بدين عبدالله ديان: الحطام السياسي ومآلات نظام الحكم الإسلامي في السودان

1
badein

بدين عبدالله ديان
 

أسوأ فصول بلاد النوبة

مرت بلاد النوبة عبر تاريخها بتحولات عميقة مست هويتها وكيانها، وتبدلت أسماؤها حتى استقرت على اسم “السودان” قبل أقل من قرنين. غير أن أكثر محطاتها قسوة لم يكن تبدل الاسم، بل ذلك التحول السياسي العنيف الذي وقع في الثلاثين من يونيو 1989، حين استولى الإسلاميون على السلطة تحت جنح الظلام، حاملين مشروعاً إقصائياً غلّفوه بشعارات دينية، بينما كان جوهره الحقيقي هو السيطرة الكاملة على الدولة وإعادة تشكيلها وفق مصالح التنظيم.

رفعوا شعار “التمكين”، لكنه لم يكن سوى عملية ممنهجة لتفكيك مؤسسات الدولة الوطنية، واستبدالها بعناصر تدين بالولاء للحركة الإسلامية، لا للوطن ولا للدستور. وهكذا بدأت الدولة تفقد روحها من الداخل، حتى تحولت مؤسساتها إلى هياكل خاوية.

اختطاف الدولة ومؤسساتها

أولى خطوات المشروع كانت السيطرة على القوات المسلحة، وتحويلها من مؤسسة قومية تحمي الوطن إلى أداة تخدم التنظيم وأهدافه الأيديولوجية. كما امتد هذا النهج إلى الخدمة المدنية، حيث لم تعد الكفاءة معياراً للتعيين أو الترقية، بل أصبح الولاء السياسي والمشاركة في الحروب الداخلية وسيلة للصعود الوظيفي.

بهذا النهج، انهارت قيم العدالة والمؤسسية، وتراجع مفهوم الدولة لصالح التنظيم، فتآكلت البنية الإدارية والعسكرية التي كانت تمثل الهدم في عماد السودان الحديث.
اقتصاد الشعارات والفساد المقنن

تحت لافتات مثل “نحن جنودك للتعمير”، أُدير الاقتصاد بعقلية الولاء لا بعقلية التنمية. تم بيع مؤسسات الدولة، وخصخصة مقدراتها، وإنشاء اقتصاد موازٍ احتكرته النخبة المرتبطة بالتنظيم.

وفي الوقت الذي كانت الشعارات الدينية تُرفع لطمأنة الجماهير، كان الفساد يتمدد بلا رقيب، حتى أقر به رموز المشروع أنفسهم. ومع فرض هوية عربية إسلامية أحادية على بلد متعدد الأعراق والثقافات، تعمقت أزمة الهوية، وانتهت بانفصال الجنوب، لتفتح جروحاً جديدة في جسد الوطن.

من الأزمة إلى دولة الركام

ما يعيشه السودان اليوم تجاوز حدود الأزمة التقليدية؛ فالأزمات يمكن احتواؤها ومعالجتها، لكن السودان دخل مرحلة أخطر: مرحلة “دولة الركام”.

ركام في البنية التحتية، حيث الطرق مدمرة، والمستشفيات عاجزة، والمؤسسات التعليمية فقدت كثيراً من قيمتها بعد سياسات التعريب القسري والإضعاف الممنهج.

وركام في النسيج الاجتماعي، بعدما مزقت الحروب والانقسامات روابط المجتمع، وحولت المدن إلى مساحات مشبعة بالخوف والعسكرة والانهيار الأخلاقي.

لكن أخطر أشكال الركام هو الإنسان نفسه. ملايين السودانيين بين نازح ولاجئ، وجيل كامل يواجه الضياع، يبحث عن مأوى وكرامة وحياة آمنة. هذه هي الصورة الحقيقية لوطن صار طارداً لأبنائه.

من الاعتراف إلى إعادة التأسيس

الركام ليس مصيراً أبدياً، لكنه لن يُزال إلا بمواجهة الحقيقة كما هي: أن السودان وصل إلى هذا الانهيار بسبب مشروع أحادي فرض هوية واحدة على واقع متنوع.

الاعتراف بهذه الحقيقة هو الخطوة الأولى في طريق العلاج.

أما الخطوة الثانية، فهي بناء مشروع وطني جديد، يستند إلى دستور تأسيسي حديث، يضع المواطنة المتساوية أساساً للحكم، بعيداً عن الوصاية الأيديولوجية والهيمنة التنظيمية.

دولة تحمي الجميع، لا دولة تحتكرها جماعة.
دولة تُبنى بالكفاءة والعدالة، لا بالولاء والتمكين.

فالسودان اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما:
إما أن يرفع أنقاضه ويؤسس وطناً يتسع للجميع،
أو يظل أسيراً للصراع فوق الركام، حتى يفقد الوطن معناه، ويصبح مجرد ذكرى.

 

بدين عبدالله ديان
[email protected]

What do you feel about this?