الجميل الفاضل: (ثلاثة وثلاثون) اكتمل بها كأس الانقلابات، وبدأ منها فيض الحرب؟!
الجميل الفاضل
ثمة أعداد لا تمرّ في كتاب الوجود مرور الأرقام، لكنها تعبره ككائنات حية؛ لها أرواحها الخفية وظلالها الممتدة، ولها لغتها التي لا تُقرأ بعلم الحساب، لكن بالبصيرة حين تصغي إلى همس المعنى خلف صخب الظواهر.
وعلى رأس هذه الأعداد يقف الرقم (33) كشيخ وقور على عتبة الأسرار.
في المدونات القديمة، عند الكلدانيين والكاباليين وأتباع فيثاغورس، يلوح هذا الرقم كأحد أرقام الامتلاء الأعظم، ومنزلة النضج التي تبلغ فيها الثمرة تمام استدارتها قبل أن تنفلق عن بذورها.
وهو الرقم الذي يلهج به المسلمون تسبيحاً وتحميداً وتكبيراً دبر كل صلاة، كأن الروح لا تكمل دورة حضورها إلا بعبور ثلاث وثلاثين درجة في مراقي الذكر.
وهو عمر أهل الجنة، لا طفولة فيه ولا شيخوخة، به تكتمل الصورة الإنسانية عند منتصف القوس بين البدء والمنتهى.
وهو الذي ارتبط في علم الحرف بالشمس والجبال، كآيتين عظيمتين من آيات الله.
لكن ألا ما أبدع التوافق القدري حين ننظر إلى اسم السودان نفسه.
إذ كلمة «سودان» تساوي في حساب الجمل (121)، وهو مربع الرقم (11).
والـ(33) نفسه (3 × 11).
فالـ(11) محور مشترك: محور العهد الذي لا ينكسر، ومحور البوابة بين السماء والأرض، والتوازن بين الواحد والاحد.
فالرقم (121) يجسد الثبات والأساس المتين (1+2+1=4)، ويعكس رحلة الروح: خروج من الاحد، مرور بالابتلاء، وعودة إلى الواحد أقوى.
كأن اسم السودان يحمل في طياته بذرة النهوض المكتوبة داخل دورة الألم ذاتها.
وكأن هذا الرقم (33) ظل يحمل منذ ذلك اليوم صدى الموافقة الأولى، وذكرى العهد القديم بين الخالق والمخلوق.
قبل أن تمضي إشارته حقبا عبر الأديان والقرون.
فيتوقف المسيحيون عند الثالثة والثلاثين، حيث بلغ السيد المسيح ذروة رسالته الأرضية، حيث رأى بعض لاهوتييهم أنها سنُّ الكمال الإنساني كما ينبغي أن يكون.
ويستحضر اليهود الرقم ذاته في سنوات مُلك داود على أورشليم، وكأنما العدد كان يعاود الظهور كلما أراد التاريخ أن يضع خاتمه على دورةٍ من دورات الاكتمال.
حتى في الرياضيات الجافة، وهي أبعد العلوم عن المجاز، تبدو كأنها تُسرّ بشيء من هذا السر.
فحين يُقسم الكمال العددي (100%) على الثلاثة، لا ينتهي الناتج إلى حدٍّ معلوم، بل يظل يتدفق في سلسلة لا تنتهي من الثلاثات:
(33.333333), كأن الامتلاء الحقيقي ليس حالة جامدة، بل فيضٌ دائم، واتساعٌ لا يعرف التوقف.
فماذا لو نظرنا إلى ما وراء ما جري في السودان من نافذة هذا الرقم العجيب؟
هنا تبدأ حكاية مدهشة أخرى.
فبين انقلابي الحركة الإسلامية في يونيو 1989, وأكتوبر 2021، والي حربها في ابريل 2023, أكمل السودان دورةً كاملة من ثلاثٍ وثلاثين سنة.
ثلاثة وثلاثون عاماً ظلّ فيها هذا الوطن يدور داخل طاحونةٍ لا تهدأ؛ تتبدل فيها الوجوه وتبقى البنية ذاتها، وتتغير الشعارات بينما يستمر النزيف في الأعماق.
لم تكن تلك السنوات مجرد زمنٍ يمر.
كانت معملاً هائلاً لصناعة هذا التشوه الغريب الذي نراه.
فيها تمددت الدولة الموازية حتى كادت تبتلع الدولة الأصل.
وفيها تسيّست المؤسسات التي كان ينبغي أن تبقى فوق السياسة.
وفيها نمت الجيوش والمليشيات بأحشاء الدولة كما تنمو الظلال من داخل جسد الضوء.
