أمام أي مشروع يُطرح اليوم في السودان يبقى في قدرته على الانتقال من مستوى الشعارات إلى مستوى التطبيق العملي. فالسودانيون الذين أنهكتهم الحرب والانقسامات والانهيار الاقتصادي لم يعودوا يبحثون فقط عن خطابات كبرى أو وعود سياسية، بل عن مشروع حقيقي قادر على وقف الحرب، وإعادة بناء الدولة، واستعادة الثقة بين مكونات المجتمع السوداني المختلفة.
وربما تكمن الأهمية الأكبر لهذا الخطاب في أنه أعاد فتح النقاش حول السؤال الجوهري الذي ظل يؤرق السودانيين لعقود: كيف يمكن بناء دولة يشعر فيها الجميع بالمساواة والانتماء الحقيقي، بعيداً عن الإقصاء والهيمنة وإعادة إنتاج السلطة القديمة بأشكال جديدة؟
فالسودان الجديد، إن كان له أن يولد فعلاً، لن يُبنى بالقوة وحدها، ولا عبر استبدال مركز هيمنة بآخر، وإنما عبر العدالة، والشراكة الوطنية الحقيقية، والاعتراف الكامل بحق جميع السودانيين في وطن يتسع للجميع دون تمييز أو تهميش.