وفيها جرى تأجيل الانفجار عاماً بعد عام، وصفقة بعد صفقة، وتسوية بعد تسوية، حتى بدا وكأن البلاد تحمل فوق ظهرها جبلاً من الأزمات المؤجلة.
لكن لله في التاريخ سنناً لا تتخلف.
فالجرح الذي لا يُنظف يتقيح.
والاعوجاج الذي لا يُقوّم يتفاقم.
والكأس إذا امتلأت فلا بد أن تفيض.
وهكذا اكتمل رقم السودان، واكتمل معه الامتلاء.
بيد أنه لم يكن امتلاء بالنور، لكن كان هو امتلاء بالقيح والصديد والوجع.
ولم يكن امتلاء بالحكمة، لكنه كان امتلاء بفوران الكُرهِ والعصبية والغضب.
وبالتالي فإنه لم يكن امتلاء كمال، بل كان امتلاء ابتلاء.
ومع ذلك ظل السودانيون يحملون سلاحاً عجيباً لا تملكه كثير من الأمم، هو سلاح الصبر.
ذلك المعدن الذي لا يُستخرج من الأرض، لكن يستل من الأرواح.
الصبر الذي ظل يحرس البيوت الفقيرة، ويحفظ بقايا الأمل في العيون المرهقة، ويمنع البلاد من السقوط الكامل كلما اشتدت عليها العواصف.
وما أدراك ما الصبر؟ إنه ليس احتمال الألم فحسب، لكنه القدرة على حمل الألم دون أن يتحول القلب إلى حجر.
والقدرة على عبور النار دون أن تفقد الروح نورها.
ولذلك كان الصبر دائماً امتحان الخاصة من الأمم، كما كان امتحان الخاصة من الأفراد.
فالأحجار لا تُختبر، أما الجواهر فإنها تُلقى في الأتون.
ثم جاءت حرب أبريل،
وجاء معها آخر الدواء الكيُّ،
ذلك الذي تلجأ إليه الطبابة القديمة حين تعجز الأدوية كلها.
حين تصبح المسكنات جزءاً من المرض.
وحين تتحول الحلول المؤقتة إلى أسباب دائمة للكارثة.
لقد بدا المشهد، في ظاهره، خراباً لا حد له.
غير أن عين البصيرة ترى ما وراء هذا الركام، ترى بنيةً كاملة من الأوهام وهي تنهار اليوم على رؤوس أصحابها.
وترى معادلاتٍ مختلة ظلت تحكم البلاد لعقود ها هي تتفكك الآن تحت وطأة اصطدامها الذاتي.
وترى تاريخاً كاملاً يُغلق صفحته الأخيرة بالدموع والدم.
كأن السودان قد دخل للتو غرفة الجراحة التي تأخر عن دخولها طويلاً.
لذلك ربما لا يكون الرقم (33) في التجربة السودانية مجرد مصادفة زمنية، لكنه ربما كان دورة اكتمال.
اكتمال المرض لكي يبدأ الشفاء، واكتمال الليل كي يولد الفجر، واكتمال الامتحان كي تظهر النتيجة.
لقد امتلأ هذا الإناء الي آخر قطرة منه، ولم يعد فيه متسعٌ لمزيد من التردد أو الدوران في تلك الحلقة المفرغة نفسها.
ومن هنا يمكن قراءة هذه الحرب، لا بوصفها خاتمة طريق، لكن بوصفها المخاض الأخير قبل ولادة صورة أخرى لسودان جديد.
صورةٍ لا مكان فيها لدولة موازية، ولا لجيوش متعددة، ولا لتسويات عرجاء تؤجل السقوط ولا تمنعه.
هي صورةٍ تتخلق حاليا ببطءٍ تحت النار والرماد.
وكما أن الكسر العشري للثلاثة والثلاثين يظل ممتداً نحو اللانهاية، فإن قدرة هذا الشعب على النهوض تبدو هي الأخرى عصية في ذات الوقت على النفاد.
فالسودان ليس مجرد جغرافيا أنهكتها الحروب المتطاولة.
إنه روحٌ عتيقة عبرت قروناً من المحن، وخرجت في كل مرة أكثر معرفة بنفسها.
وإذا كانت ثلاث وثلاثون سنة قد اكتملت كدورةً من الألم، فلعل الدورة القادمة تكون دورةً أخرى من النهوض.
فالسنابل لا تخرج إلا بعد أن يُدفن الحب بجوف التراب.
والفجر لا يولد إلا بعد أن يبلغ الليل تمامه.
والأوطان، كالأرواح، لا تبلغ كمالها إلا بعد أن تعبر وادي الابتلاء إلى فسحة التجلي.
وما السودان اليوم إلا عابرٌ لذلك الوادي.
يعبر… بل ربما يطول عبوره.
